القرن الإفريقيالمناطق

منطقة القرن الافريقي.. وفواتير أزمة التغيرات المناخية

بالرغم من أن التفسيرات العلمية للأسباب النزوح السكاني في قارة أفريقيا تشمل الاضطهاد السياسي والأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة والحروب الأهلية الإ ان التدهور البيئي بات من أهم دوافع حركة اللجؤ على مستوى القارة. ويرجع السبب الى التصاعد الدراماتيكي لازمة تغير المناخ العالمي والتي أخذت حيزاً كبيراً من جهود الاوساط العملية في إطاراتها البحثية وخصوصاً تلك المتصلة بالتداعيات الاجتماعية لهذه الأزمة. كما أصبح مصطلح “لاجيؤ المناخ” من أكثر المصطلحات تداولاً في الحقل الاكاديمي وبدأ يدرس في سياقات الدرسات الإجتماعية المختلفة.

تعرف منطقة القرن الافريقي كأكبر بؤرة للصراعات الأهلية والازمات السياسية ما جعلها في أعلى سلم المناطق المصدرة للاجئين حول العالم . لذلك عدد اللاجئين في ارتفاع ثابت منذ منتصف القرن العشرين حيث كان عدد النازحين في عام 1969 700000 فقط لكن بحلول عام 1994 وصل الى 6 ملايين وفي أواخر عام 1995 6.8 مليون، باستثناء هجرات النزوح الداخلية وذلك حسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عددها 283 من شهر سبتمبر 1996.

من الواضح وفي ظل تفاقم ازمة تغير المناخ العالمية وظهور تجلياته على مستوى منطقة القرن الافريقي من غير المرجح أن يتم عكس اتجاه حالة النزوح أو حتى السيطرة عليها في ظل ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية متازمة في المنطقة.

وتعاني منطقة القرن الافريقي من نقص حاد في هطول الامطار حيث ذكر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في مؤتمر صحافي عقده في المقرّ الدائم للمنظمة الأممية في نيويورك أنّ “مناطق عدّة من منطقة القرن الأفريقي الكبرى تعاني بالفعل من الجفاف”. أضاف: “من الواضح أنّ الأمر سوف يزداد سوءاً وسوف يؤثّر على ملايين الرجال والنساء والأطفال في المنطقة”. وعليه يمكن أن نستذكر تداعيات أزمة التغير المناخي على المنطقة في النقاط التالية:

  • بور الاراضي الزاعية في المنقطة: تعتبر أزمة بور الاراضي الزراعية من ضمن المشاكل التي ترتبت عليها التغيرات المناخية في منطقة القرن الافريقي وتعد أهم مسببات الهجرات الداخلية بسبب إنحسار الاراضي الخصبة. حيث ذكرت وكالة ناسا الفضائية في إحدى تقاريرها أن هناك مجموعات بشرية كبيرة تتحرك وتتنقل داخل القارة الأفريقية بحثاً عن أرض قابلة للعيش بإعتبار أن عدم هطول الامطار أدى الى موجات جفاف حادة خلال السنوات الماضية.
  • نفوق ملايين الحيوانات: أشارت قناة البي بي سي في تقرير لها أن وضع الرعاة في منطقة القرن الافريقي كارثي وأن ملايين رؤوس الماشية نفقت بسبب الجفاف في مناطق الرعي. حيث أدى ذلك الى تاثر ما لا يقل عن 36 مليون شخص في الحصول على الغذاء بعد مواسم جفاف متتالية في القرن الأفريقي. ومن الموتقع أن يستمر الجفاف في شمال كينيا وجزء كبير من الصومال وإثيوبيا حتى سنوات قادمة مما يعرض ملايين الأرواح للخطر. وتشير بعض التقارير الميدانية الى ان تقديرات خسائر الرعاة تصل إلى 70٪ من ماشيتهم.

وفي تقرير نشرته الفرنسية 24 مؤخراً تشير الى إستمرار الجفاف في كل القرن الأفريقي، وذلك للموسم الخامس على التوالي ولا تساقط للأمطار البتة، وبالتالي لا عشب لإطعام الماشية، ما أدى إلى نفوق ملايين الحيوانات. وفي كينيا وحدها يحتاج 4 ملايين شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة بسبب الجفاف. وفي الصومال بلغ الجفاف مستويات غير مسبوقة وتسبب حتى الان الى نزوح مليون شخص حسب إحصائيات الامم المتحدة في العامين الماضيين.

  • نقص المياه الصالحة للشرب: حالة الجفاف الحاد التي تضرب منقطة القرن الأفريقي تسبب في النقص الحاد في مياة الصالحة للشرب حيث أصبح من الصعوبة الحصول على مياه الشرب الصالحة في بعض الأقاليم الجيبوتية والصومالية والسودانية وجنوب السودانية وكذلك الامر في إثيوبيا وأوغندا وكينيا.

إنعدام الامن الغذائي: حذرت منظمة الصحة العالمية من أن منطقة القرن الأفريقي الكبرى تشهد واحدة من أسوأ المجاعات خلال الأعوام السبعين الماضية. إذ يواجه أكثر من 37 مليون شخص الجوع الحاد، ويعاني حوالي سبعة ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد. ومن المتوقع أن تستمر تداعيات الجفاف لسنوات قادمة وقد يصل خلال الأشهر المقبلة أكثر من 37 مليون شخص من مواطني دول القرن الافريقي إلى المرحلة الثالثة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC3) – أي مستوى أزمة أو أسوا غير مسبوق.

  • الكوارث الطبيعية: ربما يعتبر المتابعون الى أن أزمة الجفاف هي من أهم تمظهرات التغيرات المناخية على مستوى منطقة القرن الافريقي. ولكن في حقيقة الامر هناك جانب أخر لهذه الازمة يتمثل في التغيرات الجذرية للسنة المائية لبلدان المنطقة. حيث يواجه الفنيون وخبراء المياه والسدود في دول المنطقة صعوبات في تقديرات هطول الامطار في عملية حجز كميات المياه خلف السدود لذلك تحدث الفيضانات المفاجئة والمدمرة والتي غالباً ما تتسبب في حدوث نتائج كارثية تؤثر على حياة مواطني بعض دول المنطقة.

وفي هذا السياق أفاد يانس لاركيه بتأثر أكثر من نصف مليون شخص بالفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مناطق عفار وأمهرة وغامبيلا وأوروميا والمنطقة الصومالية من البلاد، مما أدى إلى تشريد 220 ألف شخص وتسبب في فقدان الممتلكات وسبل العيش. فضلاً عن فيضانات السودان الأخيرة تسببت في التأثير على حياة الألاف من المواطنين ومقتل العشرات وكذلك الوضع في جنوب السودان لايختلف كثيراً حيث  أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى تأثر أكثر من 900 ألف شخص جراء الفيضانات الموسمية المستمرة منذ تموز/يوليو بمن فيهم النازحون داخليا واللاجئون والمجتمعات المستضيفة.

تداعيات أزمة المناخ على منقطة القرن الافريقي:

يرى المراقبوان أن إحتمالية تزايد الأزمات المترتبة على التغيرات المناخية على دول منطقة القرن الأفريقي خلال السنوات القادمة واردة. وقد تأخذ أطوار من الصراعات الجديدة بين المكونات المحلية وقد يرتقي ذلك الى مستوى الحروب بين دول المنطقة. وبالتالي يمكن إستقراء تداعيات ازمة المناخ على المنقطة على المستويات الأتية:

على المستوى السياسي: من الواضح أن تجليات أزمة المناخ على مجتمعات شرق أفريقي ستزيد من حالة الفقر وعدم المساواة بين مواطني دول المنطقة. وبالنتيجة هذا الامر سيؤجج العنف السياسي بين المكونات المحلية لدول المنطقة. وقد تنبع مخاطر العنف السياسي من عوامل مختلفة بما فيها توافر الأسلحة والتوترات العرقية والدينية وعدم المساواة في تزيع الثروة والسطلة وحالة عدم الثقة تجاه السلطات الحكومية. كما ارتبط التصحر أيضاً بانتظام بالعنف السياسي المتزايد في الصومال واثيوبيا والسودان وجنوب السودان مما زاد من الضغط على السلطات المركزية في هذه البلدان التي تعاني من الاصل من ضعف المؤسسات الخدمية. وسيكون التأثير أكثر حدة في هذه البلدان بإعتبارها دول فقيرة لاتمتلك أليات مواجهة هذه التحديات السياسية. ولايزال إنعدام الامن الغذائي يعد من أكبر المشاكل المزمنة التي تعاني منها مجتمعات القرن الافريقي.

على المستوى الاجتماعي: بكل تأكيد إن مخاطر الصراعات وعدم الاستقرار الاجتماعي في دول منطقة القرن الافريقي تغذيها تدفقات الهجرة الجماعية الداخلية والخارجية الناجمة عن التغيرات المناخية. حيث أظهرت الأبحاث أن الهجرات السكانية الجماعية ستضع الكثير من الضغط على المجتمعات المستقبلة وتخلق توترات اجتماعية ضخمة بداخلها. يمكن أن تندلع الصراعات بين المجتمعات المضيفة والمجموعات الوافدة وخاصة عندما تكون هناك الموارد شحيحة. على سبيل المثال كانت الهجرات الجماعية للرعاة في إقليم دارفور السوداني سبب رئيسي وراء التوترات العرقية والعامل المحفز للحرب الأهلية هناك. وبكل تأكيد إلى جانب المخاطر الاجتماعية والصراعات، تهدد الهجرة الجماعية بإحداث أزمات صحية في بلدان منطقة القرن الافريقي.

على المستوى الجيوسياسي: ستتخذ مخاطر النزاعات المرتبطة بالمناخ شكل من الصراعات الجيوسياسية بالاقتران مع المخاطر المناخية المتزايدة في نظام إقليمي يعاني من ندرة الموارد الطبيعية. ومن المرجح أن تزداد مخاطر الصراعات الجيوسياسية بين دول الاقليم. علي سبيل المثال إن قلة الاراضي الزاعية الخصبة في الهضبة الحبشية أدت الى هجرة الملايين من الاثيوبيين الى سهول الفشقة السودانية وهذا ولد صراع جيوسياسي بين السودان وإثيوبيا كاد أن تندلع بسببه شاملة حرب بين البلدين. ومن المؤكد أن المنافسة الجيوسياسية بين دول المنطقة ستكون شرسة في المستقبل بإعتبار الزيادة السكانية في بعض دولها ستكون من أهم دوافع هذا الصراع.

حاصل القول تعتبر ازمة المناخ الحدث الابرز في العالم وفي دول القرن الافريقي بالاخص. وسينتج عنها تأثيرات على المجتمعات المحلية وإستقرار دول المنطقة بأكملها. ولكن يبقى الأمر الأهم هو ضرورة تجاوب المجمع الدولي والمنظمات الاممية في التقليل من المخاطرها الناجمة عنها من خلال توفير الامكانيات المالية والفنية لمساعدة هذه الدول في مواجهة تحديات البيئة تسببت فيها أنشطة دول صناعية متقدمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى