شرق أفريقيا

ملامح التغيرات الجذرية على السياسة الخارجية الكينية…الأسباب والمؤشرات

مقدمة:

تبنت الدولة الكينية منذ إستقلالها سياسة خارجية متوازنة ومرنة تسعى من ورائها الى تعزيز وحماية مصالحها وتزين صورتها على المستوى الاقليمي والدولي، وذلك عبر دبلوماسية مبتكرة ومساهمة فعالة لاجل تحقيق نظام دولي عادل وسلمي ومنصف. وتسترشد أهداف السياسة الخارجية الكينية برغبة ساستها في جعلها بلداً مسالماً ومزدهراً وفقا ماهو منصوص عليه في نشيدها الوطني ودستورها ورؤية كينيا 2030. من خلال الوقوف على أهداف السياسة الخارجية الكينية يمكن القول أنها تهدف إلى تعزيز وحماية السلام الداخلي والإقليمي والدولي بإعتبارها تدعم عمل المنظمات الإقليمية والدولية والمتعددة الأطراف في إيجاد حلول دائمة للصراعات المحلية والاقليمية والدولية ومحاربة أنشطة المنظمات الإرهاب والمسلحة وذلك من أجل عالم حر وآمن حسب مساعيها الدبلوماسية.

وتقف السياسة الخارجية على أربع ركائز أساسية مترابطة ومتداخلة وهي: (الاقتصاد النشط؛ السلام العادل ؛ المحافظة على الموارد الطبيعية والبيئة ؛ والثقافية). حيث تهدف نيروبي من الدبلوماسية الاقتصادية إلى تحقيق تحول اقتصادي قوي وتنمية مستدامة من أجل ضمان التنمية الاقتصادية الاجتماعية والازدهار في كينيا بما يتماشى مع أهداف وتطلعات رؤية كينيا 2030. وعبر دبلوماسية السلام إلى توطيد إرث كينيا في تعزيز السلام والاستقرار كشروط ضرورية للتنمية والازدهار في بلدان المنطقة. وعبر الركيزة الدبلوماسية البيئية تعترف بحصة كينيا الهائلة في إدارة مستدامة لمواردها الطبيعية الخاصة، على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وأما بالنسبة الدبلوماسية الثقافية تهدف إلى استخدام الثقافة كأداة حيوية في العلاقات الدولية خاصة من خلال استخدام التراث الثقافي والأوقاف كركائز لمشاركتها في المحافل الخارجية.

  • المبادئ التوجيهية للسياسة الخارجية الكينية:
  • حرمة سيادة وسلامة الأراضي الكينية.
  • ب‌.    التعايش السلمي مع دول الجوار.
  • حل النزاعات بالوسائل السلمية.
  • تعزيز التكامل الإقليمي.
  • عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان.
  • احترام الأعراف والقوانين الدولية.
  • أهداف السياسة الخارجية الكينية:
  • التعاون مع الدول الأفريقية لحل الصراعات المحلية والاقليمية والدولية وذلك من خلال المنظمات الاقليمية مثل منظمة الايغاد وجامعة شرق أفريقيا والسوق المشتركة لشرق أفريقيا (كوميسا) والاتحاد الافريقي بهدف تعزيز السلام والتنمية المستدامين.
  • دعم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في إحلال السلام في المنطقة وذلك من خلال المساهمة بقوات وتوفير القيادة في بعثات حفظ السلام داخل القارة وعلى الصعيد العالمي.
  • لعب دور وقائي في حل النزاعات الداخلية في دول المنطقة.
  • المحافظة على المصالح الكينية الحيوية العليا.

وسعياً لتحقيق هذه الأهداف، تواصل دبلوماسية السلام الكينية الاستفادة من تجاربها في الوساطة وحل النزاعات وحفظ السلام الاقليم. علاوة على ذلك، تواصل الحكومات الكينية دعم المؤسسات التي تشارك في حفظ السلام في القارة والتي تشمل مركز التدريب على دعم السلام الدولي وقيادة القوة الاحتياطية لشرق إفريقيا وغيرها.

  • محطات في السياسة الخارجية الكينية:

بالرغم من الايجابية التي عرفت بها دولة كينيا في سياساتها الخارجية الا أن هناك تطورات طرأت في علاقتها مع دول الجوار حملت نيروبي الى إتباع سياسة خارجية متشنجة وصارمة وإبتعدت عن الأطر السمحة في حلحلة الخلافات الجارية. على سبيل المثال:

  1. الخلاف الحدودي مع الصومال: إن المواقف المتشنجة التي أبدتها الحكومة الكينية حيال أزمة الحدود مع دولة الصومال أظهرت حالة التبدل في الموجهات السياسية للبلاد. وصلت الخلافات الى مرحلة الى حد القطيعة الدبلوماسية بين البلدين وحاولت نيروبي الى العبث بالداخل الصومالي من خلال التواصل مع اقليم أرض الصومال الانفصالي. وبالتالي ان شكل تعاطي الحكومة الكينية مع الخلافات الحدودية مع جارتها الصومال أظهرت تحول وتراجع عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية في البلاد.
  2. الازمة الكنغولي – الردواندي: ويعتبر قرار إرسال قوة عسكرية للمشاركة في عملية مكافحة الحركات المسلحة في شرق الكونغو موقفاً متعارضاً مع الموقف الكيني المعروف إذ جاء في هذا القرار خطوة تتنافى مع الموقف الحيادي تجاه التعاطي مع الملفات الخلافية بين دول الاقليم. حيث أظهرت كينيا تعاطفاً مع الكنغو الديمقراطية التي تتهم رواند بزعزعة إمنها وإستقرارها.
  3. الإنحياز في الازمة السودانية: إتهم السودان كينيا بعدم حيادتها في التعاطي مع الازمة السودانية حيث بادرت الاخيرة نشاط من خلال إستضافة مجموعة متحالفة مع مليشيا الدعم السريع المتمردة. فضلاً عن إتهامها الصريح للجيش السوداني بضرب المدنيين وتجاوز إنتهاكات مليشيا الدعم السريع. كما أشار مجلس السيادة الانتقالي في بيانات عبر حسابات الفيسبوك أن كينيا تحتضن المتمردين وتدخل في الشأن السوداني بصورة غير لائقة.

أسباب التحولات الجذرية في السياسة الخارجية الكينية:

هناك أسباب عديدة يمكن سردها في سبيل البحث عن التغيرات الجذرية التي طرأت على السياسة الخارجية الكينية، ومنها الاتي:

  1. الرغبة في تثبيت الحقوق وحماية المصالح: سعت حكومة أهورو كينياتا الى توظيف حالة الانقسام الداخلي في دولة الصومال وذلك لأجل تثبيت الحقوق الطبيعية في مياه المحيط الهندي بالرغم من أن الموقف الكيني خالف الاعراف القوانين الدولية.
  2. بيع المواقف السياسية لأجل التكسب:تعاني الحكومة الكينية من مشاكل إقتصادية حادة وفاتورة ديون عالية أفقرت الدولة والشعب لذلك تسعى حكومة وليام روتو الى التكسب الجيوسياسي من خلال تجسير العلاقات مع دول تسعى للتنفذ الى المنطقة. وعلى سبيل المثال، إزدهرت العلاقات بين كينيا ودولة الامارات العربية المتحدة خلال الفترة الماضية بعد سعت نيروبي الى توظيف حالة التعطش الاماراتية لاجل الحصول على إستثمارات عينية وتدفق مالي مقابل التخلي على المبادئ التوجيهية للسياسية الخارجية عبر الانخراط في مشروع حيال دول المنطقة.  وكان التنسيق عالياً بين البلدين تجاه الازمة السودانية حسب معلومة إعلامية.
  3. لعب دور محوري تجاه أزمات دول المنطقة: من المعلوم ان هناك حالة من التنافس قائمة بين كينيا وإثيوبيا واوغند في عملية الإمساك بملفات إقليمية مختلفة. وفي خضم صراع النفوذ القائم بين البلدان الثلاثة تسعى كينيا الى إقتحام الصفوف وإجتراح الحلول لمشكلات محلية وإقليمية ودولية قد تتسبب في الوقوع في تناقضات المواقف مع شعارات السياسة الخارجية.

حاصل القول، يلاحظ إنخراط نيروبي في الملفات الاقليمية ومواقع الاشتباك المحلية بصورة مباشرة دون الاكتراث بثوابت السياسية الخارجية لها. على سبيل بالرغم من الرفض المطلق للحكومة السودانية لدور كينيا في إيجاد حلول سلمية للحرب الدائرة في البلاد الا أن حكومة وليام روتو مصرة على رئاسة رباعية الايغاد لرعاية المفاوضات بين المكونات السودانية. وبالتالي هذا يعد مؤشر واضح لتخلي كينيا عن سياستها الخارجية التقليدية المتوزانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى