إفريقيا جنوب الصحراءالساحل الإفريقيالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقشرق أفريقياشمال إفريقيا

مستقبل فاغنر في أفريقيا بعد مقتل يفجيني بريغوجين : تساؤلات وردود

أكدت روسيا مقتل 10 أفراد كانوا على متن طائرة أقلت رئيس مجموعة فاغنر الروسية ومؤسسها يفجيني بريغوجين في شمال شرق موسكو (23 أغسطس الجاري) وبرفقته كل من دميتري أوتكين Dmitry Utkin وفاليري تشيكالوف Valery Chekalov، وهما من أبرز مساعي بريغوجين. وسرعان أن أثار هذا الحادث تقارير وتحليلات مكثفة تدور حول مصير قوات فاغنر وعملاء المجموعة (لاسيما في أفريقيا وأوكرانيا) الذين تعد العلاقات معهم من أهم دعائم الاستراتيجيات الروسية الحالية. ويلاحظ أن الطبيعة الشخصية لقيادة بريغوجين مع مقاتليه وعملائه على حد السواء، وكذلك قدرته على جمع مصالح أطراف وحكومات ودول متناقضة في واقع الأمر. وتشمل قادة مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والنيجر مؤخرًا، وهي دول تواجه جميعها مصاعب في مواجهة الجماعات الإرهابية، فيما يسعى المجلس العسكري الانتقالي في النيجر الذي تقلد السلطة في البلاد عقب انقلاب 26 يوليو 2023 إلى دعم سلطته عبر التواصل مع فاغنر دون وجود تقارير مؤكدة عن قيام علاقات فعلية بين نيامي والنيجر رغم التكهنات المتكررة ([1]).  

فاغنر في أفريقيا: لمحة موجزة

بغض النظر عن تعقيدات جذور نشاة مجموعة فاغنر العسكرية وارتباطاتها بنظام الدولة في روسيا، الأمر الذي يثير بدوره تساؤلات حول طبيعة مستقبل هذه المجموعة بشكل عام وفي أفريقيا على وجه الخصوص في هذا المقام ولم ينل تناولًا كاشفًا في سياق الأزمة الحالية، فإن أول انتشار ملحوظ لفاغنر لقواتها في أفريقيا كان في العام 2018 عندما أرسلت المجموعة مدربين ووحدات قتالية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى سرعان أن نجحت في دعم الحكومة والقوات المسلحة بها في مواجهة قوات المتمردين. وفي المقابل منحت قوات المرتزقة على الفور حق الوصول لمواقع التعدين الغنية بالبلاد، وسرعان أن أصبحت صيغة “الأمن مقابل الموارد” نموذجًا مستخدمًا لدى فاغنر في بقية الدول الأفريقية التي نشطت فيها بعد 2018([2])

ومع اتضاح العلاقة الوثيقة بين فاغنر وموسكو زادت الأولى أنشطته في ليبيا ثم في إقليم الساحل الأفريقي، وصرح مسئولون روس في مناسبات متفرقة أن سبب اهتمام موسكو بهذه المنطقة “رغبتها في التخلص من الفوضى التي سببتها الحكومات الغربية” منذ تدخلها الكارثي في ليبيا في العام 2011 والذي نقل الفوض1ى إلى الإقليم وتحوله في نهاية المطاف إلى معقل للقاعدة وداعش والعديد من التنظيمات الإرهابية التي تنتهج نفس توجهاتهما الأيديولوجية إضافة إلى المجوعات الإجرامية التي تنتهك سيادة الدولة لاسيما في المناطق الريفية بالعديد من دول إقليم الساحل([3]) حسب رؤية موسكو تلك. 

وكان المفترض أن تشهد قمة روسيا أفريقيا منتصف يوليو الماضي، والتي وردت تقارير عن حضور بريغوجين جانبًا من أعمالها ولقائه بعدد من السياسيين الأفارقة، انتهاز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لها للترويج لنفوذ بلاده في القارة، لكن القمة كشفت في واقع الأمر حدود قاعدة الموارد الروسية لسياساتها، لاسيما إزاء الطلبات المتزايدة لإحياء “اتفاق الحبوب” التي أثارها القادة الأفارقة دون استجابة تذكر من قبل موسكو سواء خلال القمة أم بعدها. وقد حاول بوتين استغلال الخطاب المناهض للاستعمار لحده الأقصى، لكن في ظل غياب مردودات مادية روسية فإن الأمر قد لا يتجاوز هذا الخط، ومن ثم تظل علاقات روسيا بدول أفريقيا في حدود ضيقة للغاية ([4])

روسيا وفاغنر وحزام الانقلابات الأفريقي

تعمد الاستراتيجية الروسية في أفريقيا بشكل واضح، ضمن دوافع ذاتية مفهومة بطبيعة الحال، إلى تحدي الأهداف الأمريكية والغربية المناظرة؛ وقامت هذه الاستراتيجية، حسب تقارير أمريكية مكثفة تلاحق خرائط الانتشار الروسي في القارة الأفريقية، على اعتبار أفريقيا ضمن أولويات سياسة روسيا الخارجية إذ سعى الرئيس فلاديمير بوتين إلى تكوين تحالفات مع دول أفريقية اعتمادًا على أصول موسكو العسكرية والوصول إلى الموارد الأفريقية، واستهداف الدول ذات الحكومات الهشة لكنها تملك موارد طبيعية غنية مثل البترول والذهب والماس واليورانيوم والمنجنيز. وتعد شركات الأمن الخاص الروسية من أدوات تنفيذ الاستراتيجية الروسية وفي مقدمتها مجموعة فاغنر في أفريقيا. وقد نجحت الأخيرة في مساعدة العديد الدول الأفريقية في تقوية قواتها المحلية وقدراتها على مواجهة الإرهاب([5]).  

وفي المقابل، وعلى نحو قطعي تمامًا، يمكن القول أن  سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدها إقليم الساحل الأفريقي قد نتجت عن أزمة جذرية ومتعددة الجوانب في الإقليم الذي يعاني من فقر واضح بالفعل، الأمر الذي جذب مخاوف دولية جمة حتى قبل أن تضاف النيجر إلى قائمة دول هذا الحزام. وبات مستقرًا لدى أغلب الباحثين أن روسيا لم تثر هذه الانقلابات لكنها استفادت بشكل واضح من وقوعها في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي مما أثار مخاوف عن احتمال تدخل روسيا بشكل أكبر وبمبرر مواجهة هذه الفوضى. لكن ما يقلق المحللون في روسيا هو عدم قدرة موسكو الواضحة على الاعتماد على انسحاب الشركات والقوات الفرنسية بسبب الانقلابات وشغل مكان فرنسا بشكل كبير. وعلى سبيل المثال فإن القائد المالي إبراهيم تراوري كان يأمل ان يؤدي تعبيره عن دعمه لروسيا في الأزمة مع أوكرانيا إلى دفع روسيا لتوقيع شركة روساتوم Rosatom عقدًا مع حكومته لبناء مفاعل طاقة نووية، ورغم مقابلة بوتين له في قمة روسيا أفريقيا بحفاوة بالغة فإن المؤشرات تشير إلى عدم وضع فكرة هذا العقد على أجندة موسكو ([6]).   

وعد الوجود الروسي (عبر التعاون الثنائي بين روسيا ودول الإقليم أو من بوابة أنشطة مجموعة فاغنر) من أهم مخاوف السياسة الأوروبية والأمريكية في الإقليم بشكل واضح للغاية. وعلى سبيل المثال عبرت بروكسل مطلع أغسطس 2023 عن مخاوفها العميقة من تداعيات “الانقلاب العسكري الذي وقع في النيجر التي تعد آخر حليف للغرب في إقليم الساحل” والذي يهدد بصعود موجة من التطرف. ولاحظ مراقبون (حسب جريدة البايس الأسبانية) من توجه النيجر للانضمام لمجموعة الدول التي تحكمها مجالس عسكرية مثل مالي وبوركينا فاسو، في بيئة “مدعومة مباشرة وغير مباشرة من الكرملين”([7]).  

روسيا وفاغنر في أفريقيا: حدود المستقبل

يرى مراقبون غربيون أنه بغض النظر عن نجاح فاغنر في دعم العديد من النظم الأفريقية فإنها تميل إلى توطيد العلاقات مع حلفاء متعطشين للدماء وقمعيين في الإقليم، ولاسيما من يسيطرون على الموارد. وخلال الأعوام القليلة الماضية قدمت فاغنر خدمات حماية مرافق البترول لزعيم الحرب الليبي خليفة حفتر (وثيق الصلة بأجهزة الاستخبارات الأمريكية منذ نهاية الثمانينيات من لارن الماضي)، كما دعمت المجموعة “قوات الدعم السريع” في السودان حتى منذ دورها في العام 2019 في مواجهة الاحتجاجات الموالية للديمقراطية في البلاد في العام 2019 قبيل عزل عمر البشير وعقب ذلك مباشرة، كما خاضت المجموعة قتالًا ضاريًا ضد الجماعات الإرهابية في مالي وبوركينا فاسو في الأعوام الأخيرة([8]).   

وتكشف هذه الصورة الموجزة عن طبيعة عمل فاغنر وضعف التأثيرات المحتملة لوفاة قائدها في صياغة سياسات تدخلها في أفريقيا ومدى ارتباط ذلك بسياسات موسكو الأفريقية “الرسمية”؛ فقد ارتبطت فاغنر بأدوار تبدو مناهضة لسياسات موسكو في بعض الحالات (كما في دعم شركات الطاقة الغربية في شمالي موزمبيق)، وقريبة من سياسات الإدارة الأمريكية (لاسيما في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب)، ومن عدد من الدول الخليجية التي تلعب أدوارًا تخريبية في وسط أفريقيا وإقليم الساحل وفي السودان حتى الوقت الراهن.

إضافة إلى ذلك؛ تعد مسألة استدامة تدخلات القوات الروسية شبه العسكرية في أفريقيا بالغة التعقيد بالفعل، ويرجح أغلب الباحثون رؤية استمرار هذا الدور في الفترة المقبلة بعد مقتل بريغوجين وربما توسعه في ظل ظروف معينة، وأخذًا في الاعتبار ما بثه وزير الخارجي الروسي سيرجي لافروف من تطمينات بان تمرد فاغنر لن يكون له عواقب في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى (حيث تنتشر عناصر هذه المجموعة بالفعل بالتنسيق مع حكومتي البلدين) وتأكيده “أن العمل سيستمر بطبيعة الحال”، ولفت مراقبون أن المسالة الواضحة بخصوص هذا الموقف أن لافروف لم يكن منخرطًا بأي حال من الأحوال في التخطيط أو التنفيذ لعمليات فاغنر في أفريقيا. وإلى جانب ذلك فإن الدبلوماسية الروسية نفسها ترتكز على عدة دول رئيسة وهي على وجه الخصوص جنوب أفريقيا ومصر والجزائر وإثيوبيا وهي جميعًا دول معروف عنها نبذها لأنشطة فاغنر في القارة الأفريقية ([9])، ومن ثم فإنه من المنطقي أن يكون حضور فاغنر في الدول الضعيفة أو التي تواجه مشكلات بنيوية خطيرة في أمنها وقدرتها على مواجهة التهديدات المختلفة التي تمس عصب قوتها.

وعلى عكس التوقعات المبكرة التي تنبأت بتراجع روسي كبير عقب مقتل قائد مجموعة فاغنر تعهد دميتري بوليانسكي Dmitry Polyanskiy، نائب سفير روسيا بالأمم المتحدة، في جلسة هامة بمجلس الأمن في الأمم المتحدة (28 أغسطس) بمواصلة بلاده تقديم “مساعدات شاملة”، ولفت إلى أن التعاون الثنائي بين روسيا ومالي و”خيار (المجلس العسكري) السيادي” لشركائه الأمنيين الدوليين لا يزال يقلق الشركاء الغربيين وأن روسيا، من جانبها، ستواصل تزويد مالي “والشركاء الأفارقة المعنيون الآخرون” بمساعدات شاملة على أساس ثنائي وعادل ومتبادل([10]).

إجمالًا، فإنه لا يتوقع حدوث تغيير جذري أو معقول في أدوار فاغنر في أفريقيا كاستجابة مباشرة لمقتل زعيمها بريغوجين أغسطس الجاري. ويتوقع بشكل كبير أستمرار ارتهان انشطة فاغنر بحدود السياسات الروسية في أفريقيا مع الإقرار بوجود التباسات كثيرة في طبيعة التفاعلات الدولية والإقلييمة في الإقليم وحدود المصالح او تقاطعاتها وهو أمر يتعزز أكثر في حالة دور فاغنر في أفريقيا كشركة خاصة للخدمات الأمنية والعسكرية .

الهوامش

[1] Tasha Kheiriddin, Wagner and Russia’s next moves, Gzero, August 28, 2023 https://www.gzeromedia.com/wagner-and-russias-next-moves[1]

Dino Mahtani, Before Prigozhin’s death, Wagner was fighting on Russia’s behalf in Africa. What happens now? The Guardian, August 26, 2023 https://www.theguardian.com/commentisfree/2023/aug/26/yevgeny-prigozhin-death-wagner-russia-africa-mercenary-group

[1] Dino Mahtani, Before Prigozhin’s death, Wagner was fighting on Russia’s behalf in Africa. What happens now? The Guardian, August 26, 2023 https://www.theguardian.com/commentisfree/2023/aug/26/yevgeny-prigozhin-death-wagner-russia-africa-mercenary-group

[1] Bavel Baev, Curtains for Wagner: Can Russia’s Show in Africa Go On? Italian Institute for International Political Studies, Rome, August 28, 2023 https://www.ispionline.it/en/publication/curtains-for-wagner-can-russias-show-in-africa-go-on-139198

[1] Federica Saini Fasanotti, Russia’s Wagner Group in Africa: Influence, Commercial Concessions, Rights Violations, and Counterinsurgency Failure, Brookings, February 8, 2022 https://www.brookings.edu/articles/russias-wagner-group-in-africa-influence-commercial-concessions-rights-violations-and-counterinsurgency-failure/

[1] Bavel Baev, Curtains for Wagner: Can Russia’s Show in Africa Go On? Italian Institute for International Political Studies, Rome, August 28, 2023 https://www.ispionline.it/en/publication/curtains-for-wagner-can-russias-show-in-africa-go-on-139198

[1] MARÍA R. SAHUQUILLO and MANUEL V. GÓMEZ, Brussels fears Russia will extend influence in the Sahel following Niger coup, El Pais, August 7, 2023 https://english.elpais.com/international/2023-08-07/brussels-fears-russia-will-extend-influence-in-the-sahel-following-niger-coup.html

[1] Dino Mahtani, Before Prigozhin’s death, Wagner was fighting on Russia’s behalf in Africa. What happens now? The Guardian, August 26, 2023 https://www.theguardian.com/commentisfree/2023/aug/26/yevgeny-prigozhin-death-wagner-russia-africa-mercenary-group

[1] Bavel Baev, Curtains for Wagner: Can Russia’s Show in Africa Go On? Italian Institute for International Political Studies, Rome, August 28, 2023 https://www.ispionline.it/en/publication/curtains-for-wagner-can-russias-show-in-africa-go-on-139198

[1] Michelle Nichols, After Wagner chief death, Russia vows to keep helping Mali, WHBL, August 28, 2023 https://whbl.com/2023/08/28/after-wagner-chief-death-russia-vows-to-keep-helping-mali/

د. محمد عبد الكريم أحمد

د. محمد عبد الكريم أحمد، باحث متخصص في الشئون الأفريقية، منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت،  أصدر مجموعة من المؤلفات والترجمات والبحوث في شئون ليبيا والسودان ونيجيريا وإثيوبيا والفكر الأفريقي والحركات الاجتماعية والإسلامية وقضايا  الإرهاب في أفريقيا  والعلاقات الروسية الأفريقية، وكاتب في العديد من الصحف العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى