Uncategorizedالأزماتالحركات المسلحةالساحل الإفريقيالقضايا

الصراع في جمهورية إفريقيا الوسطى: بين الحركات المسلحة المحلية والأطراف الأجنبية

مقدمة :

تُعَدّ جمهورية إفريقيا الوسطى دولة غير ساحلية في وسط إفريقيا، وتحدها تشاد من الشمال والسودان من الشرق ودولتا جمهورية الكونغو والكونغو الديمقراطية من الجنوب، والكاميرون من الغرب. ويبلغ إجمالي مساحة البلاد 622،984 كيلومتر مربع، وهي مستعمرة فرنسية سابقة حصلت على استقلالها في عام 1960([1]). ورغم أهمية الزراعة في اقتصاد البلاد إلا أن صناعة الماس تمثل حوالي نصف إجمالي عائدات التصدير, وتنتج البلاد أيضا النفط وتستخرج منها كميات أقل من الذهب واليورانيوم وخام الحديد والنحاس والمنغنيز([2]).

على أن جمهورية إفريقيا الوسطى لا تستفيد من ثروتها ولا تستجيب لاحتياجات سكانها رغم مواردها الطبيعية الهائلة, حيث حكمتها منذ الاستقلال سلسلة من القيادة الاستبدادية ومحاولة فاشلة لإرساء دعائم الملكية. وتشهد البلاد اليوم نزاعات مسلحة وأنشطة جهات فاعلة غير حكومية. وعانت أيضا منذ انتخابات ديسمبر 2020 الرئاسية من أعمال عنف بين الجماعات المسلحة والقوات الداعمة للحكومية مع استمرار المواجهات الدامية واتهام جميع الأطراف بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وهذا الوضع أثّر في تراجع معدلات التنمية وفشل مبادراتها في مناطق كثيرة في البلاد حيث لا توجد منطقة محصنة ضد العنف والفرص محدودة لاستعادة الخدمات العامة الأساسية وإمكانيات الكسب للمواطنين([3]).

أولا: خلفية موجزة عن الأزمة الجارية

يمكن اعتبار الأزمة الحالية في جمهورية إفريقيا الوسطى امتدادا للحرب التي وقعت بين عامي 2004 و2007 نتيجة التمرد الذي قاده “ميشيل دجوتوديا” من حركة “اتحاد القوى الديمقراطية من أجل الوحدة” (Union des Forces Démocratiques pour le Rassemblement) في شمال شرق جمهورية إفريقيا الوسطى ضد حكم “فرانسوا بوزيزي” الذي أطاح بـ الرئيس “أنغ فيليكس باتاسي” في مارس 2003. وتصاعد الوضع خلال عام 2004 إلى صراع دامٍ، حيث قاتلت القوات المتمردة التابعة لـ “اتحاد القوى الديمقراطية من أجل الوحدة” إلى جانب الجماعات المتمردة الأخرى، بما في ذلك “مجموعة العمل الوطني لتحرير إفريقيا الوسطى” (Groupe d’action patriotique pour la libération de Centrafrique) و “مؤتمر الوطنيين للعدل والسلام” (Convention of Patriots for Justice and Peace) و “الجيش الشعبي لاستعادة الديمقراطية” (People’s Army for the Restoration of Democracy) و “حركة محرري إفريقيا الوسطى من أجل العدالة” (Mouvement des libérateurs centrafricains pour la justice) و “الجبهة الديمقراطية لشعب إفريقيا الوسطى” (Front démocratique du peuple centrafricain)([4]).

ونتج عن جهود السلام توقيع حكومة “فرانسوا بوزيزي” و حركة “اتحاد القوى الديمقراطية من أجل الديمقراطية” اتفاقَ سلام في مدينة “بيراو” في 13 أبريل 2007, وأدّت المحادثات الإضافية إلى اتفاق سلام آخر في عام 2008 وحكومة وحدةٍ وإجراء انتخابات محلية في عام 2009 وانتخابات تشريعية ورئاسية في عام 2010. ومع ذلك, نشأ الصراع مجددا حيث ظهر تحالف جديد للجماعات المسلحة باسم “سيليكا” (Séléka) – ومتكوّن من فصائل متمردة مختلفة, بما في ذلك حركة “اتفاقية الوطنيين من أجل العدل والسلام” و “الاتفاقية الوطنية لإنقاذ الوطن” و “اتحاد القوى الديمقراطية من أجل التجمع”. واتهم هذا التحالف إدارة “بوزيزي” بعدم الالتزام باتفاقات السلام، وفي عام 2012 استولى مقاتلو “سيليكا” على بلدات كثيرة وسيطروا على العاصمة بانغي في عام 2013, مما أجبر الرئيس “بوزيزي” على الفرار من البلاد. وأدت وساطة “المجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا” (Communauté économique des États de l’Afrique centrale) على اتفاق لإنشاء مجلس انتقالي وطنيٍ عَيَّن لاحقًا زعيم المتمردين “ميشيل دجوتوديا” لقيادة البلاد نحو الانتخابات([5]).

وقد طغت السمة الطائفية على الصراع, وخاصة فيما بين عامي 2012 و2014؛ إذ بالرغم من أن “سيليكا” لم تكن حركة دينية في الأساس إلا أن “ميشيل دجوتوديا” – قائد “سيليكا” ورئيس البلاد الذي نصبتها الجماعة في مارس 2013 – وغالبية أعضائها مسلمون. وهناك شكاوى قديمة وشعور متجدد بين المجتمعات المسلمة في جمهورية إفريقيا الوسطى بالتهميش من قبل السلطات والحكومات([6]), وظهر هذا الشعور أيضا إبان حكم الرئيس “بوزيزي” الذي كان مسيحيا.

وفيما بين عامي 2013 و2014 أفادت تقارير بأن بعض المقاتلين المنسوبين إلى “سيليكا” استغلوا وجود “دجوتوديا” في السلطة للهجوم على بعض المسيحيين وأنهم نهبوا القرى مع استهداف أنصار “بوزيزي”. وللانتقام تشكلت ميليشيات مسيحية باسم “أنتي بالاكا”, وكشفت الأمم المتحدة في تقرير أن “بوزيزي” دعا هذه الميليشيات إلى ارتكاب فظائع ضد المسلمين ونظام “دجوتوديا”. وكانت النتيجة أن شنّت “أنتي بالاكا” في سبتمبر 2013 هجمات كاسحة على المدنيين المسلمين, مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المناطق التي سيطرت عليها “سيليكا” في الشمال, وأجبر الرئيس “دجوتوديا” في سبتمبر 2013 على إعلان حلّ “سيليكا”. وفي أبريل 2014 أنشأت الأمم المتحدة قوات باسم “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى” وذلك بهدف وقف الفظائع([7]).

يضاف إلى ما سبق أنه رغم إرسال “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى” (أو مينوسكا باختصار), ورغم انتخاب الرئيس “فوستين أرشانج تواديرا” في عام 2016 وإعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية في ديسمبر 2020؛ إلا أن الأزمة مستمرة مع توقف المواجهات العنيفة بين المسلمين والمسيحيين بسبب الفاصل الجغرافي الناتج عن نزوح السكان المسلمين والمسيحيين إلى مناطق سيطرة الحركات المسلحة المنتمية لطائفهم وإثنيتهم. كما أن هناك قتال مستمر بين فصائل “سيليكا” المنحلة وترفض معظم الجماعات المسلحة المشاركة في جهود الرئيس “تواديرا” لتهدئة البلاد من خلال نزع السلاح, وهو ما ترك الحكومة بلا سيطرة خارج العاصمة ومنحت الحركات المسلحة المتحاربة فرصة للازدهار وتصاعد القتال في المناطق الوسطى والغربية والشرقية([8]).

الحركات المحلية المسلحة النشطة في جمهورية إفريقيا الوسطى

اعتمادا على ما سبق واستقراءا للتطورات المحلية منذ عام 2015؛ يمكن تلخيص الحركات المسلحة الرئيسية النشطة([9]) في جمهورية إفريقيا الوسطى على النحو التالي:

أ- الفصائل المنشقة عن حركة “سيليكا” المنحلة: تأسس تحالف “سيليكا” في عام 2012 من خلال تحالف “اتحاد القوى الديمقراطية من أجل الوحدة” مع الجماعات المسلحة الأخرى النشطة في شمال جمهورية إفريقيا الوسطى. ونجحت التحالف في مارس 2013 في الإطاحة برئيس البلاد, ليصبح زعيم التحالف “ميشيل جوتوديا” في سبتمبر 2013 رئيسًا للحكومة الانتقالية للبلاد. وبالرغم من أن “جوتوديا” حلّ “سيليكا” – بعد الضغوطات المحلية والدولية بسبب الجرائم المنسوبة لمقاتلي الحركة – وأعلن أن القوات المسلحة الشرعية الوحيدة في البلاد هي القوات المسلحة لجمهورية أفريقيا الوسطى ودمج عددا من أعضاء “سيليكا” في قوات البلاد المسلحة؛ إلا أن مقاتلين من “سيليكا” واصلوا هجماتهم في العاصمة بانغي والمناطق المحيطة بها, مما أدت إلى تدخل دولي. وانقسمت “سيليكا” المنحلة إلى عدة فصائل يسيطر كل منها على أجزاء مختلفة من البلاد.

ب- حركة “أنتي بالاكا”: تتركز أنشطة الحركة في وسط وشرق جمهورية إفريقيا الوسطى حيث تقاتل ضد جماعات وأطراف أخرى, بما في ذلك الحكومة و “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى” وحركة “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية أفريقيا الوسطى” (Front populaire pour la renaissance de la Centrafrique) و “اتحاد السلام في إفريقيا الوسطى” (Unité pour la paix en Centrafrique). وربطت التقارير حركة “أنتي بالاكا” بالرئيس السابق “فرانسوا بوزيزيه” لعلاقته مع “ماكسيم موكوم” – وزير نزع السلاح السابق الذي يعتبر زعيم “أنتي بالاكا” وقائد الجناح الذي انضم إلى “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية أفريقيا الوسطى” لتأسيس “تحالف النيروبيين” في عام 2015. وقد أصيب أعضاء “تحالف النيروبيين” بالإحباط لمنعهم من المشاركة في انتخابات عام 2015, وفي عام 2016 انضم جناح “ماكسيم موكوم” إلى تحالف جديد واعتقل “ماكسيم” في عام 2022 بتهمة ارتكابه جرائم حرب.

ج- حركة محرري أفريقيا الوسطى من أجل العدالة: أُنشِئت “حركة محرري أفريقيا الوسطى من أجل العدالة” في عام 2008 من قبل “أبكر سابوني” الذي عمل مع “بوزيزيه” من عام 2002 حتى عام 2003 عندما أراد “بوزيزيه” الإطاحة بالرئيس “أنغ فيليكس باتاسي”. وتنشط الحركة في منطقة “بيراو”, وتعتبر مجموعة منشقة عن حركة “اتحاد القوى الديمقراطية من أجل الوحدة”. وفي سبتمبر 2019 انخرطت “حركة محرري أفريقيا الوسطى من أجل العدالة” في اشتباكات مسلحة مع “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية أفريقيا الوسطى” (Front patriotique pour la Renaissance de la Centrafrique) بعدما قتلت الجبهة أحد أفراد إثنية “كارا”.

د- الحركة الوطنية لإفريقيا الوسطى (Mouvement Patriotique Centrafricain): هي جماعة تأسست في عام 2015 بعد تركها “سيليكا” المنحلة. وتنشط الحركة في الجزء الشمالي من جمهورية إفريقيا الوسطى وعلى الحدود مع تشاد، حيث تنتمي قيادة الحركة – “محمد الخاتم” و “إدريس أحمد البشار” – إلى عرب دولة تشاد. وانضمت الحركة إلى تحالف جديد في عام 2016 بعد دعوة “نور الدين آدم” قائد “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية إفريقيا الوسطى”. وفي نهاية عام 2017 اشتدت المواجهات بين الحركة و”أنتي بالاكا” بسبب محاولات السيطرة على بلدة “باتانغافو” مما أدى إلى تدمير قريتين وتشريد 2000 مدني. وتحالفت الحركة أيضا مع جماعات أخرى في القتال ضد توسيع الوجود الحكومي في مناطق سيطرتها.

ه- الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية إفريقيا الوسطى: هي جماعة منشقة عن “سيليكا” المنحلة, ويقودها “نور الدين آدم” الذي كان القائد الثاني لـ “سيليكا” بعد الرئيس السابق “ميشيل دجوتوديا”. وتأسّست “الجبهة الشعبية للنهضة في جمهورية إفريقيا الوسطى” من خلال تحالف متمردين معظمهم مسلمون من مجتمعات “غولا” و “رونغا”. وقد تحالفت الحركة أيضا مع جماعات أخرى مثل “التجمع الوطني من أجل تجديد جمهورية إفريقيا الوسطى” (Rassemblement Patriotique pour le Renouveau de la Centrafrique) المنشقة عن “سيليكا”، و “الحركة الوطنية لإفريقيا الوسطى” وجناح “موكوم” التابع لحركة “أنتي بالاكا”.

وتنشط “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية إفريقيا الوسطى” في وسط وشمال شرق البلاد وتسعى هي والجماعات الأخرى المتحالفة معها إلى إسقاط الحكومة في البلاد واستعادة نفوذها السياسي. وتحاول تحقيق أهدافها أيضا من خلال مساعي الانفصال وإقامة دولتها الخاصة, مثل ما قامت به في ديسمبر 2015 عندما أعلن قائدها – “نور الدين آدم” – استقلال الجزء الشمالي من جمهورية إفريقيا الوسطى وأطلق عليها اسم “جمهورية لوغون” – وهي خطوة رفضتها الحكومة الانتقالية في البلاد والمجتمع الدولي.

و- حركة “العودة والاسترداد والتأهيل” (Retour, Réclamation et Réhabilitation): هي حركة مسلحة تنشط في الجزء الشمال الغربي, وخاصة في محافظة “أوهام-بيندي” (Ouham-Pendé) القريبة من المناطق الحدودية مع الكاميرون وتشاد. وقد تأسست الحركة في عام 2015 تحت قيادة “بي سيدي سليمان” المعروف أيضًا بـ “صديقي عباس” والذي توفي في 25 مارس 2021 متأثرا بجروح أصيب بها في نوفمبر 2020 خلال هجوم على بلدة “بوسيمبيليه” (Bossembélé). وتهدف الحركة إلى حماية المجتمعات الفلانية من هجمات ميليشيا “أنتي بالاكا” التي وقّعت معها في ديسمبر 2017 اتفاق وقف الأعمال العدائية المسلحة في “بوار” (Bouar) بدعم من السلطات الوطنية في جمهورية إفريقيا الوسطى و “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى”.

ز- اتحاد السلام في إفريقيا الوسطى: يقود الحركة “علي داراسا محمد” ويتكون معظم مقاتليها من مسلمي إثنية الفولاني. وتأسست الحركة في عام 2014 من قبل عناصر سابقة في تحالف “سيليكا”, حيث انفصلت عن التحالف عندما طالب “نور الدين آدم” – زعيم “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية إفريقيا الوسطى” –  باستقلال شمال جمهورية إفريقيا الوسطى التي تقطنها أغلبية مسلمة. وتنشط الحركة في “ألينداو” كما تشتبك مع “الجبهة الشعبية لنهضة جمهورية إفريقيا الوسطى” في محافظتي “أواكا” (Ouaka) و “هوت-كوتو” (Haute-Kotto). وفي 10 يناير 2019 شنّ مقاتلو “اتحاد السلام في إفريقيا الوسطى” هجومًا عنيفًا على قوات “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى” في بلدة “بامباري” متعهدين باستعادة المدينة, ولكن المظليين البرتغاليين صدوهم في قاعدتهم في “بوكولوبو”. وفي ديسمبر 2020 انضمت الحركة إلى تحالف جديد باسم “تحالف الوطنيين للتغيير” (Coalition des patriotes pour le changement).

ح- تحالف الوطنيين للتغيير: هي حركة تشكلت من تحالف جماعات مسلحة رئيسية في ديسمبر 2020 بعد إبعاد “بوزيزيه” من خوض الانتخابات الأخيرة. وتشمل الجماعات التي تكوّنت منها “أنتي بالاكا” و “الحركة الوطنية لجمهورية أفريقيا الوسطى” و حركة “العودة والاسترداد والتأهيل” و “اتحاد السلام في إفريقيا الوسطى” و “الجبهة الشعبية لنهضة إفريقيا الوسطى”. وأفادت مصادر بأن الرئيس السابق ” فرانسوا بوزيزيه” هو من يقود التحالف الجديد الذي شن هجومًا على الحكومة بعد إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة من أجل الاستيلاء على السلطة, ولكن الحركة واجهت مقاومة شرسة من الحكومة وحلفائها من القوات الرواندية ومرتزقة فاغنر وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وأدّت الخسائر الفادحة التي تكبدها التحالف إلى انسحاب حركة “اتحاد السلام في إفريقيا الوسطى” وتجديد التزامها باتفاق سلام عام 2019 – ولكنها عادت مرة أخرى إلى التحالف في أوائل ديسمبر 2021.

دور القوى الخارجية

تساهم في الصراع بجمهورية إفريقيا الوسطى عوامل كثيرة تضم الطموحات المحلية والدولية في موارد البلاد الطبيعية وتدفق المقاتلين الأجانب والأسلحة عبر الحدود مع الدول المجاورة. وأدى التنافس على السيطرة على مواقع التعدين والتنقيب عن الذهب والمناجم المربحة إلى ارتكاب الحركات المسلحة وعملاء المرتزقة انتهاكات ضد المدنيين. وهناك اتهامات متبادلة بين جمهورية إفريقيا الوسطى وجيرانها, وخاصة السودان وتشاد, بدعم الحركات المتمردة لانشطة في المناطق الحدودية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

وتضم “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى” حاليا قرابة أكثر من 17,000 فرد([10]), بمن فيهم قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي والقوات الفرنسية. وقد أنشِئت بتفويض لحماية المدنيين ونزع سلاح مجموعات الميليشيات ودعم حكومة البلاد في تحقيق الاستقرار وتوسيع السيطرة الحكومية خارج العاصمة وتأمين الطرق الإنسانية والتجارية الرئيسية. ومع ذلك, وصلت المواجهة العنيفة بين البعثة وعدد من الجماعات المسلحة إلى درجة غير مسبوقة لنزاع مسلح غير دولي([11]). إضافة إلى ما تواجهه البعثة من تحديات متمثلة في الافتقار إلى البنية التحتية اللازمة والإحجام عن استخدام القوة العسكرية.

ويضاف إلى ما سبق أن فرنسا نشرت في جمهورية إفريقيا الوسطى مهمة “سانغاريس” العسكرية في أعقاب انقلاب 2013، ونفّذت عمليات عسكرية ضد الجماعات المسلحة في البلاد. وأنهت باريس في 30 أكتوبر 2016 مهمتها العسكرية وقلّصت دعمها لـ بانغي وتدهورت العلاقات بين البلدين نتيجة التقارب الأفروسطي-الروسي, مع إعلان باريس أن أنشطتها في البلاد صارت مقتصرة في توفير التدريبات والمساعدة الفنية من خلال بعثة الاتحاد الأوروبي للتدريب العسكري في جمهورية إفريقيا الوسطى([12]).

إن انعدام ثقة إدارة الرئيس “فوستين أرشانج تواديرا” في القوات الفرنسية وحاجته للدعم العسكري عززا لجوءه في عام 2017 إلى روسيا. وتمكنت حكومته من بتأمين الأسلحة والمدربين العسكريين الروسيين لتعزيز قدرات القوات الوطنية في جمهورية إفريقيا الوسطى بعد موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على استثناء من حظر الأسلحة المفروضة على البلاد. وأصبحت روسيا اليوم أقرب حليف للرئيس “توادير” حيث يتمتع المستشارون الروس في جمهورية إفريقيا الوسطى بالتدخل في الشؤون العسكرية والسياسية والاقتصادية. وترسّخ الموقف الروسي صفقةُ عام 2019 التي ترعاه الاتحاد الأفريقي وشجّعته موسكو، حيث وقعت حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى في الخرطوم اتفاقية مع 14 جماعة مسلحة تسيطر على معظم المحافظات. ولا تزال الصفقة بمثابة خارطة الطريق المعتبرة حتى الآن لتحقيق السلام في البلاد([13]).

جدير بالذكر أن رواندا أيضا أرسلت 300 قوة عسكرية إلى جمهورية إفريقيا الوسطى في عام 2020 لمساعدة الحكومة وحماية المدنيين بعدما أعلنت حركة “تحالف الوطنيين للتغيير” – التي تتألف من ست مجموعات مسلحة وقّعت اتفاق الخرطوم – عزمَها تعطيل الانتخابات التي أجريت بين عامي 2020 و 2021([14]).

السيناريوهات المستقبلية

من المتوقّع بشكل عام استمرار العنف لغياب المحاسبة بين مسؤولي الحكومة والأطراف الفاعلة, وخاصة أن للبلاد تاريخا طويلا من الإفلات من العقاب, مما أدى إلى تأجيج دورات الصراع المسلح والفظائع. وينطبق الأمر أيضا على الجرائم التي ترتكبها الأطراف الدولية في البلاد, حيث العدد القليل من الجناة المزعومين الذين يتم توقيفهم ومحاكمتهم منذ عام 2013  على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية هم مقاتلون محليون.

ومما يفاقم الأزمة تلك الشكوك المثارة حول مصداقية الاتفاقيات المختلفة الموقعة ونية القوات الدولية والأطراف الأجنبية؛ إذ يلاحظ ذلك من خلال تصريحات معظم الجماعات المسلحة المحلية التي سبق أن وقعت على اتفاقيات وقف إطلاق النار واتفاقيات السلام المختلفة فيما بينها ومع الحكومة ولكنها لم تحترم هذه الاتفاقات حتى الآن. بل بالرغم من اتفاق سلام عام 2019 وخارطة طريق لواندا لا يزال الوضع الأمني محفوفًا بالمخاطر ولا يزال السكان يواجهون هجمات محتملة مع انتشار خطاب الكراهية والتحريض الذي يؤجّج التوترات بين الطوائف المختلفة.

وإذا كان الوجود المتزايد للذخائر المتفجرة – التي تستخدمها الحركات المسلحة لمنع الهجمات الحكومية المضادة – يهدد المدنيين ويعيق جهود حمايتهم من قبل القوات التي تدعم الحكومة, وخاصة “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى”؛ فإن سلسلة الهجمات التي تشنها الحركات المسلحة ضد الحكومة وحلفائها منذ بداية عام 2023 الجاري تؤشر على أن العاصمة تواجه تهديدات ناتجة عن عوامل داخلية تشمل دوامة حكومة الرئيس “تواديرا” نحو الاستبداد والأزمة المالية المعقدة والانقسامات داخل قوات الأمن الوطني.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن المحاولات المختلفة من قبل بعض الجماعات المسلحة المحلية لتشكيل التحالف في أجزاء مختلفة من جمهورية إفريقيا الوسطى تعني أن هناك حاجة إلى إصلاحات جادة وحوار وطني صادق لتفادي المزيد من الانقسام في البلاد. كما أن الخطوات الأساسية لتحقيق الاستقرار في البلاد تتطلب إصلاح الجيش الوطني – القوات المسلحة لجمهورية أفريقيا الوسطى – ومعالجة القضايا المتعلقة بنفوذ القوى الأجنبية في البلاد.

وهناك سيناريو آخر محتمل ومرتبط بالرأي العام الوطني الذي يعارض الرئيس “تواديرا” وينظر إليه بشكل سلبي. وهناك من يرى أن إدارته يساهم في معاملة حلفائه من المرتزقة مع الضحايا من أغلبية مسلمي الفولاني كإرهابيين, وأنها تمنع السكان المحليين من تجارة الذهب أو الاستفادة منها لصالح روسيا وأطراف أخرى. وعلى أساس هذا السيناريو قد يشتد الصراع على الموارد المعدنية أو تندلع احتجاجات في أجزاء من البلاد وفي الشتات, أو تتكاتف معظم الجماعات المسلحة المحلية المتناحرة لمعارضة “تواديرا” وإسقاط حكومته المتهمة بتعويض مجموعة “فاغنر” الروسية أو الشركات المرتبطة بها من خلال منحها السيطرة على مناطق التعدين.

وتعزز السيناريو السابق محاولات الرئيس “تواديرا” للتعديل الدستوري كي يبقى على السلطة؛ إذ في عام 2022 أطلق حزبه الحاكم سلسلة من المبادرات التشريعية لتحقيق أهداف مختلفة, مثل إلغاء الحد الدستوري لفترتين رئاسيتين مما سيمهد الطريق أمام الرئيس للترشح للرئاسة مرة أخرى في عام 2025. ويستنتج من التقاعد القسري المفروض على رئيس المحكمة الدستورية بعدما ألغت المحكمة المراسيمَ الرئاسية التي مهدت الطريق للتعديل الدستوري أن حكومة “تواديرا” مصممة على تنظيم استفتاء على الدستور بالتوازي مع الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في يوليو 2023, وذلك لتحقيق أهدافه المتمثلة في البقاء على السلطة بعد انتهاء ولايته الثانية والأخيرة.

وأخيرا؛ كان ضمن الآراء الواردة بخصوص الوضع الحالي في جمهورية إفريقيا الوسطى أن سقوط الرئيس الحالي مجرد مسألة وقت اعتمادا على التطورات الحدودية الخطيرة داخل البلاد وتعاون بعض الجماعات المسلحة لمواجهة الحكومة وتشكيل تحالفات مختلفة لتحقيق هذا الغرض. كما أن الأزمة الجارية في السودان نذير شؤم لـبانغي إذا ما اعتبرنا التقارير الصادرة منذ العام الماضي والتي أفادت بأن بعض قادة الجماعات المسلحة شوهدوا في السودان ومناطق حدودية أخرى في الجيران وأنهم قد يخططون لعملية معينة تمكنهم من السيطرة على العاصمة.

الهوامش :

.1Kam Kah, H. (2014). “History, external influence and political volatility in the Central African Republic (CAR).” Journal for the Advancement of Developing Economies, Volume 3, Issue 1.

Matthysen, K., Clarkson, I., & International Peace Information Service (Antwerp). (2013). “Gold and Diamonds in the Central African Republic: The Country’s Mining Sector, and Related Social, Economic and Environmental Issues.” International Peace Information Service, retrieved from https://bit.ly/3LW9HxL

3. محمد زكريا فضل (2021). “كيف نفهم الصراع بين فرنسا وروسيا في جمهورية إفريقيا الوسطى؟.” الأفارقة للدراسات والاستشارات, https://alafarika.org/ar/4941/france-russia-central-african-republic

4- Sıradağ, A. (2016). Explaining the Conflict in Central African Republic: Causes and Dynamics. Epiphany. Journal of Transdisciplinary Studies, 9(3), 86-103.

.5United States Commission on International Religious Freedom (2018). “2018 Annual Report.” Available at https://bit.ly/2R9PXvM

.6 The Organization for World Peace. “Central African Republic Conflicts.” Retrieved from https://bit.ly/426xoZE

.7 Center for Preventive Action (2023). “Conflict in the Central African Republic.” CFR Global Conflict Tracker, retrieved from https://on.cfr.org/416Qrll

.8Geneva Academy of International Humanitarian Law and Human Rights (2023). “Non-international armed conflicts in the Central African Republic.” Retrieved from https://bit.ly/3ntkhTv

9 – United Nations Peacekeeping. “United Nations Multidimensional Integrated Stabilization Mission In The Central African Republic.” Retrieved from https://bit.ly/3HBSmrl

. 10Geneva Academy of International Humanitarian Law and Human Rights (2023). “Non-international armed conflicts in the Central African Republic.”

محمد زكريا فضل (2021). “كيف نفهم الصراع بين فرنسا وروسيا في جمهورية إفريقيا الوسطى؟.” الأفارقة للدراسات والاستشارات.

.11 Bax, P. (2021). Russia’s influence in the Central African Republic. International Crisis Group, retrieved from https://bit.ly/3AThC8L

.12 BBC (2020). “Russia sends 300 military instructors to Central African Republic.” Retrieved from https://bbc.in/3nugIwb


حكيم نجم الدين

باحث نيجيري متخصص في الشئون الإفريقية، وحاصل على الدكتوراه في الأصول الاجتماعية والقيادة التعليمية. نُشِر له مجموعة من الدراسات والأوراق وفصول الكتب في الحركات الإرهابية وقضايا السلم والأمن والتحولات السياسية والمواضيع الاجتماعية والتنموية المختلفة في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى