إفريقيا جنوب الصحراءالساحل الإفريقيالقضاياتقدير المواقف

ثورة السنغال البرتقالية: آفاق وتحديات العهد الجديد

نجح الشعب السنغالي في فرض إرادته على النخبة السياسية التي انفردت بالحكم في السنوات الأخيرة وسعت بقيادة الرئيس المنتهية ولايته ماكي صال لتفادي عقد انتخابات حرة ونزيهة كانت مقررة في فبراير 2024. وتجلى هذا النجاح في فوز مرشح المعارضة بشير ديوماي فاي في الانتخابات الرئاسية التي جرت منتصف مارس 2024 بنسبة 54%، وهي الانتخابات التي شارك فيها فاي بعد خروجه من السجن (بأقل من أسبوعين من موعد الانتخابات) وقضاؤه نحو عام في السجن بتهمة “ازدراء المحكمة والتشهير ونشر أخبار كاذبة” على وجه الخصوص. وتم إطلاق سراحه بالتزامن مع إطلاق سراح زعيم المعارضة السنغالية عثمان سونكو المسجون منذ يوليو 2023 بمقتضى قانون العفو الذي اعتمدته الجمعية الوطنية فيما يتعلق بـ “جميع الأفعال التي يمكن أن تعتبر جرائم الجنائية أو الإصلاحية المرتكبة في الفترة ما بين 1 فبراير 2021 و25 فبراير 2024. وقد حظي ترشيح فاي بدعم مطلق من سونكو الذي لم يستطع خوض الانتخابات بسبب سجنه الذي جاء ضمن سلسلة من الإجراءات القمعية الاستباقية التي اتخذها نظام ماكي صال ضد شخصيات وأحزاب سياسية معارضة.

بشير فاي: خلفية سياسية

جاء عقد الانتخابات الرئاسية في السنغال والتي فاز فيها “فاي” بأغلبية مريحة 54% مقابل منافسه الأول رئيس الوزراء السابق امادو با (والذي حظي بدعم مباشرو وقوي من الرئيس ماكي صال وعدد من أجهزة الدولة) والذي لم يحظ إلا بنسبة 35% تقريبًا، بعد شهور من الاضطرابات في البلاد وسجن زعيم المعارضة الرئيس عثمان سونكو وفاي بهدف سياسي واضح وهو الحيلولة دون خوضهما أية انتخابات رئاسية. وشهدت هذه الفترة حسب شهادات منظمات حقوقية منخرطة في الوضع في السنغال مقتل عشرات السنغاليين في مظاهرات احتجاج والزج بنحو 1000 معارض سياسي لنظام “صال”([1]).

وفاي من مواليد 25 مارس 1980 وعُد بذلك أصغر رئيس أفريقي يتقلد المنصب عبر انتخابات ديمقراطية، وتقلى “فاي” تعليمًا متميزًا إذ تخرج في كلية الحقوق بجامعة شيخ انتاديوب في داكار ثم حصل على درجة الماجستير في الفانون وتخرج لاحقًا من المدرسة الوطنية للإدارة ثم التحق خبيرًا في الضرائب بالجهاز الإداري بالحكومة. كما كان “فاي” عضوًا (حتى إعلان نتائج الانتخابات الأولية) في حزب باستيف Patriotes africains du Sénégal pour le travail, l’éthique et la fraternité (PASTEF) المعارض ووطد علاقته بزعيمه عثمان سونكو.

وعند إعلان ترشح فاي للانتخابات فإن أغلب المراقبين توقعوا تراجع حظوظه في الفوز لعدة اعتبارات أهمها أن مقارنته بسونكو وزعامته ليست في صالحه (حتى الآن ربما)، وأن خطابه السياسي لم يكون بوضوح خطاب سونكو؛ غير أن الصلة الوطيدة التي جمعت فاي بسونكو وتقاربهما الأيديولوجي والحركي مكن الأول من الفوز بأغلبية مريحة للغاية ومن الجولة الأولى على نحو أهله تمامًا لتولي منصب رئيس البلاد بدءًا من 2 أبريل المقبل. وعزز من مقبولية “فاي” السياسية لدى قطاعات واسعة من الشعب السنغالي، لاسيما الشباب، الوحدة الواضحة في مشروع التحرر الوطني ([2]) لدى سونكو وفاي والذي كان بدوره نقطة جذب مستمرة للحراك الوطني الصومالي في الشهور الأخيرة من حكم ماكي صال.   

ويقوم هذا المشروع بالأساس على أفكار مثل التوزيع الأكثر عدلًا لعائدات موارد البلاد بين السكان، وإصلاح النظام الديمقراطي السنغالي، وبذل جهود لتحقيق مصالحات وتوافقات وطنية موسعة، وتبني سياسات خارجية متوازنة على نحو يحقق استفادة داكار القصوى من المتغيرات الدولية الراهنة.

رئاسة بشير فاي: أهم الملفات

ستكون أمام “فاي” في مستهل فترة رئاسته في أبريل المقبل العديد من الملفات الصعبة التي سيكون عليه التعامل معها مباشرة ريثما يتم تحقيق الإصلاحات السياسية والدستورية التي تعهد بها فاي وسونكو خلال الفترة القصيرة التي مهدت لانتخابات مارس. ويمكن النظر لهذه الملفات وأهميته وأولويتها لنظام “فاي” على النحو التالي:

  1. الاقتصاد وجهود إعادة البناء

تعاني السنغال بالفعل من تداعيات أزمات اقتصادية عالمية ومحلية متكررة منذ نحو أربعة أعوام. وفاقم من حدة هذه التداعيات (وربما قاد إليها من زاوية أخرى) استدامة التوتر السياسي واستمرار التضخم بنسبة غير مقبولة والتأخير في إنتاج الغاز والبترول مما أثر على مجمل النمو الاقتصادي للبلاد في العام الماضي (2023). فقد تباطئ النمو عند 3.7% في العام 2023 (وشهد نصيب الفرد من الناتج المحلي بناء على ذلك ما نسبته 1.1% حسب تقديرات البنك الدولي) وهو ما مثل تراجعًا طفيفًا من نمو بلغ 3.8% في العام 2022. وفيما يتعلق بجانب الطلب فقد تباطأ نمو الاستهلاك الخاص مما عكس تدهورًا في القوة الشرائية المرتبطة بالتضخم المرتفع، بينما تأثرت الاستثمارات بسبب حالة الشكوك السائدة جراء المناخ الاجتماعي- السياسي. وعلى جانب العرض فإن النشاط في القطاعات الهامة تأثر سلبًا بنفس الظروف الدولية (جائحة كوفيد-19 ثم الحرب الروسية الأوكرانية) والسياسية المحلية. واستمر التضخم في العام 2023 عند 6.1% محققًا تحسنًا مقارنة بالعام 2022 حيث وصل إلى 9.7%، وكان ذلك عقب تراجع أسعار السلع العالمية والعودة إلى سلاسل الإمداد المعهودة ([3]) (قبل أزمتي كوفيد- 19 وروسيا- أوكرانيا).

ومن أهم المشكلات الاقتصادية الخطيرة التي تواجه السنغال في عهد بشير فاي مشكلة الديون الخارجية التي تجاوزت في العام 2021 حاجز 20 بليون دولار في زيادة 3.2 بليون دولار مقارنة بالعام السابق (2020). وهو رقم ضخم لأنه يعني وصول الديون على ما نسبته 73.31% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2022 مقارنة بنسبة سابقة بلغت 69.17% عن العام 2020([4])؛ وهو ما يعني وجود اتجاه تصاعدي لمشكلة الديون السنغالية.

وسيواجه الرئيس المقبل بشير فاي وجود هشاشات بنيوية في اقتصاد السنغال من قبيل تدني الإنتاجية ومحدودية رأس المال البشري والمستويات المرتفعة من الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية واستمرار هجرة الشباب إلى خارج السنغال وهي العوامل التي ضاعف من أثرها السلبي الصدمات الخارجية المذكورة. ويواجه “فاي” ضرورة توجه البلاد نحو تنويع الاقتصاد ومواجهة محدودية القاعدة الصناعية في السنغال (التي لم يتجاوز إجمالي ناتجها القومي حاجز 30 بليون دولار في العام 2023). وربما سيكون العام الحاسم في تحرك فاي بجدية نحو تحقيق تنمية اقتصادية ملموسة ومصحوبة بتوزيع عادل للدخل القومي على حاجات السكان تنفيذ خطط الحكومة السنغالية في ظل رئاسة كاكي صال لإطلاق أنشطة إنتاج الغاز والبترول بقوة منتصف العام الجاري على نحو سيعزز أية سياسات حكومية تستهدف تنمية رأس المال البشري والانتقال الطاقوي وإن توقع البنك الدولي أن إنتاج الطاقة في السنغال لا يتوقع أن يحقق أرباحًا وصادرات تذكر قبل حلول العام 2035.  كما ستواجه ما تعرف “بخطة السنغال الصاعدة” Plan Sénégal Emergent (PSE)، والتي وضعها ماكي صال ويعززها البنك الدولي حتى الوقت الراهن، اختبارًا حقيقيًا في عهد فاي بالنظر على عدم قطع نظام ماكي صال خطوات تذكر في هذه الخطة الطموحة التي استهدفت تعزيز النشاط الاقتصادي من أجل تعزيز نمو مستدام وشامل وتقوية قدرة السكان على مواجهة الصدمات الاقتصادية ([5]).

  • الإصلاح المؤسساتي والمصالحة الوطنية

وعد فاي خلال حملته الانتخابية القصيرة بإحداث إصلاحات سياسية تشمل طبيعة العمل بين السلطات المختلفة داخل أبنية الدولة، وتفعيل أكبر لدور مؤسساتها لاسيما الرقابية منها لضمان توزيع عادل للدخل القومي على جميع مواطني البلاد.

وبشكل عام فقد اعتبرت نتائج الانتخابات انتصارًا حقيقيًا للمؤسسات السنغالية وتغليب نهجها الديمقراطي (على نمط “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا قبل نحو عقدين) بعد شهور من الاضطرابات غير المسبوقة في البلاد منذ استقلالها في العام 1960، ومحاولات النظام الحاكم تفادي استحقاقاته الانتخابية عوضًا عن انتهاجه تكتيكات القمع السياسي بمستويات جديدة تضمنت قتل أعداد من المحتجين واعتقال مئات الأفراد على خلفية انتماءات سياسية. ويتوقع أن يعول بشير فاي بقوة على ما أبداه النظام القضائي في البلاد من صلابة واضحة في مواجهة مساعي ماكي صال تلك منذ إلغاء المجلس الدستوري قرار صال بتأجيل الانتخابات وإلزامه بتحديد موعد آخر للانتخابات، وما يمثله هذا الموقف من تجسيد إرادة الشعب السنغالي في تعميق ديمقراطيته والخروج من دائرة النخبة الضيقة التي استمرت في حكم البلاد مع ملاحظة أن فاي نفسه جاء من خارج هذه النخبة تمامًا ([6])؛ مما سيعزز بدوره قدرته على الانخراط في إصلاح مؤسساتي حقيقي.

ويأتي في قلب هذا الإصلاح المؤسساتي المجلس التشريعي (الذي صوت بالإجماع دعمًا لقرار ماكي صال تأجيل الانتخابات) أبنية الحكومة المختلفة وأجهزتها، إضافة إلى موقع الجيش السنغالي من مجمل التغيرات المرتقبة. لكن يتوقع أن ينجح فاي في التعاون مع القوات المسلحة السنغالية لإنجاز سلسلة موسعة من الإصلاحات السياسية عبر توفير حاضنة الاستقرار والأمن في البلاد وضمان تغليب الإرادة الشعبية المؤيدة لهذه الإصلاحات بشكل كبيرن لاسيما أن انتخاب فاي يمثل تجسيدًا كاملًا للإرادة الشعبية السنغالية مدعومة بحماية مؤسساتية واضحة ([7]) وفي قلبها الجيش نفسه.

وستكون امام بشير فاي مهمة أخرى لا تقل صعوبة عن الإصلاح المؤسساتي وترتبط بتحقيق مصالحة وطنية شاملة بعد نحو أربعة أعوام من الاضطرابات السياسية المقلقة والتي أحدثت خلافات اجتماعية عميقة الأثر كما اتضح في العام 2021 من انفلات سياسي وأمن كبير صحبه خروج جماعات مهمشة في عمليات نهب وسرقة واسعة النطاق على خلفية أزمات اقتصادية مزمنة وتنامي شعور السخط من أداء الدولة ([8]).   

  • السياسة الخارجية

باتت نتائج انتخابات 24 مارس في السنغال حاسمة بمرور الوقت مع تهنئة الرئيس ماكي صال ومرشحه في الانتخابات أمادو با لفاي بالفوز الواضح. كما أقرت فرنسا وعدد من الدول الغربية بسلامة العملية الانتخابية واعتبرتها صحيفة اللوموند الفرنسية في صدر افتتاحيتها (27 مارس) انتصارًا كبيرًا للديمقراطية في وسط إقليم يعج بالانقلابات العسكرية “التي غيرت الأوضاع في العديد من دوله إلى ديكتاتوريات عسكرية” قبل استدراكها أن هذا التحول في السنغال بمثابة انتصار وصدمة ودعوة لليقظة ([9]).

وتكشف قراءة الموقف الأمريكي من الأزمة في السنغال منذ مطلع العام الجاري 2024 عن احتمالات حدوث تقارب أمريكي- سنغالي ملموس في ولاية بشير فاي بشكل كبير. فقد بادرت الخارجية الأمريكية (فبراير 2024) بإعلانها موقفًا صريحًا للغاية باعتبار قرار ماكي صال تأجيل الانتخابات “قرارًا غير شرعيًا” وحثت الخارجية الأمريكية وقتها حكومة السنغال على المضي قدمًا في إجراء الانتخابات الرئاسية “وفقًا للدستور السنغالي وقوانين الانتخابات([10])؛ واكد هذا التوجه الأمريكي، الذي يبدو مدفوعًا بمخاوف تمدد حالات التحول الراديكالي- العسكري في إقليم غرب أفريقيا وهذه المرة في قلب “قلعة الديمقراطية” في القارة منذ أكثر من ستة عقود دون انقطاع شكلي على الأقل، بيان الخارجية الأمريكية (27 مارس) الذي هنأ الرئيس المنتخب بشير فاي (قبل إعلان النتائج الرسمية) بانتخابه لإدارة البلاد في الفترة المقبلة، وامتدح البيان العملية الانتخابية التي جرت في السنغال باعتبارها “خطوة فارقة وهامة في تاريخ الديمقراطية الغني في السنغال”، ووجهت الخارجية التهنئة للشعب السنغالي والمؤسسات التي أشرفت على هذه الانتخابات والسلطة القضائية. وبدا من البيان تعويل الإدارة الأمريكية على العمل مع بشير فاي وإدارته كركن أساسي “لتسوية العديد من التحديات لاتي تواجه الإقليم (غرب أفريقيا) اليوم”، وأضاف البيان في ختامه استعداد واشنطن (المتحمس) للعمل مع السنغال من أجل “تعزيز مصالحنا وقيمنا المشتركة”([11]).

اما الصين فإن صلاتها التجارية مع السنغال أخذت في التحسن بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وباتت الصين المستورد الأول للفول السوداني (الذي يمثل السلعة التصديرية الأولى للسنغال باعتبارها ثاني أكبر منتج له في أفريقيا بعد السودان وتنجت السنغال وحدها نحو 6.2% من إجمالي الإنتاج العالمي منه ([12])) وتأتي بعدها فرنسا في انقلاب تاريخي في مكانة فرنسا الاقتصادية في السنغال في هذا القطاع تحديدًا.

كما شهدت العلاقات الصينية السنغالية في مجملها تطورات ملموسة في الأعوام الأخيرة أثارت مخاوف غربية وفرنسية عدة منذ لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ بنظيره السنغالي ماكي صال على هامش قمة مجموعة العشرين في بالي بإندونيسيا (نوفمبر 2022) وحرص الأول على مناقشة الثاني (بوصفه رئيسًا للاتحاد الأفريقي) في شئون التعاون الثنائي والأوضاع في القارة. وأكد الرئيسان عقب اللقاء على أهمية التعاون بين بلديهما وبين الصين والقارة الأفريقية ككل. وقد استعاد البلدان علاقاتهما الديبلوماسية في العام 2005 لتأخذ العلاقات مسارًا متغيرًا نحو توطيدها منذ العام 2014 عقب زيارة الرئيس ماكي صال لبكين واقتراح الطرف الصيني وقتها (بقيادة رئيس الوزراء وقتها شي جينبينغ) توسيع التعاون الثنائي في الاقتصاد والتجارة وبنية النقل الأساسية، وزيادة واردات الصين من المحاصيل الزراعية في السنغال وتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في السنغال. كما استضافت داكار، في خطوة دالة للغاية على عمق الصلات مع الصين، في نهاية نوفمبر من العام 2021 منتدى التعاون الصيني الأفريقي Forum on China-Africa Cooperation (FOCAC) كأول دولة في غرب أفريقيا تستضيف أعمال المنتدى الذي يعقد منذ أكثر من عقدين ([13]). وتعاظم هذا التقارب بإعلان داكار (نهاية 2021) خطوة تكنولوجية بالغة الخطورة بالبدء في نقل جميع المنصات الرقمية والبيانات الحكومية إلى خوادم شركة هواوي الصينية من منطق تقوية “سيادة السنغال الرقمية” ([14]).     

وسيكون أمام بشير فاي، الذي تعهد بالانقطاع عن إرث الماضي في السياسات الخارجية ربما في إشارة مباشرة إلى فرنسا ونفوذها التقليدي في البلاد، مهمة صعبة بموازنة علاقات بلاده المتطورة مع الصين بعلاقاتها مع الدول الغربية وعدم الوقوع في فخ استقطابات السياسة الدولية التي تتزايد حدتها في غرب أفريقيا مع انخراط أطراف مثل روسيا في خضم هذه التفاعلات على نحو ينذر بتمدد حزام الانقلابات.

أما بالنسبة لفرنسا فإنها تواجه بشكل عام تراجعات خطيرة لنفوذها في غرب أفريقيا في السنوات الأخيرة، ويتوقع أن تتعاظم تلك التراجعات في حالة السنغال. وقد استهل فاي حملته الانتخابية قصيرة الأجل في الأساس بالتعهد بإصلاح نقدي غير مسبوق في السنغال بما في ذلك إدخال عملة جديدة لتحل محل الفرنك الأفريقي، وهو اقتراح لاقى مخاوف لدى بعض الدوائر المالية في السنغال، كما في فرنسا التي تدعم تلك العملة منذ العام 1960. أما إقليميا فإن فاي أكد في مقابلة مع صحيفة اللوموند أن الخطوة “ستتم على نحو مثالي في إطار الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” وعملتها المقترحة Eco ([15]). ويبدو النفوذ الفرنسي عالقًا في واقع الأمر في التنافس الأمريكي الصيني في المقام الأول فيما تتعزز رواية استمرار التراجع الفرنسي الكبير في السنغال.

خلاصة

أجمع المراقبون للشأن السنغالي أن فوز بشير فاي قد غير قواعد اللعبة تمامًا ([16]) في إقليم غرب أفريقيا بعد موجة من الانقلابات العسكرية فيما عرف لاحقًا بحزام الانقلابات (غينيا كوناكري، مالي، النيجر، بوركينا فاسو) قادت بالفعل إلى تغيير ملموس في الإقليم ومؤسسات العمل الجماعي به عوضًا عن فرض تهديدات مستدامة بوقوع انقلابات في بؤر محتملة أخرى في الإقليم. ويأتي وجه التغيير الكبير الذي أحدثه انتخاب “فاي” من جهة أن التغيير جاء “ديمقراطيًا” تمامًا بعد نجاح الشعب السنغالي في فرض قواعد العمل الديمقراطي على الرئيس ماكي صال الذي ستنتهي فترة حكمه مطلع أبريل 2024. وتظل تحديات وآفاق عمل بشير فاي محكومة بشكل كامل بقدرة السنغال على انتهاج سياسات متوازنة دوليًا، وقدرة الاقتصاد السنغالي على الصمود في وجه المتغيرات الجارية وتحديات مشروطيات الاستثمارات الدولية، من قبيل ما أثير عن الأثر السلبي لتصدير المحاصيل الزراعية السنغالية بشكل شبه كامل على شبكات الإنتاج والتصنيع داخل البلاد مما يفاقم تفشي البطالة بين مجتمع شاب بالأساس. ومع انتهاء حسم نتيجة الانتخابات تأتي المسئوليات تباعًا في مواجهة بشير فاي لتختبر مدى قدرته على مواجهتها والوفاء بتعهداته.  

الهوامش


[1]  BABACAR DIONE and JACK THOMPSON, Senegal’s president-elect pledges to fight corruption after a stunning victory, Los Angeles Times, March 27, 2024 https://www.msn.com/en-us/news/world/senegals-president-elect-pledges-to-fight-corruption-after-a-stunning-victory/ar-BB1kzIMw

[2] From prisoner to president: Bassirou Diomaye Faye to become Senegal’s youngest leader, RFI, March 26, 2024 https://www.rfi.fr/en/africa/20240326-from-prisoner-to-president-bassirou-becomes-senegal-s-new-leader-at-only-44-and-africa-s-youngest

[3] The World Bank in Senegal, The World Bank, March 22, 2024 https://www.worldbank.org/en/country/senegal/overview

[4] Senegal National Debt Goes Up, Countryeconomy.com https://countryeconomy.com/national-debt/senegal

[5] The World Bank in Senegal, The World Bank, March 22, 2024 https://www.worldbank.org/en/country/senegal/overview

[6] Senegal: A triumph, a shock and a wake-up call, Le Monde, March 27, 2024 https://www.lemonde.fr/en/international/article/2024/03/26/senegal-a-triumph-a-shock-and-a-wake-up-call_6655708_4.html

[7]  Ned Temko, As neighboring countries fall to coups, Senegal keeps its democracy alive, The Christian Science Monitor, March 28, 2024 https://www.csmonitor.com/World/Africa/2024/0328/As-neighboring-countries-fall-to-coups-Senegal-keeps-its-democracy-alive

[8] Senegal protests: The country is ‘on the verge of an apocalypse’, BBC, March 7, 2021 https://www.bbc.com/news/world-africa-56311673

[9] Senegal: A triumph, a shock and a wake-up call, Le Monde, March 27, 2024 https://www.lemonde.fr/en/international/article/2024/03/26/senegal-a-triumph-a-shock-and-a-wake-up-call_6655708_4.html

[10] Senegal vote delay not ‘legitimate’, says US, France 24, February 7, 2024 https://www.france24.com/en/africa/20240207-senegal-vote-delay-not-legitimate-says-us

[11] U. S. Department of State, On Senegal’s Presidential Election, Press Statement: Matthew Miller, Department Spokesperson, March 27, 2024 https://www.state.gov/on-senegals-presidential-election/

[12] Daouda Cissé, Senegal: Booming groundnuts export to China poses long-term risks, German Institute for International and Security Affairs, July 25, 2023 https://www.swp-berlin.org/en/publication/mta-spotlight-27-senegal-boomender-export-von-erdnuessen-nach-china-1

[13] Samir Bhattacharya, China’s growing bonhomie with Senegal: Why the world should take notice, Firstpost, June 16, 2023 https://www.firstpost.com/opinion/chinas-growing-bonhomie-with-senegal-why-the-world-should-take-notice-12729252.html

[14] Ibid

[15] What will change with Bassirou Diomaye Faye at Senegal helm? RFI, March 25, 2024 https://www.rfi.fr/en/international-news/20240325-what-will-change-with-bassirou-diomaye-faye-at-senegal-helm

د. محمد عبد الكريم أحمد

د. محمد عبد الكريم أحمد، باحث متخصص في الشئون الأفريقية، منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت،  أصدر مجموعة من المؤلفات والترجمات والبحوث في شئون ليبيا والسودان ونيجيريا وإثيوبيا والفكر الأفريقي والحركات الاجتماعية والإسلامية وقضايا  الإرهاب في أفريقيا  والعلاقات الروسية الأفريقية، وكاتب في العديد من الصحف العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى