Uncategorized

قراءة في دلالات تزايد مكانة موريتانيا في المدرك الإستراتيجي الأمريكي

مقدمة:

في سياق أشبه بالحرب العالمية الباردة تتصارع القوى العظمى على القارة الافريقية بشكل عام. حيث تنظر روسيا ومنافسها حلف شمال الأطلسي الى منطقة غرب أفريقيا فضاءاً جيوسياسياً رئيسياً، ينبغي الحضور في تفاعلاته من أجل المحافظة على المصالح والنفوذ. وبالتاكيد هذا التدافع الدولي الجديد نحو القارة الأفريقية يكتسب زخما يومياً لذلك تعين على كل الاطراف الدولية أن تتعامل مع الحقائق الجيوبولوتيكية الجديدة والتحديات العملية القائمة على مستوى القارة، من خلال الترويج للمشاعر التنافسية القوية ضد بعضها، وتقديم المساعدات لشعوب القارة الافريقية، والعزف على اوتار المشتركات القيمية التاريخية، والإستثمار في القطاعات الاقتصادية الطاقوية ومضاعفت التعاون الامني الاستخباراتي والعسكري والسياسي.

ويلاحظ مؤخراً أن الإهتمام الغربي باقليم الساحل الافريقي بدا يتزايد مع موجة التغيرات الديناميكية الجارية على مستوى المنطقة. وبلاشك حتم القرب الجغرافي بين القارة الاوروبية وافريقيا على حلف الناتو التعامل الاستباقي مع التاثيرات المترتبة على التفاعلات الحاصلة في غرب أفريقيا، ويعتبر نشاط التنظيمات الارهابية ومجموعات الجريمة المنظمة والتغيرات السياسية من أهم شواغل القوى الغربية وتحالف قوى الناتو بجانب السعى لمزاحمة التواجد الروسي والصيني في المنطقة.

إن التنافس الدولي على الساحل الافريقي ادى بالضرورة الى تعاظم أهمية مورتيانيا في المدرك الاستراتيجي الغربي الامريكي (الناتو) بإعتبارها تحتل موقعاً جيوسياسية مهماً في المنطقة. وبالتالي ستتناول هذه الورقة الاهمية الجيوسياسية لمورتيانيا في المنظور الغربي والبحث في الدوافع التي حملت حلف الناتو الى التعامل مع مراكش كحليف من خارج المنظومة. حيث ادت الدعوة الاخيرة الموجهة إلى موريتانيا لحضور قمة مدريد كشريك خارجي في يونيو 2022 إثارت التكهنات حول إمكانية إنشاء قاعدة لحلف شمال الأطلسي على ساحلها الأطلسي ذي الأهمية الاستراتيجية.

خطة حلف الناتو لتحويط النفوذ الروسي في منطقة الساحل:

إن حرب روسيا على أوكرانيا جعلت الولايات المتحدة أكثر إصرارا على طرد أدوات موسكو التقليدية المتمثلة في مجموعة فاغنر من أفريقيا. لذلك وضعتها ضمن قائمة المنظمات الاجرامية، بعد سلسلة من العقوبات التي فرضتها عليها وعلى قادتها. وبالنظر إلى التطورات الجارية في دول الساحل الافريقي التي أظهرت التقدم الروسي على مستوى دول العمق الساحلي (مالي والنيجر) في منقطة غرب أفريقيا، حمل حلف الناتو الى التركيز على دول الحواف الساحلي المتمثلة في موريتانيا وتشاد وغرب السودان.

وتقف استراتيجية حلف الناتو وامريكا لتحويط النفوذ الروسي في منطقة الساحل على الركائز التالية:

  1. التحلي بالواقعية في التعاون مع انظمة الامر الواقع في دول الساحل الافريقي: (مالي، النيجر، تشاد، بوركينافاسو..).
  2. توسيع التعاون العسكري مع دول الساحل الافريقي: حيث زادت الولايات المتحدة الامريكية ودول اعضاء حلف الناتو مؤخراً من تواجدها العسكري في مختلف الدول من خلال إقامة قواعد عسكرية مختلفة وتوقيع إتفاقيات التعاون التدريبي العسكري، وتقديم المساعدات العسكرية لدول المنقطة[1].

المصدر:

/

  • مراقبة التحولات السياسية في دول المنقطة: تراقب الولايات المتحدة الامريكية الاوضاع السياسية التي تعايشها إقليم الساحل  الافريقي عن كثب، وتسعى الى الحد من إنتشار الانظمة العسكرية الدكتاتورية والتي غالباً ما تخدم مصالح القوى الشرقية وروسيا، لذلك تحاول واشنطن تشكيل المشهد السياسي في دول المنقطة عبر دعم الكيانات المدنية السياسية، على سبيل المثال تقدم الدعم العيني الى سيسكة ماسرا في تشاد، وعثمان سنكو في السنغال ولبعض القوى الدينية الصوفية في مالي[2].
  • تقديم حزم المساعدات التنموية  والانسانية: أعلن وزير الخارجية أنتوني بلينكن مؤخراً أن الولايات المتحدة، من خلال مكتب المساعدة الإنسانية التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، تقديم ما يقرب من 114 مليون دولار أمريكي من المساعدات الإنسانية للسكان في دول غرب ووسط أفريقيا، و36 مليون دولار من خلال مكتب السكان واللاجئين والهجرة التابع لوزارة الخارجية لدعم اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين داخليًا المتضررين من النزاعات التي تعاني منها دول المنطقة[3].
  • تنفيذ خطة مكافحة الارهاب: تزايد أنشطة التنظيمات الارهابية في منطقة الساحل الافريقي بصورة ملحوظة ماحمل الولايات المتحدة الامريكية الى التعامل مع هذه المعطيات بصورة مباشر عبر التواجد الفعلي والتنسيق مع المكونات المحلية, فضلاً عن إقامة التمارين المشتركة مع القوات العسكرية في دول الاقليم. مؤخراً أقامت أمريكا تمرين “أسد أفريقيا” في المغرب بمشاركة العديد دول المنقطة.[4]

وهنا قائمة الحركات المسلحة في منطقة الساحل الافريقي:

أ‌.       الحركات الاسلامية المسلحة:

مإسم التنظيمالتأسيسالزعيمنطاق النشاط
1بوكو حرام2002باكورا مودوتنشط في أغلب دول الساحل وتتخذ من شمال نيجيريا مركز أساسي
2تنظيم أنصار الدين2011 إياد أغ غاليتنشط في أجزاء من الاراضي المالية، أغلب عناصره تنمي الى إثنية الطوارق
3جماعة نصرة الاسلام والمسلمين2017 إئتلاف لمجموعات جهادية يتكون من أنصار الدين وجبهة تحرير ماسينا تنظيم المرابطون وجناح الصحراء التابع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي
4تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي  2007أبو عبيدة يوسف العنّابيتغير إسم التنظيم الى الحركة السلفية للدعوة والقتال، ينشط في الجزائر ومالي وبوركينافاسو
5حركة الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا2011 تنشط في غرب الجزائر ومالي.
6الحركة الاسلامية النيجيريةقبل 4 عقودأبوبكر الزكزاكيحركة شيعية مسلحة تنشط في شمال نيجيريا مدينة زاريا
7تنظيم الدولة الاسلامية في الصحراء الكبرى2015  مالي والنيجر وبوركينا فاسو

المصدر: https://africacenter.org/wp-content/uploads/2020/11/ASB-38-EN.pdf

  • الجماعات المسلحة المطلبية:
مإسم التنظيمالتاسيسالزعيمنطاق النشاط
1الحركة العربية لتحرير أزواد في مالي2012بلال أغ الشريفشمال مالي
2الحركة الوطنية لتحرير أزواد2010 مالي
3المجلس الأعلى لوحدة أزواد2013 مالي
4مجموعات الحماية الذاتية1986 نيجيريا، النيجر، بوركينافاسو
5الحركات المسلحة التشادية  جنوب ليبيا وشمال تشاد

المصدر: https://africacenter.org/wp-content/uploads/2020/11/ASB-38-EN.pdf

موقع موريتانيا في المدرك الامني الناتوي:

وتدرك وشنطن إن الأزمة الفرنسية في منطقة الساحل هي المفتاح الاساسي لعمية إندماج روسيا في تفاعلات دول الساحل الافريقي. لذلك لاتريد أن تترك الولايات المتحدة المنطقة فارغة تنشط في روسيا. لذلك تحاول من خلال حلف شمال الأطلسي تجديد الاستراتيجية الأمنية الجديدة تجاه المنطقة مع اعتبار موريتانيا العمود الفقري لهذه الاستراتيجية. وترى امريكا ينبغي لأوروبا أن تركز جهودها على مكافحة التطرف والعنيف والمافيا والاتجار بالأسلحة والمخدرات والمهاجرين وصعود المنظمات الجهادية في منطقة الساحل والمغرب العربي من خلال علاقات دبلوماسية قوية مع هذه البلدان لتعزيز التعاون الامني الاستراتيجي.

إن القمة مدريد التي شاركتها موريتانيا تؤكد المكانة التي وصلت اليها في المدرك الاستراتيجي الغربي باعتبارها المعقل الوحيد للاستقرار السياسي النسبي في منطقة الساحل. كما أنها تلخص تكثيف المنافسة الجيوستراتيجية في موريتانيا، والذي غالبًا ما يتم التغاضي عنه، تدور هذه المنافسة حول احتياطيات موريتانيا من الغاز الطبيعي وإمكانات الطاقة الخضراء التي توفرها تضاريسها الصحراوية الشاسعة، ناهيك عن موقعها الاستراتيجي على ساحل المحيط الأطلسي.

على الرغم من تاريخها الحافل بالانقلابات واستمرار العبودية، كانت حملة مكافحة الإرهاب والتحول الديمقراطي في موريتانيا من بين قصص النجاح القليلة في منطقة الساحل في نظر القوى الغربية، وذلك منذ أن اختطف مقاتلو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ضابط الشرطة يدعى إيلي ولد مختار في بلدة عادل باجرو الحدودية بين موريتانيا ومالي في ديسمبر 2011، سوى ذلك لم تشهد موريتانيا أي هجمات أو عملية إرهابية.

وكان قانون مكافحة الإرهاب الصادر في يوليو/تموز 2010، والذي سمح لوحدات صحراوية متنقلة مدربة على القتال وتسمى مجموعات التدخل الخاصة بمهاجمة الإرهابيين، سبباً في إضعاف التنظيمات الارهابية على الحدود الشمالية للبلاد. وقد شجعت اتصالات الأئمة التي وافقت عليها الدولة مع المجتمعات السلفية، والتي تمجد “تقليد التسامح الإسلامي”، المتطرفين المحتملين على الاندماج في المجتمع الموريتاني. وقد أشادت الأمم المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي بجهود العالمات الإسلاميات، مثل زينبو ماطة، في إقناع زوجات وأخوات وأمهات المعتقلين السلفيين بالتخلي عن آرائهم المتطرفة.

ويعتبر محمد ولد الغزواني أول رئيس موريتاني يزور مقر الناتو في مطلع عام 2021، حيث استقبله الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ بحماس منقطع النظير، وأشاد الاخير بموريتانيا واصفا إياها بـ”الرائدة في مجموعة دول الساحل” في الحرب ضد الإرهاب، وتعهد بتعزيز التعاون الأمني على طول حدودها[5].أن توسيع التعاون الأمني بين الناتو وموريتانيا يبدو مدفوعًا برغبة الدول الأوروبية في الحد من الهجرة غير الشرعية من منطقة الساحل. تعد موريتانيا نقطة عبور معروفة للمهاجرين الأفارقة الذين يرغبون في الوصول إلى أوروبا عبر جزر الكناري.

ومن أجل مضاعفت الدور الموريتاني في مكافحة الارهاب الدولي قرر ضمها في منتدى الحوار المتوسطي (MD) والذي أنشأ لغرض المساهمة في الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط الكبير، وتعزيز العلاقات الجيدة والتفاهم بين الدول المشاركة وحلفاء الناتو. إذ تشارك فيه حاليا في دول غير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي مثل الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس. وفي نوفمبر من عام 2022، توصلت إسبانيا وموريتانيا إلى اتفاق يمكّن إسبانيا من المساعدة في صد الهجرة غير الشرعية من خلال تقديم الدعم اللوجستي لمراكش من أجل إيواء اللاجئين[6].

الخلاصة:

بالرغم من أن الاهتمام الغربي منطقة الساحل الأفريقي دوافعه كثيرة ومتعددة الا أن الثابت أن التحولات الدراماتيكية التي حصلت في المنطقة تعتبر أهم المحركات التي حملت القوى الغربية الى تكثيف الحضور من خلال تجاوز المعضلات التي تخلقت بسبب السياسة الاستعمارية الفرنسية، وإتباع سياق إستراتيجي جديد يخص حلف أهداف حلف الناتو بمعزل عن الرؤى الفرنسية التقليدية، والتواصل المباشر مع دول المنطقة.

وعليه تعتبر خطوات التنسيق مع مورتيانيا أهم تجليات حضور الناتو في منطقة الساحل الذي يسعى الى توسيع دائرة التعاون مع دول المنقطة من خلال تصدير نموذج التفاهم مع مراكش، لكن يبقى السؤال هل ستحرز سياسة الناتو الجديدة تجاه موريتانيا تقدماً في إزاحة النفوذ الروسي والصيني [i]وتراجع نشاط التنظمات المسلحة (الاسلامية والمطلبية) وإيقاف تدفق الهجرات البشرية الى دول اوروبا؟.

الهوامش:


  1. Ahmet Berat ÇONKAR, (Development And Security Challenges In The Sahel Region), December 2020, nato parliamentary assembly, p, 6.
  • USAID, (The United States Provides nearly $150 Million in Additional Humanitarian Assistance for People in West and Central Africa and the Sahel Region), https://l24.im/m5SLAeG,

4.  “بداية تمرين الأسد الإفريقي 2023″، U.S. Embassy in Tunisia، https://l24.im/jUsiXP تاريخ الحصول (28.10.2023).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى