إفريقيا جنوب الصحراءالأزماتالأمنالحركات المسلحةالساحل الإفريقيالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقتقدير المواقفشرق أفريقياشمال إفريقياصنع السلام

مع تصاعد وتيرة الاضطرابات في أفريقيا.. هل يُمكِن القول بأن الديُمقراطية قد خَذّلت الأفارقة؟

تمرّ القارة الإفريقية مؤخرًا بفترة متوترة على مستويات عدة (سياسيًا، اقتصاديًا، إنسانيًا،… إلخ)، يُمكن رؤيتها جليًّا من خلال تطورات عدد من هذه الأحداث المتلاحقة، والتي يأتي ضمنها ما يحدث الآن بالسنغال؛ مِن تأجيل الرئيس “ماكي سال” للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في فبراير 2024م الماضي (علمًا بأن ولايته تنتهي دستوريًا أبريل المقبل)، وهو ما صاحبه توترات واحتجاجات واسعة النطاق بالبلاد. أضف إلى ذلك تداعيات المـأزق السوداني الذي يزداد تعقدًا يومًا تلو الآخر بين الفصيلين السودانييّن الأهم داخل البلاد الآن (قوات الدعم السريع والجيش النظامي السوداني) منذ منتصف إبريل 2023م الفائت، من أجل السيطرة على السُلطة، حتى لو كان الأمر على حساب الأرواح وكافة البنى التحتية، فالاقتتال بات بشكل فعلي يأخذ أمامه كل شيء، من بشر وحجر. كما عادت الإبادة الجماعية إلى دارفور؛ فالمُقاتلون لا يتوقفون عن قتل كل الرجال والنساء الذين يواجهونهم، بل ويطلقون النيران صوب الأطفال الصغار المُقيدين إلى ظهور أمهاتهم. أما في منطقة القرن الأفريقي فقد أثارت مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال الانفصالية التوترات بالمنطقة المتوترة من الأساس، كما أدت لاستياء عدد من دول الجوار على رأسهما الصومال ومصر، فضلًا معارضتها من قِبَل عدد من الأطراف والتكتلات الإقليمية والدولية (الاتحاد الأفريقي- جامعة الدول العربية- الاتحاد الأوروبي- المملكة المتحدة). أما في منطقة الساحل، يروّع الجهاديون الملايين من المدنيين العُزّل، ويستولي الجنود على السُلطة عبر انقلابات عسكرية تُذكرنا بثمانينات القرن الماضي، ويَعَدون باستعادة الأمن والهدوء ولكنهم لا يفعلون ذلك.

عطفًا على ما تقّدم ومع تلاحق التوترات في القارة، لاسّيما وباء الانقلابات العسكريّة المستشري داخل أرجائها، وتحديدًا بغرب ووسط القارة، وما تثيره هذه الظاهرة من إشكاليات، يحاول هذا المقال الإجابة على تساؤل رئيس:

  • هل خيّبت الديمقراطية آمال مواطنو القارة الأفريقية؟
  • §       بطرح آخر: هل لم يجد الأفارقة ما يريدونه في الديمقراطية، وعِوضًا عن ذلك لجأوا إلى الحل العسكري كبديل لفشل الحكومات المدنية في تحقيق تطلعاتهم؟

انقلابات متتالية ودلالات مشتركة:

بالاتجاه إلى وسط القارة حيث الانقلاب العسكري في الجابون، في نهاية أغسطس 2023م الفائت، عندما أطاح مجموعة من ضُباط الجيش الجابوني بالرئيس “علي بونجو”، الذي حكمت عائلته البلاد لما يقرب من ستة عقود، صاحبه خروج العديد من المواطنين بالبلاد إلى الشوارع للاحتفال وإعلان الدعم للقادة العسكريين. كما أنه عندما وجّه “بونجو” في مقطع فيديو نُشِر له في أعقاب الاستيلاء العسكري على السُلطة، دعوة إلى المجتمع الدولي “لإحداث ضجة” ضد قادة الانقلاب، سرعان ما تحولت هذه العبارة إلى محتوى ساخر “ميم” من رغبته للبقاء في السلطة، من قِبَل مُستخدمي وصانعي المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن من المهم الإشارة إلى أنه لا الانقلاب العسكري في الجابون ولا استجابة الشارع له فريدة من نوعها أو أنها تتعلق فقط بالجابون. فمنذ عام 2020م، وقعت تسعة انقلابات في غرب ووسط إفريقيا ومنطقة الساحل. بدأ الأمر بمالي غرب القارة، التي فتحت الباب على مصراعيه قبل أكثر من ثلاث سنوات أمام الانقلابات، عندما قام الجيش بانقلاب بقيادة العقيد “عاصمي غويتا”، الذي أعقبه انقلاب آخر ضد إدارة مؤقتة في مايو 2021م.

وبعد مُضي قرابة أربعة أشهر من الانقلاب الثاني لمالي، أي في سبتمبر 2021م، كان الانقلاب هذه المرة بغينيا كوناكري ضد الرئيس “ألفا كوندي”، في أعقاب قيامه بتغيير للدستور للترشح لولاية ثالثة، وهو ما حدث بالفعل في 2020م من تغيير في الدستور وإجراء انتخابات رئاسية فاز بها بنسبة تجاوزت 59%، ووصفتها المعارضة بالغير دستورية. تلا هذه الأحداث الإطاحة بالحكومة الانتقالية المدنية العسكرية في السودان في أكتوبر 2021م. كما أنه في وقت سابق من هذا العام (أبريل2021م)، استولى الجيش التشادي على السلطة بعد مقتل الرئيس “إدريس ديبي” في ساحة المعركة أثناء زيارته للقوات التي تقاتل المتمردين في الشمال.

انضمت بوركينا فاسو أيضًا إلى هذا النمط من الحكومات المُنهارة، مع انقلابين عسكرييّن في عام 2022م (يناير وسبتمبر). ثم في 26 يوليو 2023م، أطاح الحرس الرئاسي في النيجر، الدولة الغنية باليورانيوم، بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا “محمد بازوم”، قبيل اندلاع انقلاب الجابون ببضعة أسابيع. كما أنه منذ بداية العام 2022م، شهدت غامبيا وغينيا بيساو وساو تومي وبرينسيبي محاولات انقلاب فاشلة. لكن المُلاحظ أنه في العديد من هذه الحالات الانقلابيّة، إن لم يكن جميعها، حظيت بدعم شعبي كبير من قِبَل المدنيين.

إذن وبناء على ما سبق، هل سَئِمَ المواطنين من الحكومات التي يقودها المدنيون على الرغم من أنها غالبًا ما تكون ديمقراطية، نظريًا على الأقل؟ وهل إفريقيا على أعتاب المزيد من الانقلابات؟ يُمكِن القول باختصار ردًا على كل ذلك؛ أن العمليات الديمقراطية الهشّة “الصوريّة” غالبًا ما تتسبب في خيبة أمل للمواطنين في غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية ومنطقة الساحل على وجه الخصوص، بما ينطوي عليه ذلك من تعميق لممارسات عدم المساواة وتعاقب الإدارات الفاسدة ومحاولات السيطرة على الصراعات عبر الاتفاقات التقليدية الهشّة. هذه الظروف، بدورها، جذبت القوى العظمى الساعيّة إلى توسيع نفوذها. هذا المزيج من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية جعل المنطقة عُرضة بشكل خاص للانقلابات.

أين العائد الديمقراطي؟

تشير البيانات والتقديرات المعنيّة بمراقبة الشأن الإفريقي وإجراء استطلاعات الرأي إزاء وقائعه، إلى وجود فجوة واسعة بين الممارسة العمليّة للديمقراطية في أجزاء كبيرة من القارة والآمال التي يعلقها المواطنين على نُظم الحكم. على سبيل المثال في إحدى هذه الاستطلاعات قال الغالبية العظمى من أشخاص من 34 دولة أفريقية شملهم استطلاع رأي سياسي مستقل أُجري بواسطة شبكة Afrobarometer في سبتمبر 2022م أنهم يعتقدوا أن الانتخابات المنتظمة والنزيهة والمفتوحة للجميع هي الضامن الأفضل لمصالحهم. لكن 44 في المئة فقط قالوا إن الانتخابات تساعد الناخبين على إزاحة القادة الذين لا يلبون طموحات المواطنين. في 19 دولة إفريقية شملها الاستطلاع بانتظام منذ 2008-2009، ارتفعت المشاعر ضد الانتخابات كأداة تمكين للتغيير بنسبة 6 في المائة.

وبشكل عام، انخفض دعم الانتخابات في 26 دولة، من أصل 30 دولة أفريقية شملها الاستطلاع بين عامي 2011 و2021م. بينهم السودان ومالي وبوركينا فاسو والنيجر – وهي دول شهدت انقلابات في السنوات الثلاث الماضية. لكن حتى في بلدٍ مثل جنوب أفريقيا، التي شهدت انتخابات متسقة وحرة ونزيهة إلى حد كبير منذ نهاية الفصل العنصري، انخفض دعم الانتخابات بنسبة 20 نقطة مئوية على مدى العقد الماضي.

ووفقًا إلى “جوناثان أسانتي أوتشري”، المحلل السياسي والمُحاضِر في جامعة كيب كوست بغانا، فإن المواطنين في العديد من البلدان “لا يرون أي عوائد للديمقراطية”. وقال إن هذا هو السبب الرئيسي “الذي يجعل الانقلابيين يتمتعون بهذا النوع من الدعم”، على الرغم من أن “أوتشري” حذّر أيضًا من أنه من غير الواضح إذا كان هذا الدعم سيستمر أم لا، خاصة أن ممارسات الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والتناحر العرقي وعسكرة الحكم المدني -مع استخدام المركبات المدرعة والعنف لقمع الاحتجاجات المدنية- دأبت على إفساد التجارب الديمقراطية في القارة. وفي السنغال وغانا خلال عام 2023م على سبيل المثال، اتخذ الجنود إجراءات شديدة التجاوز ردًا على الاضطرابات العامة المندلعة في البلاد. كما أن انعدام الثقة في النُخَب السياسية في جميع أنحاء القارة يبدو أنه آخذ في الازدياد أيضًا. وعلى نحو متزايد، يتجلّى ذلك في شكل الاستجابة تجاه الانقلابات العسكرية، المتأرجح بين اللامبالاة فيما يتعلق باتخاذ قرارات حاسمة للتصدي لها أو الدعم النشط لها.

في غالبية الدول الـ 28 التي شملها الاستطلاع بين عامي 2021 و2022م بواسطة Afrobarometer، وجد الباحثون أن معظم المواطنين يرحبون بمجيئ حكومة عسكرية. “ما نراه هو نتاج المؤسسات المختلة وحقيقة مفاداها أن الديمقراطية لم تعد تحقق توقعات السكان المحليين”، وفقًا لما قاله “موتارو موموني مقثر”، المدير التنفيذي بمركز غرب إفريقيا لمكافحة التطرف بأكرا.

في السياق ذاته يرى بعض المراقبين لشؤون الحكم في إفريقيا أن الديمقراطية معرضة بالفعل للخطر في القارة نتيجة لأن الزعماء المنتخبين فشلوا في تحقيق أهدافهم. ويثير الانقلاب الأخير في الجابون، الذي أدانه الاتحاد الأفريقي، مخاوف بشأن تلاشي سيادة القانون في أفريقيا. في هذا الشأن يقول “روتيمي أولاوالي”، محلل الشؤون السياسية المقيم في أبوجا: “إن الانقلابات أصبحت أكثر انتشارًا لأن الزعماء الأفارقة فشلوا في تقديم قيادة ديمقراطية جيدة”. واستكمل “أولاوالي”: “في حين أن الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي لديهما رد فعل ثابت على الانقلاب في القارة، إلا إنه يتعين على هذه الهيئات القيام به بما يتجاوز الرد على الانقلابات لاسيّما إخضاع البلدان الديمقراطية الأعضاء لآلية مراجعة النظراء”. لأنه إذا كانت الديمقراطية لا تعمل لصالح المواطنين، فسوف يبحثون عن وسائل بديلة للحكم من شأنها أن تحقق لهم النتائج. والكثيرون لا يحققون النجاح”. وتوقع “إيمانويل نجوكو”، مدير ملف الديمقراطية وشؤون الحكم بمنظمة Connected Development -وهي منظمة مجتمع مدني غير ربحية مقرها في أبوجا، اندلاع المزيد من الانقلابات في الأشهر المقبلة. وقال: “إن الديمقراطية على مستوى العالم مهددة، لكن التهديد مضاعف بالنسبة لأفريقيا على وجه الخصوص، خاصة في ظل هذا النمط من الديمقراطية الذي نراه في أفريقيا، والحالات التي نرى فيها ديكتاتوريين يدّعون الديمقراطية في السلطة، لست مندهشًا على الإطلاق من حدوث هذه الأشياء، لكن لا أعتقد أن هذه هي نهاية الأمر، يجب أن نتوقع المزيد.” واستكمل “نجوكو” هذا بلد منتج للنفط (في إشارة إلى الجابون)، لكن الناس فقراء للغاية. إذا نظرت إلى الأمر بشكل واقعي، فستجد أنه في الواقع تحرير لشعب الجابون بعد احتكار عائلة واحدة لشؤون الحكم لفترة طويلة. ونحن نعلم أيضًا أن هذا الرئيس كان بالفعل يعدّ ابنه لتولي المسؤولية خلفًا له عندما يكبر”.

هل تُمَثِّل الأوضاع الاقتصادية المتردية عاملًا مُحفِّزًا على اندلاع الانقلابات العسكرية؟

في خِضَّم السخط الذي تحوّل إلى دعم علني للحكم العسكري، تطفو بشكل جلّي على السطح الأوضاع الاقتصادية المتدهورة كأحد أبرز الأسباب الدافعة للاحتقان المجتمعي ومن ثَمّ اندلاع الانقلاب مقترنًا بقبول شعبي على نحو لافت، كما يؤكد “دانيال أماتي أنيم”، الخبير الاقتصادي. على سبيل المثال في مالي وغينيا، استشهد قادة الانقلاب بمزاعم الفساد التي شوّهت منذ فترة طويلة حكام هاتين الدولتين، لتبرير أفعالهم. حيث ارتفعت تكاليف المعيشة في العديد من هذه الدول، وكان التضخم على سبيل المثال في غينيا كوناكري عند أعلى حدّ له منذ خمس سنوات عندما تمت إقالة “كوندي” الغيني من منصبه في عام 2021م.

“أعتقد أن ذلك يرجع إلى حد كبير للأوضاع الاقتصادية، قال أنيم، من مبادرة سياسة التنمية الاقتصادية في أفريقيا ومقرها أكرا. واستكمل: “الأسباب تتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة، كما أن المواطنين لا يتحصّلون على وظائف وفي الوقت ذاته يرون نخبهم السياسية تعيش بشكل جيد للغاية.” ومع ذلك، يعتقد الخبراء أن هناك أسبابًا أخرى وراء الدعم الشعبي للانقلابات أيضًا، فلا يمكن إرجاع الأمر إلى العوامل الاقتصادية وحدها.

 هل تؤدي الانقلابات إلى تغيّرات حقيقية أم تصبح محض تغيير في الوجوه لا أكثر؟

من المهم إدراك أن كل هذه الانقلابات المُندلعة ليست متطابقة؛ سواء في ظروف وسياق الانقلاب أو الأسباب الداعية والمُحفّزة على الإطاحة بالسُلطة. لكن رغم ذلك هنالك ثمة عوامل مشتركة، ففي حالة “بونجو” في الجابون، أو رئيس بوركينا فاسو “بليز كومباوري”، الذي أطيح به عام 2014م، ساعدت المشاعر الشعبية المؤيدة لإنهاء حكمهم الطويل في إضفاء الشرعية على التدخلات العسكرية.

في بعض الحالات، كما يرى البعض، لا تؤدي الانقلابات إلا إلى تغييرات في وجوه الحكام بين النخبة الموجودة مسبقًا والتي هيمنت على الأمة. على سبيل المثال شهد السودان عام 2021م استيلاء جيش البلاد، الذي كان جزءًا من حكومة ائتلافية عسكرية مدنية منذ ثورة 2019م ضد الرئيس السابق عمر البشير، على السُلطة بشكل مباشر.

وفي الجابون أيضًا، وصف زعيم المعارضة الرئيسي الإطاحة ببونجو بأنها “انقلاب قصر”. خاصة أن “بريس نجويما”، القائد العسكري الذي قاد الانتفاضة، هو ابن عم الرئيس المُطاح به “بونجو”. في هذا السياق يقول “ديف بيترسون”، المدير الأول لبرنامج إفريقيا في الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، أن انقلاب الجابون كان “تغييرًا في القبعات”، لا أكثر، مؤكدًا على هذا الطرح، بأن الانقلابات لا تفرز نخب جُدد وتغيرات حقيقية.

في بلدان إفريقية أخرى، لعب عدم الاستقرار الإقليمي دورًا رئيسيًا في تهيئة الظروف التي سمحت للاستيلاء العسكري على السلطة بالنجاح -خاصة منذ عام 2011م والإطاحة العنيفة بالرئيس مُعمَّر القذافي في ليبيا. وقال “بيترسون” في هذا السياق: “من الواضح أنه إذا كنت تريد العودة إلى الوراء من حيث أبرز محفزات هذه الأحداث، فيمكنك القول بأن انهيار نظام القذافي في ليبيا كان بمثابة القشّة التي أدت إلى تفاقم انعدام الأمن في مالي ومنطقة الساحل ككل”. كما أدت الفوضى وفراغ السلطة في ليبيا إلى انتشار الأسلحة والمقاتلين المسلحين في جميع أنحاء منطقة الساحل، بما في ذلك شمال مالي.

علاوة على ذلك تأثرت تشاد بشكل كبير بالصراعات في ليبيا والسودان التي ينشط لديها الميليشيا السودانية التي كانت مدعومة من الحكومة “الجنجويد”، والتي تحولت في عام 2013م إلى جماعة قوات الدعم السريع المسلحة التي تُقاتل حاليًا الجيش السوداني من أجل الاستيلاء على السلطة، بالبلاد.

كما أجبرت الاشتباكات بين الجانبين في السودان مئات الآلاف من اللاجئين على البحث عن مأوى في شرق تشاد، التي لم تكن هي الأخرى بمنأى عن هذه الاضطرابات، فشهدت جملة من التوترات كان أبرزها مقتل زعيمها “إدريس ديبي”، في عام 2021م، خلال اقتتال مع المتمردين الذين عبروا الحدود من ليبيا، كما أدى مقتل “ديبي” إلى استيلاء الجيش على السلطة وتولى نجله “محمد إدريس ديبي” رئاسة المجلس الانتقالي العسكري حتى الآن. كما توالت الأحداث حتى كتابة هذه السطور والتي تجلّى أبرزها في إعلان السلطات في انجمينا عن مقتل المعارض البارز “يايا ديلو دجيرو” في هجوم للجيش استهدف مقر حزبه، وذلك في الأول من مارس 2024م. وعقب هذا الهجوم بثلاثة أيام فقط أعلن رئيس تشاد المؤقت خوضه للانتخابات الرئاسية المقبلة في البلاد، المقرر مايو المقبل (6 مايو 2024م).

منافع مُحققة للجماعات المتطرفة:

وفقًا لـ”سايمون رين”، وهو زميل باحث بارز في مجال الأمن الأفريقي في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في لندن، “هناك العديد من العوامل التي تدفع في اتجاه” المزيد من الانقلابات في المنطقة.، وهو ما يؤكده قائلًا: “لقد خاضت العديد من البلدان انتخابات متنازع عليها أو لديها رؤساء أطالوا وجودهم لفترة ثالثة تشبثًا بالسلطة، أو لديهم انعدام أمن كبير أو اقتصاد راكد”، قال رين: “لا نعرف أين يمكن أن تتأثر أماكن أخرى بالتخطيط للانقلاب بعد ذلك، بلدان مثل الكاميرون وتوجو والسنغال وبنين تكافح بطرق مختلفة وتحاول تجنب سيناريوهات انقلابية كهذه”. من المؤكد أنه في حين أن مجموعة العوامل التي جعلت الانقلابات ممكنة في أماكن أخرى قد تكون موجودة في دول أخرى لكنها ليست كافية، فليس كل بلد تتوافر فيه كافة الظروف لاندلاع انقلاب، وحتى إن توافرت فقد تنجح في دولة ولا تنجح في أخرى، يتصل ذلك بعدة عوامل، كطبيعة وأهمية الدولة ذاتها وحجم الاستجابة الإقليمية والدولية إزائها، فضلًا عن مصالح وتشابكات القوى الكبرى بهذه الدولة، وغيرها من العوامل التي يتحدد بناءً عليها مدى التعاطي والاستجابة مع الانقلاب العسكري بالدولة.

على سبيل المثال وصف العديد من الخبراء، توجو بأنها على شفا انقلاب منذ عدة سنوات، ولكن مؤسساتها نجت حتى الآن من تلك التهديدات. على الرغم من أن توجو كانت عرضة للإطاحة بالحكومة الأولى في أفريقيا بعد الاستقلال، إلا أن البلاد لم تشهد انقلابًا ناجحًا منذ عام 1967م. ويعزى السبب إلى علاقة مخلصة ودائمة للغاية بين الجيش وسلالة “غناسينغبي” الحاكمة.

ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن الوضع كما هو في المنطقة مُعقّد للغاية لأن الجماعات المسلحة تستغل حالة انعدام الأمن لتوسيع نفوذها عبر منطقة الساحل إلى غرب إفريقيا؛ فالانقلابات توفّر مساحات للجماعات المتطرفة لاستغلالها، إنها فرصة لا مثيل لها للجماعات المتطرفة داخل المنطقة لاستغلالها لأنه في الوقت الذي تنشغل فيه الحكومات بالبحث عن طرق لتحقيق الاستقرار واحتواء الاضطرابات والتوترات المندلعة، فإن الجماعات المتطرفة تستغل ذلك وتزيد من وجودها من خلال الهجمات.

لماذا لا تعني الانقلابات في إفريقيا نهاية الديمقراطية؟

مع كل بلدٍ يُضاف إلى قائمة الانقلابات العسكرية في إفريقيا، تزداد الأصوات المُنادية بأن الديمقراطية غير مُجدية ولا مكان لها بالقارة – ولا يُمكِن أن تنجح حال وجودها. ففي نهاية المطاف، أعقب الإطاحة بالرؤساء المدنيين احتفالات في الشوارع في بعض البلدان؛ حيث هللّ المواطنون لسقوط القادة المنتخبين. ولكن في حين أنه من اليسير على البعض تفسير موجة الانقلابات كدليل على أن الديمقراطية في أفريقيا تحتضر، إلا أن ذلك غير صحيح على الإطلاق. حتى في البلدان التي حدث فيها انقلابات، فإن غالبية المواطنين كانوا يرغبون في العيش بنظام ديمقراطي لا استبدادي. في بلدان مثل غينيا ومالي، لم يفقد القادة شعبيتهم لأنهم أسسوا ديمقراطيات حقيقية بل لأنهم قوّضوا أوراق اعتمادهم الديمقراطية في سياق من عدم الاستقرار المتزايد، وفي حالة بوركينا فاسو ومالي -كان عن طريق التذرّع بحركات التمرد الجهادية. يصبح هذا واضحًا إذا تجاوزنا العناوين الرئيسية لنسأل لماذا تم الاحتفال علنًا ببعض الانقلابات الأخيرة؟ في غينيا كوناكري، قام الرئيس السابق “ألفا كوندي” بتعديل الدستور بشكل مثير للجدل في عام 2020م للسماح له بالترشح لولاية ثالثة في منصبه. كانت مثل هذه الاستراتيجية بعيدة كل البُعد عن القبول الشعبي، خاصة أن الاستفتاء الدستوري والانتخابات العامة التي فاز بها لاحقًا لم تكن حُرة أو نزيهة.

كما أصبح “كوندي” استبداديًا بشكل متزايد في الأشهر التي سبقت الانقلاب، حيث قام بسجن خصومه السياسيين والنشطاء المناهضين للحكومة، فضلًا عن ممارسة العنف إزائهم. وبالمثل، اتهم الرئيس المالي السابق “إبراهيم بوبكر كيتا” بتزوير الانتخابات التشريعية بالبلاد لعام 2020م. بالإضافة إلى المخاوف من الفساد المتزايد وتزايد انعدام الأمن، قوّض ذلك من شرعيته وزاد من الاحتقان المجتمعي. مُجمل القول أنه في كلا البلدين، فَقَدّ القادة المدنيون ظهيرهم الشعبي جزئيًا لأنهم ابتعدوا عن الديمقراطية، وليس ببساطة لأن المواطنين فَقَدّوا الثقة بالعملية الديمقراطية.

من الواضح أنه في حين ظهور تأييدًا من قِبَل العديد من المواطنين للانقلابات التي أطاحت بكوندي وكيتا في غينيا ومالي، فإن إحدى الاستطلاعات التي أجرتها أفروباروميتر وجدت أن 76٪ من الغينيين و70٪ من الماليين لا يرغبون بوجود الحكم العسكري. ووجدت نفس الاستطلاعات أن دعم الديمقراطية يبلغ 77٪ في غينيا، و70٪ في بوركينا فاسو و62٪ في مالي – وهو دليل آخر على أن المواطنين أيدّوا التدخل العسكري على أمل أن يُمَهِّد لهم الطريق لنمط أكثر فعالية من الحكومة المدنية، وليس لأنهم يطمحون إلى العيش في ظل الحكم الاستبدادي. ومما له دلالته، أنه حيثما يجد المواطنون أن الانقلابات تغتصب عمليات التحول الديمقراطي، فإنها لا تحظى بشعبية كبيرة.

خاتمة:

 من الهام أن نشير إلى أن بِناء المؤسسات يتطلب وقتًا وصبرًا. ويستغرق تطوير مكونات لازمة لبناء الدولة الديمقراطية مثل تعزيز وجود صحافة حُرة ومستقلة، ونُظم الضرائب العادلة والشفافة، والتربية المدنية للمواطنين والمشاركة الفعليّة في الحكم. ومع ذلك، فإن الاستمرار في بناء البنية التحتية المؤسسية هو السبيل الواقعي لتعزيز المسار الديمقراطي في أفريقيا. لكنه قد يتطلب وقتًا ليس بالقليل لاسيما مع ما ألمَّ بالقارة من إضعاف للمؤسسات عمدًا خلال الفترة الاستعمارية وما تلاه من ممارسات من قِبَل “القادة الكبار” والجيوش الإفريقية النظامية الداعمة لهم. بالتوازي مع كل هذا تظل المعضلة هي أن أفريقيا تعصف بها تحديات مباشرة لن تنتظر تطوير الثقافة الديمقراطية لديها. خاصة في ظل تمدد أنشطة الإرهابيين الجهاديين، والشبكات الإجرامية، وأصحاب المنافع والمصلحة الساعين لتدمير الحكومات القائمة، لذا فإن العواقب ستكون بالتأكيد اسوأ من الوضع الراهن في حال تُرِكَت الأمور كما هي دون ترسيخ أسس حقيقية للديمقراطية والمؤسسات الفعّالة المُشاركة في الحُكم. إن التحدي الحقيقي سيتمثل في اتخاذ خطوات ذات مغزى حقيقي نحو الديمقراطية مع الاعتراف في الوقت نفسه بالمظالم التي تؤجج الكثير من القضايا الكامنة أو المشتعلة بالفعل.

في الأخير، بقى أن نؤكد على أن عمليات الاستيلاء العسكري على السُلطة المدنية في إفريقيا لا توفِّر مخرجًا فعالًا من دوامة الاستبداد والتفرّد بشؤون الحكم من قِبَل الحكومات المدنية، خاصة أن كل انقلاب يؤدي لمزيدٍ من الضعف للمؤسسات الديمقراطية ويعيد تأكيد قوة العسكريين والبندقية على حساب صندوق الاقتراع والتداول السلمي للسُلطة. وبالتالي فإن إيجاد مخرج من حلقة عدم الاستقرار وانعدام الأمن يتطلب بناء مؤسسات ديمقراطية أقوى قادرة على الصمود أمام التلاعب من قِبَل القادة السياسيين، وليس عن طريق المؤسسات الاستبدادية التي تستبعد المواطنين من العملية السياسية، فضلًا عن أن مخرجاتها لا تُلبّي تطلعاتهم.

المراجع:

1-    John Campbell and Nolan Quinn, “What’s Happening to Democracy in Africa?”, Councile on Foregin Relations, 26 May 2021, On: https://rb.gy/dt1tre

 

  • Ronak Gopaldas, “Democracy in decline in Africa? Not so fast”, ISS-Africa, 04 Nov 2021, On: https://rb.gy/xn9289
  • Stan Chu Ilo, “Why democracy is stalling in Africa”, The Hill, 29 Sep 2021, On: https://rb.gy/wjoa1t

 

6-    “Why Africans are losing faith in democracy”, The Economist, 05 Oct 2023, On: https://rb.gy/xhznd6

  • “Coups in Africa: Why they don’t spell the end of democracy”, BBC, 08 Feb 2022, On: https://rb.gy/p5u25a
  • 9-    “رئيس تشاد المؤقت يعلن خوضه الانتخابات الرئيسية خلال هذا العام”، موقع الشروق الجديد، 3 مارس 2024، متاح على الرابط: https://rb.gy/zm57oa
  • 10- “تشاد: مقتل معارض بارز للمجلس العسكري في هجوم للجيش على مقر حزبه”، موقع فرنسا 24، ا مارس 2024، متاح على الرابط: https://rb.gy/esujjs
  • محمد تورشين، نهاد محمود، “التوتر في القرن الإفريقي يعود إلى السطح عبر بوابة أرض الصومال”، منصة الدراسات الأمنية وأبحاث السلام”، 17 يناير 2024، متاح على الرابط: https://rb.gy/rrtmyf

نِهاد محمود

باحثة دكتوراه بجامعة القاهرة، مهتمة بالشأن الأفريقية. نُشِر لها عدد من الأوراق العلمية ذات الصلة بالشأن الأفريقي داخل وخارج جمهورية مِصر العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى