الأمنالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقتقدير المواقفشرق أفريقيا

قراءة جيوبوليتكية في الاهتمام الروسي بالساحل الإرتري

تمهيد :

لا يمكن فهم تعقيدات السجال الروسي الغربي في عموم إفريقيا بمعزل عن فهم القواسم المشتركة بينهم ، وثوابت الإستراتيجية الاستعمارية لكليهما ، وما يختلفون فيه وما يتفقون ، وما يتقاسمونه من وراء الكواليس ، وما يشتركون فيه وما ينفردون ؛ تماما مثل وحوش الغابة التنافس والصراع مستمر أحيانا حتى داخل المعسكر الواحد ، فأنظر في العقود القريبة الماضية وإلى اليوم الصراع في مناجم الذهب والماس واليورانيوم والمعادن الصناعية الثمينة في بلدان متفرقة من إفريقيا ، كذا والتمركز في المواقع الإستراتيجية المتناظرة لضمان مراقبة تحركات كل منهم للآخر ،  ومن هنا يسعى كل منهم أن يكون  له حضور في البحر الأحمر قلب العالم وملتقى القارات .

أهمية المنطقة بالنسبة إلى روسيا

وهكذا تسعى روسيا للبقاء والديمومة  في البحر الأحمر من بربرة في الصومال وعدن في القرن الماضي وعهد الإتحاد السوفيتي إلى بور سودان و مصوع في عهد روسيا الحالي ، وجودٌ حافزهُ الطموح الروسي للبقاء في مرتبة الدول العظمى مهما حاول الغرب للإطاحة بها وتجاوزها في سوح الهزيمة ومكان العاجز ؛ جاء في بحث نشرته الجزيرة : ( المحيط الهندي الذي تزداد أهميته الإستراتيجية  ،وقد صنفته العقيدة البحرية الروسية عام 2015 بأنه منطقة تتمتع بالأولوية ، بجانب تشكيلها منصة لجمع المعلومات الإستخباراتية لمراقبة أنشطة القوى المنافسة لموسكو في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية ) [1]،  ولروسيا مصالح محققة في المنطقة تفرض وجودها وحمايتها كما لا يخفى طموحها في زيادة وتوسيع أنشطتها المتعددة ، ولذلك نجد ما صدّ باب أمامها إلا وسعت لفتح آخر، لأن البحر الأحمر يشكل ممرا ضروريا لتبادلها مع عدد الدول المهمة بالنسبة إليها كما في التقرير الأمريكي التالي : ( ووفقا لبيانات أوردتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ، فإن صادرات النفط من روسيا شكلت 74% من حركة النفط المتجهة جنوبا عبر قناة السويس في النصف الأول من عام 2023 ارتفاعا من 30% في عام 2021 ، وتتجه معظم هذه الشحنات الى الهند والصين عبر باب المندب . بالمقابل ، زادت منطقة الشرق الأوسط – ولاسيما السعودية والإمارات – وارداتها من المنتجات النفطية المكررة من روسيا في عام 2022 والنصف الأول من عام 2023 من اجل توليد الطاقة الكهربائية أو تخزينها أو إعادة تصديرها )[2] .

كذا نجد الوجود الروسي في إفريقيا عامة يأخذ أشكال مختلفة ، سياسي مثل المؤتمر الروسي الإفريقي ، واقتصادي مثل سفن القمح المجاني ، ولوجستي وأمني مثل نشاط فاغنر في  عدد من الدول الإفريقية ، وتجاري مثل سوق الأسلحة الروسية المفتوح ، فقط الوجود العسكري هو ما تجد فيه روسيا صعوبة لأسباب مختلفة في اعتقادي أهمها ما يتعلق بقدرات روسيا نفسها حيث الوجود العسكري في قواعد مستقرة ذوا تكاليف كبيرة جدا وبلا مردود مباشر ؛ فضلا عن تهرّب الدول المستضيفة عن التبعات السياسية والأمنية والعسكرية الخطيرة له ، وكان بين روسيا والسودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير اتفاقا لاستضافة السودان مركزا  لوجستيا منذ نهاية 2017 شرعت روسيا في بنائه في نهاية 2020 م في بور سودان بعد توقيع الاتفاق مع الجانب السوداني ، إلا أن السودان مر بعد ذلك بتقلبات مصيرية خطيرة ومازالت تتفاقم أزماته وصراعاته مما يدلل على تجميد الاتفاق إن لم يكن قد أُلغيَ ، ويُرجِعُ بعض المراقبين أسباب أزمات السودان إلى ذلك الاتفاق ومن ذلك ما نشر في الجزيرة :  ( الخطوة الروسية لم تغب عن صانع القرار في واشنطن ، حيث كان لهذه القاعدة ان ترسخ الوجود الروسي في السودان بشقيه الاقتصادي والعسكري والذي يمثل مدخلا أخر لموسكو الى القارة السمراء كذلك فإنه سيدعم السردية الروسية حول كونها شريكا امنيا موثوقا بالنظر الى تجاربها في منطقة الساحل وهكذا ، وضعت القيادة العسكرية للجيش الأمريكي في إفريقيا ” أفريكون ” الحيلولة دون إكمال مشروع القاعدة الروسية في السودان ضمن أهم 4 أولويات على أجندتها وفق تصريح لقائدها عام 2021 ، دخل مشروع القاعدة في متاهة من التصريحات التي أحاطت مستقبله بكثير من الغموض نتيجة لتكثيف واشنطن جهودها لتقويضه )[3] ؛ ولأميركا وأوروبا حضور دائم في المنطقة تجسده قواعد وأساطيل مستقرة ، واتفاقيات مع عدد من الدول ، وهو أمر معلوم ، يهدف إلى منع روسيا وباقي الخصوم من العسكرة والتمركز في المنطقة .

العلاقات الإرترية الروسية :

انطلاقا من سردنا أعلاه وبناءً عليه  يمكن مناقشة العلاقات الإرترية الروسية ؛ حيث كلاهما يبحث عن متكأ يستريح عليه ، وإن لم تلتقي الأهداف والأفكار والمآرب الإستراتيجية ، التقت المصالح والأهداف المرحلية ، وليس ذلك غائب عن أي منهما أو منسي ، يعرف كل منهما الأخر وما يريد وإلى أي مستوى يمكن أن يساير الآخر ، فالعلاقة بينهما ليس وليدة حدث السفينة وما سمي مناورات مشتركة حيث هناك مواقف سياسية للنظام الإرتري توصف بالإيجابية تجاه روسيا  فقد : ( اتخذت ارتريا مواقف داعمة لروسيا في مجموعة من القضايا ، وذلك على الرغم من غياب أي روابط أمنية أو اقتصادية كبيرة تجمعها بموسكو ؛ ففي عام 2014 ، كانت ارتريا الدولة الأولى التي ترسل وزير خارجيتها الى جزيرة القرم بعدما ضمتها روسيا إليها )[4]  ، ثم أكدت إرتريا انحيازها إلى جانب روسيا في موقف تهيّبته دول كثيرة تمثل روسيا شريكا مهما لها فقد صوتت ضد قرار إدانة روسيا في الأمم المتحدة  : (في إبريل 2022م زار وزير الخارجية الإرتري عثمان صالح موسكو ؛ وفي مارس 2022 م ، كانت  ارتريا واحدة من الدول التي صوتت في الأمم المتحدة ضد قرار يدين روسيا فيما يتعلق بالوضع في أوكرانيا )[5] ، ومع أنه كانت بينهما لقاءات متواصلة وإعلان من الجانبين عن التعاون في مجالات مختلفة ، إلا أنه يمكن اعتبار لقاء الرئيسين النقطة الفارقة في العلاقة بينهما حيث :  (في مايو 2023 التقى الرئيس الروسي فلادمير بوتين بالرئيس الارتري أسياس أفورقي الذي كان في روسيا في زيارة رسمية … وكان هذا أول لقاء بين الزعيمين ؛ وشارك أفورقي في القمة الروسية الإفريقية التي عقدت في يوليو 2023 كما التقى مع بوتين على هامش القمة )[6] ، إذا كان ما ذكر يمكن فهمه وتصنيفه في الجانب السياسي فقد كان في تلك اللقاءات يُصرح الجانبان عن التعاون في مجالات متعددة .

مجالات التعاون بين البلدين

انتشرت المنتجات الروسية منذ الستينيات في القرن الماضي خاصة الأسلحة والمنتجات العسكرية البسيطة في المنطقة عامة وفي إرتريا خاصة حيث كانت الثورة مدعومة من دول ذات علاقة بالإتحاد السوفيتي مثل سوريا والعراق على سبيل المثال ، وبعد سيطرة نظام منقستو على إثيوبيا والذي كان مدعوما من قبل السوفيت هيمنت المنتجات الروسية العسكرية بأشكالها المختلفة علي إرتريا ،  وقد سقطت آليات كبيرة في أيد الثورة مع سقوط كل مدينة أو معسكر للجيش ، وأخيرا  ترك الجيش الإثيوبي عند جلائه من إرتريا وهروبه إلى السودان ، كل العتاد ولم يحمل إلا الأسلحة الفردية وورثت إرتريا عددا كبيرا جدا من مختلف الآليات والأسلحة الروسية ، ومن هنا يمكن قياس التعاون عموما حيث هنا المنتجات الروسية معلومة الخصائص والمميزات : ( أعلن رئيس الجهاز الفيدرالي الروسي للتعاون العسكري التقني ديمتري شوجايف لوكالة ” سبوتنيك “على هامش قمة ” روسيا – إفريقيا ” ، إن ” الجانب الإرتري مهتم في الوقت الحاضر بشراء مجموعة واسعة من المنتجات العسكرية روسية الصنع “. يذكر أن مجلس الأمن الدولي كان قد رفع العقوبات عن إرتريا في يوليو 2019 م )[7]  ، ويؤكد هذه الفرضية استيراد النظام الإرتري إبان حربه مع أثيوبيا نهاية القرن الماضي بالتهريب أو المباشر  أنواع الأسلحة المختلفة من دول أوروبا الشرقية وخاصة أوكرانيا ، حيث نفس المنتجات الروسية ، فالتعاون إذن وخاصة العسكري  مبني على أرضية ثابتة موروثة ومتراكمة وليس المجاملات السياسية والمسايرات اللحظية ، ولا شك في أن التعامل في الجانب العسكري كان أساسا لبناء علاقات أخرى وتعامل أوسع .

المجال الاقتصادي

طبيعي أن يكون الاقتصاد أحد مجالات التعاون والتبادل ويعتمد النظام الإرتري على قطاع التعدين وخاصة الذهب والنحاس والزنك وغيرها ، وكانت شركات روسية تعمل في مناجم النحاس  في منطقة كالولي في إقليم دنكاليات منذ فترة نقلت جريدة الشرق الأوسط : ( والتقى لافروف الرئيس الإرتري أسياس أفورقي في اجتماع مغلق ركز حسب ما أعلن وزير الإعلام الإرتري على ديناميات الحرب في أوكرانيا وتعزيز العلاقات الثنائية في قطاعات الطاقة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والصحة )[8] ، وعلى العموم يمكن أن يحمل التقرير التالي شئ من التبادل بين البلدين حيث : ( بلغ إجمالي التجارة بين روسيا وارتريا في عام 2022م نحو 13.521مليون دولار ” الصادرات: 12.745مليون دولار ، منها 11.5 مليون دولار من القمح “27500 طنا ” ، والواردات : 776000دولار) ، وبلغ إجمالي التجارة الثنائية في عام 2021 م نحو 9.314 ملايين دولار ، بلغت صادرت القمح 8. 125 ملايين دولار ، ومنتجات النفط 0.175 مليون دولار ، والكبريتات 0.888 مليون دولار ، وبلغت الواردات والملابس الجاهزة 0.126 مليون دولار ؛ ووفقا للمعلومات ، أعربت ارتريا عن اهتمامها بتطوير العلاقات مع شركات الشاحنات الروسية اورال وكاماز حيث أثبتت منتجاتهما جدواها في ظروف المناخ الإرتري . )[9]  ، ومع أن ما ذكر كان في ضروريات عادية إلا أنّ مما قد يغيب على من لم يكن على صلة مباشرة بإرتريا أن يقيس الأمور قياسا عاديا ، ويتوهم بوجود مؤسسات ودولة متكاملة ، وبالتالي يظن أن التبادل مع الدول يتم بصورة روتينية وفق القواعد المتعارف عليها دوليا ؛ قد يكون شئ من ذلك ولكن ما يجب تأكيده  أن ليس في إرتريا مؤسسات سوى مجلس وزراء صوري ، ويتلخص ويتقلص كل نشاط الحكومة فيما يسمى مكتب الرئيس في حال أفضل منه بكثير مرحلة الثورة وأنظمتها الإدارية ؛ الوضع في إرتريا أشبه بثكنة عسكرية ما أن تخرج من حرب إلا وتستعد لحرب أخرى والآن وعند كتابة هذه الأسطر تتحدث الأخبار الشعبية عن مناوشات بين الجيش الإثيوبي والإرتري في منطقة الحدود والوضع ينذر بنشوب حرب مدمرة بين البلدين ، ويعيش الشعب مكرها تحت إرهاب سلطوي يقوض كل أنواع الحريات بل ويقوض كل نشاط إنتاجي أو اقتصادي ، نظام تعشش فيه أمراض الدول المهترئة التي ينخر فيها الفساد ويرتع فيها سوس المحسوبيات والتمايز والعنصرية والتسيب والترهل في كل المكاتب الإدارية ، وهذه الأحوال وما ولدته من سياسات عشوائية في القتل والسجن والنهب دفع معظم السكان للهروب مع ما يحمله اللجوء من مخاطر ومصائب ، فقد هلك الآلاف في الصحاري والبحار وتجار البشر ومع ذلك حبل الهجرة على الغارب .

المجالات اللوجستية

يُعرف عن النظام الإرتري أنه يتاجر بموقع الشاطئ المميز ويعرضه على كل من يراه ويظنه  يدفع الأكثر ، ولذلك يغري المتنافسون ويساوم في سوق العرض العالمي العريض ، قد يكون هذا منطقيا في نظام طبيعته طبيعة أنظمة المافيا الدولية التي تمتهن البلطجة والعمل الارتجالي المتخبط  ولا يحكمها قانون ولا تنضبط على أي مسار أخلاقي أو عهود ومواثيق والتزاماتها الأدبية والأخلاقية والقانونية ؛ فربما لمعرفتهم هذه الحقائق تردد الروس في قبول عرض النظام الإرتري عليهم ميناء عصب في وقت مبكر فقد :  (تجاهل الرئيس الروسي فلادمير بوتين عرض أفورقي استخدام ميناء عصب كقاعدة عقب مغادرة القوات الإماراتية في ابريل 2021 ، مفضلا بدلا من ذلك مواصلة جهوده لإقامة قاعدة في بور تسودان في يونيو من العام نفسه )[10] ، لكن يبد أن الروس لم يلغوا خيار مصوع منذ البداية مع عدم اعتباره خيارا مفضلا ، ولم يجدوا الآن بُداً من قبول العرض لأسباب معلومة : ( وأعلن لافروف في مؤتمر صحفي عقب محادثاته مع نظيره الإرتري عثمان صالح ، أن ” من بين الخطة الواعدة التي ستتم دراستها بالتفصيل ، أذكر إمكانية استخدام الإمكانات اللوجستية لميناء مصوع ، وكذلك لمطار هذه المدينة الذي يثير الاهتمام بإمكانياته في مجال الترانزيت ؛ الجانب الإرتري مهتم بهذا الموضوع ونحن مستعدون للمساعدة “.)[11].

وهكذا انتقل الطرفان الآن  إلى مرحلة أو خطوة عملية تعتبر نقلة نوعية من مرحلة التصريحات والوعود إلى تجسيد عملي قد يكون أساسا لما بعده من التعاون في هذا المجال فقد : ( أعلن سفير روسيا لدى إرتريا إيجور موزجو ، أن روسيا أرسلت سفينة عسكرية للمشاركة في مناورات مشتركة مع ارتريا … وذكر موزجو ان الفرقاطة من طراز “اودالوي” “المارشال شابوشنيكوف” وصلت الى ميناء مصوع في ارتريا ومن المقرر ان تبقى حتى الخامس من  ابريل المقبل .. وسيشارك البحارة الروس في سلسلة الفعاليات المشتركة مع البحرية الارترية … وفي 14 مارس ، اختتمت البحرية الروسية مناورات مشتركة مع نظيرتها الصينية والإيرانية في خليج عمان كما شارك في تلك التدريبات ” المارشال بوشنيكوف ” )[12]  ، و مازال العرض الإرتري لموانئه على روسيا يتجدد حتى وصل اليوم إلى قبول روسيا له ، ولا أحد يدري كيف سيكون تجاوب روسيا وقبولها عمليا ومدى نشاطها وانتقالها إلى قواعد فعلا تجسد طموحها :  (يحمل الخيار الارتري بعضا من الأمل للكرملين ، إذ سبق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان أعلن عام 2018 عن خطط لبناء مركز لوجستي عسكري في ارتريا ، وهو ما أعيد إحياءه مرة أخرى عام 2021 بتصريحات سفير اسمرا في موسكو بيتروس تسغاي التي أعلن فيها ان بلاده لا تعارض استضافة هذا المركز على أراضيها تلا ذلك في 1 \ 2023 ،  توقيع اتفاق توأم بين مدينة مصوع الارترية وسيفاستبول التي تضم مقر أسطول البحر الأسود الروسي في القرم ، قبل ان تزور الفرقاطة الروسية “شابوشنيكوف” الميناء الارتري ربيع 2024 لإجراء مناورات مع البحرية الارترية )[13]  ، وقد نقل موقع ثوابت إرترية في الفيسبوك خبر وصول  الفرقاطة الروسية إلى مصوع واستقبال الرئيس أسياسي أفورقي لها كما يلي  : ( في خطوة تتجاوز البروتوكولات المتعارف عليها دوليا يهرول رئيس دولة ويصحب معه قادة الجيش لمقابلة ضابط بحرية روسي نائب قائد فرقاطة الى ميناء مصوع الميناء الرئيسي لإرتريا ، ويرافقه في تفقد الفرقاطة الروسية المارشال شابوشينكوف الراسية في ميناء مصوع ، وذكر وزير الإعلام في تغريدة له ” التقى الرئيس أسياس أفورقي وأجرى في مصوع مناقشات موسعة مع وفد برئاسة نائب الأميرال فلادمير كاساتونوف ” … هل تتوقف زيارة الفرقاطة الروسية على إرتريا أم هي لدعم ” حليف روسيا ” في دولة مجاورة بعد أن تواترت أنباء نشرتها صحف غربية بمشاركة قوات أوكرانيا لصالح طرف في الصراع واستهدفت بشكل مباشر قوات فاغنر الروسية التي تحرس مناجم الذهب الذي تسيطر عليها قوات حليفها والذي كان يُصدّر الى روسيا بكميات كبيرة أدت الى دعم العملة الروسية وجعلتها تصمد أمام العقوبات الغربية )[14]  ، وأضاف الموقع نفسه : ( وقد ذكرت مصادر اعلامية روسية قال اسطول المحيط الهادي الروسي إن عدة سفن حربية روسية عبرت مضيق باب المندب إلى البحر الأحمر ، وذلك وسط الهجمات التي يشنها الحوثيون على سفن تجارية ونقلت قناة  ” زفيزدا” التلفزيون التابع  لوزارة الدفاع الروسية عن الأسطول قوله إن الطراد” فارياج ” والفرقاطة ” مارشال شابوشنيكوف ” يشاركان في الرحلة حسبما ذكرت وكالة ” رويترز” للأنباء )[15]  ، والخبر أعلاه إذا صح ّ  أن أسطولا كاملا وصل للبحر الأحمر وقد تكون له مهام أخرى أيضا قربا للأنشطة الروسية في المنطقة وهو تصعيد  خطير ونقل لصراع المتحاربين والمتصارعين إلى منطقة منكوبة مأزومة أصلا قد يجذب إليها أطراف أخرى وتتداعى إليها الأحلاف المتشاكسة مما يزيد نكبتها ويضاعف مآسيها .

ومهما يكن من أمر فإن احتفاء النظام الإرتري بالفرقاطة الروسية له دوافعه مع أن كل أنشطته  دائما محفوفة بالسرية والكتمان ربما لأنها مشبوهة وغير طبيعية ويمكن استقراء بعض الحقائق من خلال الاستنتاج عن نتائج علاقات النظام الإرتري المماثلة وممارساته السابقة وفق مقارنة بسيطة كما يلي  :-

أولا : النظام الإرتري جزء لا يتجزأ من المعسكر الغربي الأميركي الإسرائيلي ، فهم من أوجدوه ، ويعتمد عليهم في تكليفه وتوجيهه وحمايته ودعمه وكل تصنيف له خارج هذه الدائرة في اعتقادي يجانب الثواب ، ومن ينخدع بالتصريحات المتعارضة من الجانبين الغربي والإرتري لم يتعمق في بحث الصلة والوثاق الفعلي بينهما  ، فكم عقوبات من مجلس الأمن والولايات المتحدة صدرت لكنها لم توقف الدعم ولم تغير شئ ، ولم من إدانة تبنتها منظمات حقوق الإنسان وصرحت أميركا عنها لكن نجدها تتلاشى وتُنسّى بعد حين ،  ليعلن النظام من داخل منظمة حقوق الإنسان أنه نموذج فريد للحريات والسلام في المنطقة  .

ثانيا : للنظام الإرتري حسب المتابعة أدوار يكلف بها من الغرب ، قد تكون الجاسوسية جزء منها لكن هدفها الأساسي هو سحب الخصم وجره إلى دائرة الغرب ، ويكون هدف الغرب تجاه مثل هذه الجهات الاحتواء من خلال التقرب والمسايرة ، وليس المواجهة والمنازلة والنظام الإرتري لعب هذا الدور مع الإسلاميين في السودان ، والإسلاميين في الصومال ، وكذلك جاء بإيران مع علمها بوجود أكبر قاعدة إسرائيلية في إرتريا وكان الهدف خلق الصراع السني الشيعي في اليمن وابتزاز المملكة العربية السعودية ، وقد عاشت سفينة إيرانية خمسة سنين في المياه الإرترية بالرغم من أن النظام الإرتري كان مناصرا لعاصفة الصحراء ، كما أن للنظام الإرتري دور كبير جدا في صنع علاقات خليجية إسرائيلية معلنة .

ثالثا : نعلم أن الغرب تختلف نظرته لروسيا عنها للصين ، فروسيا تعتبر جزء من الغرب يسعى لاحتوائها بعد تغيير أنظمتها العسكرية والسياسية ، وهناك طمع يهودي في ثرواتها الكبيرة التي يسعون للهيمنة عليها كما هيمنوا على ثروات الغرب ، فحرب أوكرانيا حرب اقتصادية يهودية وسياسية غربية حسب ظني ، فكم سمعنا من تصريحات غربية تدعوا روسيا للانضمام إلى حلف الأطلسي ، ولذلك تعتبر إرتريا محطة من محطات الاستدراج الغربي لروسيا  باستضافتها في قاعدة من قواعد إسرائيل والغرب المعروفة ، والثابتة حيث لا تخفى أسرار هذه العلاقة على روسيا ، وقبولها يعني جلوسها على مائدتهم ، وهو ما يُوجب مراقبة الخط البياني بعد مناورات مصوع لعلاقة روسيا وإسرائيل أو علاقتها بالغرب عامة سيطرأ تغيرا بلا شك بدرجة ما وقد تكون بداية نهاية حرب أوكرانيا .

رابعا : لا يعني هذا ولا يقصد منه بالطبع نزول روسيا عند كل مطالب الغرب أو تحولها عن خطها الإستراتيجي المستقل ، وإنما يعني المهادنة والتخفيف من التصعيد المتنامي بين الجانبين ، وتهدئة الأجواء المشحونة خاصة تحييد روسيا في قضايا الشرق الأوسط وحرب غزا ، بالإضافة إلى مراعاة المصالح في إفريقيا وشرقها بالأخص .

خامسا : بناء على المعطيات السابقة ، ومن خلال متابعة ما سبق لن يسمح لروسيا بإقامة قاعدة عسكرية مجهزة ومستقرة في مصوع ، وإذا تم ذلك فإلى حين تماما مثل ما حدث مع إيران والإمارات ، وسيظل الروس يراهنون على بور تسودان ، ولن يعتمدوا على إرتريا أبدا مهما تظاهر النظام بالعلاقة الوديّة والتحالف الوثيق ، لكن سيراعي الجانبان بقاء التعاون اللوجستي المحدود وربما تطويره لدرجات لا مانع للغرب فيها .

الخلاصة

العلاقة الإرترية الروسية تحكمها صفحتان محلية وغربية ، فالغرب له أذرع كثيرة يصافح بها الروس أو ينازعهم ، والنظام الإرتري واحد منها يملا عليه وينفذ ، ولا يملك سوى ذلك شئ من أمر كلاهما ، فاللقاءات والرسائل والمفاوضات والاتفاقيات لها دوائرها  الخاصة بين الجانبين بعيدا عنه ؛ أما التعاون الإرتري الروسي في جوانب عسكرية واقتصادية وغيرها مما يتعلق بالتبادل الطبيعي بين البلدين سيكون أمرا متاحا في كل الأحوال كذا قد يستمر نفاقه المتحيز لروسيا والمناصر لها في المحافل الدولية والتصريحات المشاكسة للغرب ما بقي النظام الإرتري على حاله دون تغيير  ، والله أعلم   .

الهوامش :

1 / الجزيرة + مواقع الكترونية 14 \ 4 \2024

2/ الجزيرة نت 3 \ 4 \ 2024م

3/ الجزيرة + مواقع الكترونية 14 \ 4 \2024

4 / منتدى فكرة  13 \ 4 \ 2022م

5/ المصدر تاس  30 \ 5 \ 2023م

6 / موقع صدى البلد 29\3\2024م

7 / القاهرة الإخبارية – وكالات – 28/7/2023م

8 /  جريدة الشرق الأوسط 27/1/2023م

9 / الميادين نت  1/6/2023م

10 / منتدى فكرة  13 \ 4 \ 2022م

11 / جريدة الشرق الأوسط 27/1/2023م

12 / موقع صدى البلد 29\3\2024م

13 / الجزيرة + مواقع الكترونية 14 \ 4 \2024م

14 / موقع ثوابت إرتريا فيسبوك 2/4/2024م

15 / موقع ثوابت إرتريا فيسبوك 5/4/2024م


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى