الأزماتالأمنالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقتقدير المواقفشرق أفريقيا

 حرب الكابلات البحرية في البحر الأحمر

مقدمة

منذ السابع من أكتوبر 2023م وبداية الحرب على قطاع غزة، تشهد منطقة البحر الأحمر توترات وتجاذبات دولية، حيث هددت جماعة الحوثي أن السفن الإسرائيلية العابرة  في البحر الأحمر ستكون هدفاً مشروعاً لها دعماً للفلسطينيين، ولكن مع بدء تشكيل تحالف دولي لحماية هذه السفن، والخوف من استهداف كابلات شبكة الإنترنت العالمية، عملت القيادة الأمريكية وحلفائها على  صد هجمات الحوثيين لتأمين الممر الملاحي، وقد أعلنت شركة الاتصالات الدولية” سيكوم” مؤخراً عن خلل في بنيتها التحتية بالبحر الأحمر وقد ذكرت أن جزءاً من نظام الكابلات الذي يمر بالبحر الأحمر توقف عن العمل، مما أثر على تدفق المعلوماتبين أفريقيا وأوروبا.

أن هناك مخاوف مستمرة من استخدام الحوثيين الكابلات البحرية أداة حرب، حيث تصبح من الخيارات قطع كابلات الإنترنت البحرية التي  تربط شرق العالم بغربه، وأن منطقة البحر الأحمر تعد من أهم المحاور وأكثرها ازدحاماً في هذه الخطوط، وتعتبر هذه الكابلات واحدة من أهم البنى التحتيةالرقمية في العالم، حيث تخدم أكثر من 95% من تدفقات البيانات والاتصالات الدولية، بما في ذلك ما يقدر بنحو 10 تريليون دولار من المعاملات المالية كل يوم، وأن الأضرار الجزئية التي لحقت بالكابلات البحرية يمكن أن تؤدي إلى منع الوصول إلى الإنترنت عبر مناطق كبيرة بالعالم، مما يتسبب في اضطرابات اقتصادية كبيرة لبلدان بأكملها.

أن التهديد الحوثي للكابلات البحرية يمكن أن يتطور من هجمات على السفن إلى هجمات تحت الماء، مما يجعل هذه الكابلات هدفاً جديداً في الصراع، ويمكن أن يعطل الاتصالات والاقتصاد العالمي بشكل كبير(1)، وفي هذا المقال سنوضح الآتي: نشأة الكابلات البحرية وأهميتها، الأطراف المستفيدة من حرب الكابلات البحرية، والآثار المحتملة لانقطاع هذه الكابلات؟.

المحور الأول: نشأة الكابلات البحرية وأهميتها

 يعود تاريخ الكوابل البحرية إلى القرن التاسع عشر، حيث بدأ  استخدامها لبربط القارات وتوفير وسيلة لنقل الاتصالات عبر المحيطات، وفي عام 1850 بدأت الشركات في وضع خطط لربط أوروبا وأمريكا الشمالية عن طريق شبكة من الكوابل البحرية، وفي عام 1858 تم وضع أول كابل بحري ناجح يربط شرق أمريكا بغرب أوروبا، وفي عام 1963 مد كابل بحري بين بريطانيا والجزيرة العربية والهند، وفي عام عام 1902 تم مد كابل أخر بين أمريكا وهاواي، وهذه الكوابل تم استخدامها لنقل رسائل التلغراف ثم الإجراء المكالمات الهاتفية، علماً بأنها كانت بدائية في تركيبها وتصميمها، إذ كانت مصنوعة من الأسلاك المعدنية التقليدية، ومع زيادة التقدم في مجالات الاتصالات تم إنشاء العشرات من هذه الكوابل والتي ربطت معظم أجزاء الكرة الأرضية ونظراً للحاجة الماسة إلى مواكبة التقدم التكنولوجي في قطاع الاتصالات تم في عام 1988، مد أول كابل مصنوع من الألياف الضوئية وذلك عبر المحيط الأطلسي، ثم تولت بعد ذلك شركات كبرى عالمية مد هذه الكوابل الحديثة في شتى أنحاء العالم، حتى تحول عالمنا إلى قرية صغيرة بفضل هذه الوسيلة الفعالة للاتصال بين الناس في شتى أنحاء المعمورة(2).

الكثير من مستخدمي الإنترنت يعتقدون أن مصدر الإنترنت الذي يستخدمونه يأتيهم عبر الأقمار الاصطناعية، لكنه في حقيقة الأمر أن هناك الكثير يعرف الإنترنت الذي نستخدمه الآن في التصفح يأتي عبر الكابلات سواء الأرضية أو تحت البحر، حيث يتم نقل الإنترنت بين الدول عبر الأسلاك الممتدة عبر البحار والمحيطات وصولاً للدول ثم تنقل عبر مزودي الإنترنت” شركات الاتصالات” عبر الأسلاك الأرضية(3).

 وتتم الغالبية العظمى من الاتصالات في العالم باستخدام الكابلات تحت الماء، فأكثر من 95% من الاتصالات الدولية(الصوت والبيانات) تنتقل عبر الكابلات تحت الماء، ويبلغ طول كابلات الاتصالات تحت الماء في قاع البحاء في جميع أنحاء العالم نحو 800 ألف كيلو متر، وهي تضمن قدرة مواطني العالم على التواصل بصور مختلفة، تتكون هذه الكابلات في الغالب من ألياف بصرية، وهي التي تنقل المعلومات بمعدل يساوي حوالي 150 مليون مكالمة هاتفية عبر الإنترنت في وقت واحد، وتمر شرايين الاتصال الرئيسية عبر قاع المحيط العندي ومياه بحر العرب من الهند، على طول سواحل شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأحمر وقناة السويس في طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط وشواطئ أوروبا(4).

 المحور الثاني: الأطراف المستفيدة من حرب الكابلات البحرية في البحر الأحمر

 تشير حرب الكابلات البحرية إلى نزاعات وتوترات في المنطقة الاستراتيجية للبحر الأحمر والتي تشمل عدداً من الدول المحيطة به، ويعتبر البحر الأحمر ممراً بحرياً حيوياً للتجارة العالمية التي تربط الدول وتسهم في نقل البيانات والاتصالات، ولكن عندما نذكر من المستفيد من حرب الكوابل البحرية فهذا سؤال  بالغ التعقيد لأنه يعتمد ع عدة جوانب مختلفة ومصالح متضاربة للأطراف المعنية ويمكن النظر في ذلك الجوانب التي تشمل:

  1.  الأطراف المتنازعة، بالنسبة للدول والجماعات التي تشارك في النزاع حول الكوابل البحرية في البحر الأحمر، وإن استهداف أو تدمير الكوابل البحرية يمكن أن يكون له تأثير كبير على قدرتها على التواصل والتحكم في المعلومات، وبالتالي من الممكن أن يكون للأطراف المتنازعة مصلحة في ضرب القدرات الاتصالية للأطراف الأخرى. ونتيجة لهجمات الحوثي في البحر الأحمر تضرر عدد من كابلات الاتصالات تحت الماء التي تربط أوروبا بآسيا ومناطق أخرى، وتشمل الكابلات AA-1 والذي يربط شرق آسيا بأوروبا عبر مصر، وSeacomg الذي يربط أوروبا وأفريقيا والهند وجنوب أفريقيا، وEIG الذي يربط جنوب أوروبا بمصر والمملكة العربية السعودية وجيبوتي والإمارات العربية المتحدة والهند، وTGN الذي يربط الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وتقع على طول قاع البحر بين السعودية وجيبوتي(5). ويذكر أن المسلحين الحوثيين أطلقوا تهديدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتخريب الكابلات البحرية المهمة، ولكن الغالبية العظمى من تلف الكابلات ناتجة عن معدات الصيد مثل شباك سفن الصيد أو المراسي التي يتم سحبها في قاع البحر وفقاً لبيانات اللجنة الدولية لحماية الكابلات وتضرر 16 كابلاً رئيسياً يمر عبر البحر الأحمر والتي تعبر من خلاله 17% من حركة ال؟إنترنت في العالم بحسب تقرير نشره موقع “وايرد”(6).
  2. الدول والشركات الراغبة في الاستفادة، هناك دول وشركات قد تستفيد من تعقيدات ونزاعات حول الكوابل البحرية في المنطقة، وهذه الفرصة لزيادة التأثير والسيطرة على قنوات الاتصالات ويمكن أن تخدم مصالحهم الاقتصادية أو السياسية، وأن حرب الكابلات يمكن أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر، ونجد أن الدول المحاذية للبحر الأحمر( مصر، السعودية، اليمن، السودان) هي دول تحدها البحر الأحمر، وبالتالي يمكن أن يكون لتلف الكوابل البحرية تأثير مباشر على قدرة هذه الدول على الاتصالات الدولية ونقل البيانات. أما بالنسبة لشركات الاتصالات، فالشركات العالمية والمحلية التي تعتمد بشكل كبير على الكوابل البحرية لنقل البيانات والاتصالات بين قارات مختلفة قد تكون معرضة لتأثير سلبي على خدماتها وتكاليف إصلاح الكوابل، قطاع الأعمال والتجارة، فالشركات العالمية التي تعتمد على الاتصالات الدولية لأغراض التجارة والتبادل التجاري قد تواجه صعوبات في التواصل مع شركائها وزبائنها في حالة تلف الكوابل البحرية.
  3. الدول الوسيطة، بعض الدول قد تحاول استغلال النزاعات في المنطقة لتعزيز دورها كوسيطة في حل النزاعات أو لتعزيز تأثيرها الإقليمي.
  4. الشركات المتخصصة في إصلاح الكوابل الاتصالات، في حالة الضرر الناتج عن الاعتداء على الكابلات، والشركات المتخصصة في إصلاح الكوابل البحرية والاتصالات قد تكو من المستفيدين لأنها ستكون مطلوبة لإصلاح واستعادة قدرات الاتصالات في المنطقة. ويمكن أن تستفيد الأطراف المتورطة في حروب الكوابل البحرية في البحر الأحمر بتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومع ذلك يجب مراعاة أن تلك الأنشطة قد تؤدي إلى تعطيل خدمات الاتصال والإنترنت وخسائر اقتصادية كبيرة للأطراف غير متورطة.

المحور الثالث: الآثار المترتبة على انقطاع الكوابل البحرية في البحر الأحمر

 انقطاع الكوابل البحرية في البحر الأحمر يمكن أن يسبب آثاراً وخيمة على الاتصالات والتجارة العالمية والأمن والاقتصاد، ويوجد بعض الآثار المحتملة:

  1. اضطرابات في الاتصالات الدولية: تلف الكوابل البحرية يؤدي إلى انقطاع في الاتصالات الدولية، مما يؤدي إلى صعوبات في التواصل بين البلدان والشركات والأفراد عبر العالم.
  2. التأثير على التجارة العالمية: الكثير من التجارة العالمية تعتمد على شبكات الاتصالات وانقطاع الكوابل البحرية قد يؤثر على قدرة الشركات على تبادل البيانات وإتمام الصفقات التجارية، وهذا قد يسبب تأخيرات وزيادة في التكاليف، وبشكل خاص سيكون لها تأثير على  حركة التجارة الخاصة بإسرائيل، وأن هجمات الحوثيين الأخيرة أثرت بشكل كبير على عملية صنع القرار في القطاع بشأن السفن ذات الروابط الإسرائيلية(7).
  3. التأثير على الأعمال العالمية: قد تواجه الشركات العالمية صعوبات في إدارة أعمالها والتواصل مع فروعها وشركائها عبر العالم بسبب تأثر شبكات الاتصالات.
  4. التأثير على الأمن والسلامة الدولية: تلعب الكوابل البحرية دوراً حيوياً في نقل المعلومات الأمنية والاستخباراتية، وأي انقطاع يمكن أن يؤثر على قدرة الدول على متابعة الأمور الأمنية ورصد التهديدات الدولية.
  5. 5.    التأثير على القطاع الاقتصادي: قد تؤثر على القطاع الاقتصادي بشكل عام بما في ذلك البورصات العالمية، حيث تؤدي إلى تقلبات في الأسواق المالية.
  6. 6.    التأثير على الأمن السيبراني: قد يؤدي انقطاع الكوابل البحرية إلى زيادة الاهتمام بمسائل الأمن السيبراني، حيث تبحث الدول والشركات عن حلول بديلة للحفاظ على أمن بياناتهم والتواصل بشكل آمن.
  7. 7.    التأثير على البنية التحتية: يمكن أن يتطلب إصلاح الكوابل البحرية واستعادة الوظائف التي تأثرت بسبب الانقطاع جهداً كبيراً، واستثمارات مالية ضخمة لإصلاح البنية التحتية واستعادة الشبكات للعمل بشكل طبيعي.
  8. التأثير البيئى:  في حالة وجود تلف في الكوابل البحرية قد يترتب على ذلك تأثير سلبي على البيئة البحرية نتيجة لتسرب المواد الكيميائية أو المواد الضارة.
  9. التأثير على العمليات البحرية: قد يتسبب انقطاع الكوابل البحرية في تأخير العمليات وتشويش في شحن البضائع والتجارة البحرية، مما يؤثر على النقل البحري، ويؤدي إلى تأثير مرتبط بالتكاليف والجودة.

ختاماً، أن تطوير الكوابل البحرية على مر السنين بشكل كبير معتمد على التكنولوجيا المتطورة، وأصبح بالإمكان نقل كميات كبيرة من البيانات بسرعات أعلى، وتمتد الكوابل البحرية عبر المحيطات والبحار لربط معظم الدول حول العالم،  وتعتمد الكابلات البحرية الحديثة على تقنيات متقدمة لنقل الإشارات الضوئية بسرعات عالية جداً، وتتم مراقبة وصيانة هذه الكوابل بشكل دوري لضمان استمرارية عملها، وتجنب الانقطاعات في الخدمة،  وتعتبر  الكوابل البحرية جزءاً حيوياً من البنية التحتية العالمية للاتصالات ، حيث تلعب دوراً أساسياً في نقل البيانات الضرورية للتجارة العالمية والاتصالات الشخصية والمؤسساتية.

وتعتبر اليمن منطقة استراتيجية للكابلات البحرية ، وهذا يشكل مصدر قلق للقوى العالمية مثل الصين والولايات المتحدة، حيث تتنافس هذه القوى للسيطؤة على شبكة الكابلات البحرية، تعتبر الكابلات البحرية عصب الاتصالات العالمية وأي تهديد لها يمكن أن يؤثر على الاقتصاد والاستقرار العالمي، فيجب على المجتمع الدولي العمل معاً لحمايتها وضمان استمرارية عملها.

المراجع:

  1. الكابلات البحرية: هدفاً محتملاً لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر وتأثيرها على الاتصالات، تاريخ النشر 30 يناير 2024م، تاريخ الدخول6 مارس 2024م، متاح على الرابط https://2u.pw/kPhRqiu
  2. الكوابل البحرية تركيبها وأهميتها في مجال الاتصالات والإنترنت،23 فبراير 203م، تاريخ6 مارس 2024م، متاح على الرابط https://2u.pw/ARDPOhm
  3. مؤنس حواس،” كابلات الإنترنت البحرية.. هكذا يتم ربط سكان  العالم معاً عبر مجموعة من الأسلاك”،تاريخ النشر 19 فبراير 2022م، تاريخ الدخول 5 مارس 2024م، متاح على الرابط https://2u.pw/QT57okV
  4. 4.    عماد حسن،“ما حقيقية تهديد الحوثيين باستهداف كابلات الإنترنت البحرية“، تاريخ النشر 30 ديسمبر 2023م، تاريخ الدخول 7 مارس 2024م، متاح على الرابط https://2u.pw/c2VgFLE
  5. التهديدات للكوابل البحرية: تأثيراتها على الاقتصاج العالميودور إيران والحوثيين في الأزمة، تاريخ النشر 9 فبراير 2024م، تاريخ الدخول 6 مارس 2024م، متاح على الرابط https://2u.pw/GwpVgrY 
  6. تصعيد متواصل في البحر الأحمر.. كابلات الاتصالات بخطر، تاريخ النشر29 فبراير 2024م، تاريخ الدخول 6 مارس 2024م، متاح على  https://2u.pw/YZycA05
  7. نعوم ريدان،“هجمات الحوثيين على السفن تؤثر على طرق التجارة في البحر الأحمر”، تاريخ النشر 7 ديسمبر2023م، تاريخ الدخول 7 مارس 2024م، متاح على الرابط  https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/hjmat-alhwthyyn-ly-alsfn-twthr-ly-trq-altjart-fy-albhr-alahmr

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى