Uncategorized

لماذا ينسوننا؟عندما يشاهد السودان الحلفاء يتحولون عنه لمساعدة غزة وأوكرانيا (مقال مترجم)

نَشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالًا لـ”كريس شتاين” حول التخاذل الدولي إزاء الاقتتال الدائر في السودان وما صَاحبه من أوضاع إنسانية شديدة التأزّم بحق المدنيين وخصوصًا الأطفال الذين تركوا منازلهم ومدارسهم وذويهم، وكذلك النساء اللواتي يتعرضنّ لظروف شديدة القسوة شملت شتى أنواع العنف والاستغلال الجنسي، فضلًا عن الإخفاء القسري وإجبارهن على العمل بالإكراه مع المسلحين. يتم كل هذا وسط صمت مخزي من قِبَل المجتمع الدولي لا يوقظه سوى تقارير الجهات الإغاثية الدوليّة من آن لآخر، جنبًا إلى جنب مع صرخات تُطلَق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما يتداولونه روادها من قصص عما يتعرض له السودانيين، أملًا في استعادة الزخم والاهتمام الدولي إلى القضية من جديد، خاصة في ظل الانتهاكات الإنسانية غير المتوقفة وغير المسبوقة منذ إبريل 2023 وبدء الاشتباكات بين قوت الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية. تلك الأزمة التي بات يتناساها المجتمع الدولي أو يألفها يومًا تلو الآخر، لاسيّما مع اشتعال قضايا أخرى كالأوضاع المتأزمة في غزة منذ أكتوبر الماضي، ومن قبلها الغزو الروسي لأوكرانيا الذي سيدخل عامه الثالث خلال أشهر قليلة.

أكبر موجة نزوح بشري:

يبدأ المقال بالإشارة إلى ما شاهده أحد الأطباء السودانيين الذي كان قد عاد لتوه للبلاد قائلًا: “لم يكن اندلاع إطلاق النار في العاصمة السودانية في 15 أبريل مفاجأة كاملة لمحمد عيسى، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي الذي يعيش في سان بطرسبرج وعاد إلى السودان لدفن والده. كان قد رأى شاحنات صغيرة مليئة بالرجال المسلحين تحلق في شوارع الخرطوم، وكان على علم بالتنافس بين جيش البلاد وجماعة قوات الدعم السريع شبه العسكرية. ومع اندلاع الحرب المفتوحة يوم السبت، توقع عيسى أن يكون القتال قصيرًا.  بدلًا من ذلك، حدث العكس. احتدم الصراع بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية الآن لمدة ثمانية أشهر دون توفق أو توقع بتوقف القتال، مما أسفر عن مقتل الآلاف من الأشخاص وخلق أكبر أزمة نزوح بشري في العالم، كما وصفت الأمم المتحدة.

ونظرًا لأهمية السودان كثالث أكبر دولة أفريقية على البحر الأحمر، الممر الاستراتيجي، واشتراكها في الحدود مع عدد من الدول ذات الأهمية للقوى الغربية مثل الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج وأوروبا لهذا السبب كان الاعتقاد بالعمل على احتواء الاحتدام بين الجانبين بسرعة كبيرة، نوعًا ما دبلوماسيًا، من قبل حلفاء السودان أو من اللاعبين الكبار في المنطقة أو اللاعبين الكبار على المستوى الدولي، كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي”، يتذكر عيسى.

إلى جانب محاصرة المدنيين وتدمير البنية التحتية في بلد يعاني بالفعل من ارتفاع معدلات الفقر، اتهم المراقبون الدوليون كلا الجانبين بارتكاب جرائم حرب. كما تظهر أدلة على أن قوات الدعم السريع وحلفاءها قد ذبحوا أفرادًا من مجموعة عرقية أفريقية في غرب دارفور، مما قد يكرر الإبادة الجماعية التي وقعت هناك قبل عقدين من الزمن.

بالنسبة للسودانيين، فإن الصراع بين الفصيلين العسكريين أحدث تحولًا محبطًا للأحداث في بلد بدا قبل بضع سنوات فقط في طريقه للتخلص من عقودٍ من الديكتاتورية. خاصة أنه في عام 2019، أطاحت قوات الأمن بالرئيس عمر البشير، الذي عُرِفَ بممارساته الاستبدادية، بعد أشهر من الاحتجاجات في الشوارع، لكن تلك القوات نفسها قامت بانقلاب في عام 2021 أنهى الانتقال إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية، وكثّف القضايا الخلافية التي أشعلت فتيل الحرب بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية في أبريل من عام 2023.

خسائر هائلة غير مسبوقة:

نتج عن الهجمات المتبادلة بين الجانبين، الدعم السريع والقوات المسلحة، فرار حوالي سبعة ملايين شخص من منازلهم جراء القتال الذي بدأ في أبريل، وفقًا للأمم المتحدة، كما يُقدر أن 12,190 شخصًا قد قتلوا. وحتى هذا العدد أقل من المتوقع بالنظر إلى أن العديد من المناطق التي يدور فيها القتال لا يمكن للمراقبين المستقلين الوصول إليها. جدير بالذكر أنه في وقت سابق من شهر ديسمبر، حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن المناطق التي دمّرتها الحرب قد تواجه “مجاعة كارثية” بحلول مايو المقبل ما لم تصل المزيد من المساعدات الغذائية إليها.

رغم تعرّض السودان من قبل لحروب أهلية منذ الاستقلال في عام 1956، أدت إلى انقسام نصفه الجنوبي لتشكيل جنوب السودان. إلا أن هذه الحرب فريدة من نوعها من حيث أن واحدة من ساحات القتال الرئيسية هي الخرطوم، عاصمة وقلب الدولة التي تضم ما يُقَدّر بنحو 9.4 مليون شخص. والتي خلّفت خلال أشهر من القتال الكثير من الجثث المتناثرة في شوارعها، ودمرت أحياء مكتظة بالسكان، وألحقت أضرارًا بجسر حيوي فوق نهر النيل، ودمرت الأفق، بما في ذلك مقر شركة نفط بارز ووزارة العدل. كما ذهب العديد من النازحين من الخرطوم إلى “ود مدني”، ثاني أكبر مدن السودان، وهم الآن يفرون مرة أخرى بعد أن اقتحمتها قوات الدعم السريع قبل بضعة أيام. كما استؤنفت الاشتباكات في الفاشر، آخر مدينة رئيسية في دارفور لا تزال تحت سيطرة الجيش.

التعاطي الدوليّ حيال الأزمة السودانية في ظل الصراع في غزة والغزو الروسي لأوكرانيا:

بعد ستة أشهر من بدء القتال في السودان، خاضت إسرائيل وحماس حربًا في قطاع غزة. وقيل إن هذا الحدث تسبب في انخفاض “بين عشية وضحاها” في الاستجابة للصراع في السودان من الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية. ويقرّ كل من الشتات والجماعات الإنسانية الدولية بأن احتياجات السودان ومتطلبات الأزمة تجد منافسة كبيرة مع الأزمات المندلعة في كل من غزة وأوكرانيا، حيث سيدخل الغزو الروسي قريبًا عامه الثالث. في هذا السياق تقول الأمم المتحدة إنها لم تتلق من المانحين سوى 39 في المئة فقط من 2.6 مليار دولار تحتاجها للاستجابة لأزمة السودان، ويأتي نحو نصف هذه الأموال من الولايات المتحدة. ومن بين الدول الغربية، يُنظر إلى واشنطن على أنها تستطيع أخذ زمام المبادرة للتوسط بين الأطراف المتحاربة، على الرغم من أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.

في أغسطس، قال وزير الشؤون الأفريقية البريطاني، أندرو ميتشل، إن الأدلة تشير إلى ارتكاب “فظائع خطيرة” ضد المدنيين في البلاد، خاصة في دارفور، وفي ديسمبر، قال وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، إن كلا الطرفين المتحاربين ارتكبا “جرائم حرب”، في حين أن قوات الدعم السريع وحلفاءها “ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي”.

كما فرضت واشنطن عقوبات على قادة قوات الدعم السريع ومسؤولي البشير السابقين لدورهم في الصراع، وناقشت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس مؤخرًا تداعيات الحرب مع رئيس الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد آل نهيان. كما أفادت وسائل الإعلام  أن الإمارات قامت بإرسال أسلحة لدعم قوات الدعم السريع، كما أنها تُقَدِّم المساعدات الطبية للمصابين من مقاتلي الدعم السريع من خلال قاعدة جوية في تشاد، بالقرب من الحدود مع السودان.

من جهة أخرى يجري البيت الأبيض مفاوضات مطوّلة مع الكونغرس من أجل الموافقة على إرسال المساعدات العسكرية لكل من إسرائيل وأوكرانيا، في المقابل وعلى الرغم من تفكك السودان خلال الأشهر الثمانية الماضية، لم يُعين جو بايدن مبعوثًا خاصًا إلى البلاد، كما فعل أسلافه. في هذا السياق يقول كاميرون هدسون، الذي شَغِلّ منصب كبير موظفي العديد من المبعوثين السابقين، إن هذا المنصب وتعيينه في مثل هذا التوقيت الحرج يُمكِن أن يؤكد على الاستجابة الفعّالة من قِبَل الإدارة الأمريكية للأزمة، فضلًا عن تعبئة حلفاء الولايات المتحدة وملء الفراغ الذي نشأ عندما تم إخلاء السفارة الأمريكية في الخرطوم بعد بدء القتال. كما قال إن بلينكن أضاع فرصة البيان الصحفي الذي ألقاه وحوّله إلى خطاب شخصي، بدلًا من تسليط الضوء على ما يُرتَكب في الخرطوم من فظائع وانتهاكات. وقارن هدسون ذلك بظهور وزير الخارجية السابق كولن باول عام 2004 أمام لجنة في مجلس الشيوخ الأمريكي للإعلان عن “ارتكاب إبادة جماعية في دارفور” وهو أمر حاسم لتسليط الضوء على حدّة هذا الصراع.

استكمل هدسون: “بالنسبة لشخص كان يراقب هذه القضية منذ 20 عامًا، فإن كل خطوة على الطريق تبدو وكأنها نوع من تخفيف الأزمة”. “أنا أرفض فكرة أن تسيطر غزة أو أوكرانيا على تحركات هذه الإدارة لأن الإدارات السابقة كانت قادرة على التعامل مع العديد من التحولات الجيوسياسية الرئيسية في آن واحد وحتى برغم الحروب التي شاركت فيها أمريكا كان لديها ما يكفي للاهتمام خارج هذه الحلقة من الحروب والصراعات. لذلك، لا أفهم على الإطلاق سبب اختلاف التعاطي الآن مع الأزمة، مقارنة مع ما كان يحدث قبل 15 أو 20 عامًا.

بالعودة إلى الداخل الأمريكي والاستجابة تجاه الوضع في السودان؛ قبل أيام قليلة، اقترح كبار المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين في لجنتيّ مجلس النواب ومجلس الشيوخ التي تتعامل مع الشؤون الخارجية قرارات تدعو إدارة بايدن إلى تعيين مبعوث خاص إلى السودان، وفرض عقوبات على الأطراف المتحاربة والتحقيق فيما يرتكب من جرائم. “على الرغم من التركيز العالمي على الأزمات في أوروبا والشرق الأوسط، يجب عدم التغاضي عن الوضع المزري في السودان، الذي يتميز بالمعاناة الشديدة والدمار الواسع النطاق والجرائم المروعة”، قال جيم ريش، كبير الجمهوريين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. وفي شهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب في وقت سابق من ديسمبر، قالت مولي في، كبيرة الدبلوماسيين في وزارة الخارجية لشؤون أفريقيا، إن تعيين مبعوث خاص “قيد الدراسة النشطة والجادة من قبل الإدارة”، لكنها لم تذكر متى قد يحدث ذلك.

في الأخير يقول أحد السودانيين المحاصرين في البلاد حول انحسار الاهتمام الدولي بغزة ومن قبلها أوكرانيا، متذكرًا محادثة مع نازحة فرتّ من الخرطوم. «كان ابنها يقول لها، لماذا يركز الجميع على أوكرانيا أو أزمات أخرى مشتعلة دوننا؟ لماذا ينسون أمرنا؟ ولا أحد يريد مساعدتنا، على الرغم من أننا نتعرض أيضًا للقصف. نحن بالفعل فقدنا كل ما نملك، فكل ما لدينا ضاع. وعلى الجميع دون أي مبالغة أن يبدأ من الصفر. «

الرابط الأصلي للمقال:

https://www.theguardian.com/world/2023/dec/24/sudan-war-aid-khartoum-darfur

نِهاد محمود

باحثة دكتوراه بجامعة القاهرة، مهتمة بالشأن الأفريقية. نُشِر لها عدد من الأوراق العلمية ذات الصلة بالشأن الأفريقي داخل وخارج جمهورية مِصر العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى