Uncategorizedإفريقيا جنوب الصحراءالأزماتالأمنالحركات المسلحةالساحل الإفريقيالقضاياتقدير المواقف

مهددات الأمن البحري في خليج غينيا: تصاعد هجمات القرصنة

مقدمة

لا يزال التهديد المستمر الذي تشكله القرصنة على العمليات البحرية يُحدث عواقب بعيدة المدى على الصعيد العالمي خاصة في مجالي الشحن البحري والتجارة الدولية، تفوق بكثير المخاطر المباشرة التي يتعرض لها البحارة والسفن. تعطل القرصنة النظام التجاري البحري من خلال الاستيلاء على السفن وطلب فدية وشن هجمات عنيفة على البحارة، وهذا يخلق حالة من عدم القدرة على التنبؤ تؤثر بشكل كبير على النظام الاقتصادي العالمي.

لا تزال القرصنة تُشكل تهديدًا كبيرًا للملاحة الدولية، حيث تُعرض حياة طاقم السفن للخطر، وتتسبب في تأخير الرحلات، وتُلحق الضرر بالبضائع والناقلات.  تُواجه صناعة الشحن هذا التحدي بعدة استراتيجيات: إعادة توجيه السفن إلى مسارات أقل تكلفة، شراء معدات الحماية المُكلفة، مثل الأسلاك الشائكة ومدافع المياه، توظيف حراس مسلحين. كما تُؤدي القرصنة إلى تكاليف إضافية على صناعة الشحن، تشمل: ارتفاع أقساط التأمين، زيادة تكاليف العمالة، تأخيرات الرحلات، تلف البضائع.

لا تُوزّع هجمات القراصنة بشكل متساوٍ على جميع بحار العالم، بل تتركز بشكل أكبر في المناطق الساحلية للدول النامية مقارنة بالدول الغنية. ففي الفترة من عام 2015 إلى عام 2020، كانت غرب أفريقيا هي المنطقة الأكثر تعرضًا للهجمات، حيث تم تسجيل 385 هجومًا. وتأتي بعدها مناطق بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، حيث تم تسجيل 344 و 283 هجومًا على التوالي في نفس الفترة. وتشير الدراسات إلى أن ظاهرة القرصنة قد تفاقمت خلال العقد الماضي، خاصة في المحيط الهندي والبحر العربي.

تحتل قضية الأمن البحري مكانة متقدمة على جدول أعمال العديد من الدول والمنظمات الدولية والجهات الفاعلة. والنقاشُ حول الأمن البحري ليس جديدًا، لكن تصاعدت تهديدات الأمن البحري في مناطق مختلفة من العالم مؤخرًا، مما أدى إلى زيادة الاهتمام العالمي بالقضية. (1)

خليج غينيا: بؤرة لتهديدات الأمن البحري

خلال السنوات الأخيرة، أصبح خليج غينيا أكثر مناطق العالم تعرضًا لحوادث تهديد الأمن البحري، فوفقًا لبيانات مركز الإبلاغ عن القرصنة التابع للمكتب البحري الدولي، استحوذ خليج غينيا على 40% من إجمالي حوادث الأمن البحري المُبلّغ عنها في عام 2018 خلال الشهور التسعة الأولى فقط. وتُواجه المنطقة تحدياتٍ مُتعددة تشمل  :                      

  • القرصنة البحرية: تُعدّ القرصنة من أكثر التهديدات خطورة في خليج غينيا، حيث تُعرّض حياة البحارة للخطر وتُعيق التجارة الدولية.
  • السطو المُسلح في البحر: تُشكل هذه الظاهرة تهديدًا كبيرًا للسفن التجارية، حيث تُعرّض طواقمها للخطر وتُؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة.
  • القرصنة البتروكيماوية: تُعدّ هذه الظاهرة تهديدًا جديدًا نسبيًا، حيث تُستهدف ناقلات النفط والغاز في المنطقة.
  • الصيد غير القانوني وغير المُنظّم: يُؤدي هذا النشاط إلى استنزاف الثروة السمكية في خليج غينيا، مما يُهدد الأمن الغذائي في المنطقة.

بسبب هذه التحديات، اكتسب خليج غينيا سمعة سيئة كأحد أخطر ممرات الشحن في العالم، مما دفع المجموعة الدولية لمُعالجة الأزمات International Crisis Group لتسمية المنطقة باسم “منطقة الخطر الجديدة”. (2)

تُعاني منطقة خليج غينيا، التي تضم 17 دولة من السنغال إلى أنجولا، من أكبر عدد من هجمات القرصنة في العالم. وتواجه المنطقة تحدياتٍ كبيرة على صعيد الأمن البحري، تشمل:

  • الافتقار إلى التنسيق الإقليمي: لا يوجد استراتيجية موحدة لمكافحة القرصنة والجريمة المنظمة في خليج غينيا.
  • نقص الوعي: لا يُدرك الكثير من الناس أهمية الأمن البحري في المنطقة.
  • نقص التمويل: لا تمتلك الدول الإقليمية الموارد اللازمة لمكافحة القرصنة بشكلٍ فعّال.

ومع ذلك، يُعدّ خليج غينيا موقعًا استراتيجيًا للشحن الدولي نظرًا لموارده الطبيعية الهائلة، تشمل:

  • الهيدروكربونات: يُعدّ خليج غينيا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم.
  • المعادن: تُنتج المنطقة الماس والقصدير والكوبالت.
  • موارد مصايد الأسماك: تُعدّ مصايد الأسماك مصدرًا رئيسيًا للغذاء والدخل في المنطقة. (3)

تصاعد هجمات القرصنة في خليج غينيا: تهديد متزايد على التجارة الدولية

شهدت منطقة خليج غينيا ارتفاعًا ملحوظًا في حوادث القرصنة خلال السنوات الأخيرة. فوفقًا للمكتب البحري الدولي، ارتفعت هذه الحوادث بنسبة فاقت 50% بين عامي 2018 و2019. وتُعدّ المنطقة الواقعة قبالة سواحل نيجيريا الغنية بالنفط هي الأخطر في العالم بالنسبة لطواقم السفن.  (4) وتشمل بعض الأمثلة على هجمات القرصنة في خليج غينيا: في 16 ديسمبر 2019: تعرضت ناقلة نفط لهجوم أثناء إبحارها من أنجولا إلى توجو، واختُطف معظم أفراد طاقمها، في 31 ديسمبر 2019: تعرضت ناقلة نفط يونانية تُدعى “السيدة السعيدة” لهجوم أثناء إبحارها من ميناء ليمبو في الكاميرون، وتم اختطاف ثمانية من أفراد طاقمها، وفي 2 يناير 2020، تعرضت سفينة ترفع علم نيجيريا، وكانت تبحر في خليج غينيا، لهجوم أسفر عن اختطاف ثلاثة أشخاص ومقتل أربعة آخرين.

كما سجل المكتب البحري الدولي التابع لغرفة التجارة الدولية 21 حادثة متعلقة بالقرصنة في خليج غينيا في أول تسعة أشهر من عام 2023، مقارنة بـ 14 حادثة خلال الفترة ذاتها من عام 2022. واتُخذ 54 من العاملين على متن السفن رَهَناً، واختُطف 14 منهم، وأُصيب اثنان آخران في تلك الهجمات.

ووفقًا للاتحاد الإفريقي، يتعرض خليج غينيا لهجوم واحد على الأقل أسبوعيًّا من قبل القراصنة، مما يتسبب في انخفاض سنوي بنسبة 4.1٪ في الشحنات التجارية المارة بالإقليم. وتشكل حالة انعدام الأمن البحري الحالية في منطقة خليج غينيا مُعضلة أمنية أساسية لنطاقها البحري الحيوي، مما يعطل سبل العيش والاستقرار في دول المنطقة.  (5)

تداعيات القرصنة في خليج غينيا على حركة النقل والشحن البحري

تعتبر منطقة خليج غينيا إحدى أكثر المناطق الاستراتيجية في القارة، باعتبارها تضم حوالي 20 ميناءً تجارياً، وتمثل 25 % من حركة النقل البحري الأفريقية. (6) يمتد خليج غينيا على مسافة 6000 كيلومتر من ساحل السنغال في الشمال إلى أنجولا في الجنوب، مكونًا شريانًا تجاريًا هامًا للقارة الأفريقية. ويشهد خليج غينيا حركة نشطة للسفن، حيث تُبحر فيه يوميًا حوالي 1500 سفينة صيد وناقلة وسفن حاويات. ويعتبر خليج غينيا منطقة شحن مهمة لنقل النفط والغاز والبضائع من وإلى وسط وجنوب أفريقيا وأوروبا والأميركيتين. (7)

تؤثر القرصنة والجرائم البحرية في خليج غينيا على حركة النقل البحري، وطرق الشحن الدولية الرئيسية، وزيادة تكاليف التأمين البحري، وهناك تحولاً كبيرًا في جغرافية القرصنة البحرية، والعنف في الممرات البحرية، واستهداف شركات الشحن الدولية، وناقلات النفط. فضلاً عن، التهديدات الإرهابية المتصاعدة، وضعف الحكم والفساد، والتأثير البيئي للأنشطة البحرية.

شهدت منطقة خليج غينيا تراجعًا في هجمات القرصنة بين عامي 2020 و 2022. ولكن، عادت هذه الهجمات للارتفاع على طول سواحل غرب ووسط إفريقيا، وتشير تقارير شركات الشحن الدولية إلى تزايد الهجمات من أنجولا إلى السنغال، وتُقدّر الأمم المتحدة أنّ القرصنة في خليج غينيا تُكلف ما يقرب من ملياري دولار أمريكي سنويًا.

في عام 2023، حذر المكتب البحري الدولي شركات الشحن من ارتفاع مستويات القرصنة في خليج غينيا، مطالباً دول المنطقة بتدخلٍ فعّال لحماية الشحن والتجارة والتصدي لهذه الجرائم. يعد خليج غينيا بؤرة للقرصنة، حيث يشهد 95% من جميع حوادث الاختطاف البحرية في العالم. (8)

هجمات الحوثيين في البحر الأحمر تُنعش القرصنة وتُفاقم الأزمات العالمية

تسببت الهجمات التي يشنها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر في عودة ظهور القرصنة في المنطقة بشكلٍ مُقلق، حيث أدت تلك الهجمات إلى تغيير مسار السفن التجارية، مما أطال من رحلتها وزاد من تكاليف الشحن. وبدوره، أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط والسلع على مستوى العالم.

منذ نوفمبر الماضي، شنّ الحوثيون في اليمن هجماتٍ متكررة ضد سفن الشحن في مضيق باب المندب، ويُعدّ هذا المضيق ممرًا بحريًا هامًا يربط بين شمال شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية. وتستهدف هجمات الحوثيون السفن التي لها اتصالات بإسرائيل والدول الغربية. مما أجبر العشرات من شركات الشحن على قطع مسافة أربعة آلاف ميل حول قارة إفريقيا بتكاليف أعلى بكثير وأيام شحن إضافية. إن اضطرار السفن لسلوك الطرق الطويلة نتيجة تجدد الهجمات أدى إلى زيادة في عمليات القرصنة التي تستهدف هذه السفن، وهو ما أثار قلق شركات الشحن بشأن المسار الجديد.

ودعا أرسينيو دومينغيز، الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، شركات الشحن إلى أن تكون في حالة تأهب قصوى تحسباً للقرصنة بعد الاستيلاء على بعض السفن في خليج غينيا وقبالة الساحل الصومالي. ومن غير المرجح أن يؤدي تصاعد أعمال القرصنة في المياه الأفريقية إلى إقناع شركات الشحن بالعودة إلى البحر الأحمر في أي وقت قريب بسبب ارتفاع خطر مواجهة هجمات الحوثيين إلى جانب أقساط التأمين الباهظة التي يتم فرضها على السفن التي تبحر في البحر الأحمر.

وبدأت شركات التأمين في فرض رسوم إضافية على السفن المرتبطة بشركات أميركية وبريطانية وإسرائيلية تصل إلى 50% إضافية بسبب مخاطر الحرب للإبحار في البحر الأحمر بسبب التهديد المستمر بشن هجمات. وتبلغ الآن أقساط مخاطر الحرب لرحلات البحر الأحمر حوالي 1% من قيمة السفينة، ارتفاعاً من حوالي 0.7% سابقاً، مع ترجمة التكاليف الإضافية إلى مئات الآلاف من الدولارات لرحلة تستغرق سبعة أيام. (9)

ختاماً، تُشكل القرصنة في خليج غينيا تهديدًا خطيرًا على حركة النقل والشحن البحري في المنطقة، مما يُؤدي إلى تداعيات اقتصادية وبيئية واجتماعية خطيرة. لذا، من الضروري تكثيف الجهود الدولية لمكافحة هذه الظاهرة من خلال: زيادة التعاون بين الدول الساحلية في خليج غينيا، تعزيز قدرات الدول على مكافحة القرصنة، محاربة الفقر والبطالة، وهي من أهم العوامل التي تُساهم في انتشار القرصنة، بالإضافة إلى ذلك، من الضروري دعم البحارة الذين تعرضوا لهجمات القرصنة وتقديم المساعدة النفسية لهم. مع التعاون الدولي الجاد، يمكن الحد من ظاهرة القرصنة في خليج غينيا وضمان سلامة حركة النقل والشحن البحري في المنطقة.

المراجع:

  • نسرين الصباحي، الأمن البحري في خليج غينيا: تحديات متصاعدة واستجابات متنوعة، دراسة، 21 مارس 2020، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، https://ecss.com.eg/8456/
  • نسرين الصباحي، نفس المرجع.
  • نسرين الصباحي، قضايا متشابكة: الإرهاب والقرصنة والأمن البحري في خليج غينيا، دراسة، 27 أبريل  2022، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، https://ecss.com.eg/19242/
  • د. أميرة محمد عبد الحليم، السياسات الإقليمية والدولية لتعزيز النفوذ وحماية الأمن البحري في أفريقيا، دراسة، العدد رقم 106 من دورية “الملف المصري” الإليكترونية، يونيو 2023. https://2u.pw/Yop7RFD
  • نسرين الصباحي، الأمن البحري في خليج غينيا: تحديات متصاعدة واستجابات متنوعة، دراسة، 21 مارس 2020، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، https://ecss.com.eg/8456/
  • الإمارات تشدد على تعزيز الأمن البحري في أفريقيا، تقرير، يونيو 2023، البيان، https://2u.pw/JdyAWUb
  • EU Maritime Security Factsheet: The Gulf of Guinea, Report, 25.1.2021, European Union, https://2u.pw/DMviDka
  • البحرية النيجيرية تضيف مسيَّرات جديدة لدوريات مكافحة القرصنة في خليج غينيا، تقرير، 16 يناير 2024، Africa Defense Forum ، https://2u.pw/VD8DzQf
  • هجمات الحوثيين تُنعش نشاط القراصنة في البحار، تقرير، 2 مارس 2024، العربية، https://2u.pw/a7xQ6TK

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى