إفريقيا جنوب الصحراءالأزماتالأمنالاستخباراتالحركات المسلحةالساحل الإفريقيالقضاياتقدير المواقف

تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS) (3-2)

مقدمة

برُز تنظيم داعش – جنبًا إلى جنب مع التنظيمات المسلحة الجهادية التي عرضنا لها في الحلقة السابقة – كواحد من أخطر الجماعات المسلحة في المنطقة، وذلك بعد ظهوره في عام 2015 تحت مسمى جديد عُنون بـ”تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”، وذلك نتيجة اندماج بعض الجماعات الإسلامية الجهادية القائمة قبل ذلك. [1] بدأت مع الانقسام الذى طرأ داخل حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، وما نتج عنه من إعلان زعيمها وقائدها السابق “عدنان أبو وليد الصحراوي” توجيه بوصلته نحو تنظيم الدولة في مايو 2015، أتبعها بإعلانه مبايعته لزعيمها آنذاك أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2016. [2]

عدنان أبو وليد الصحراوي “المؤسس”.

قاد عدنان أبو وليد الصحراوي تنظيمه الجديد إلى مساحات جديدة، وأسس لجملة من التحولات والتوثبات الجغرافية، خطتها استراتيجيته النابعة بالأساس من وعيه الدقيق لواقع المنطقة الصحراوية ومزالقها ومنخفضاتها ومرتفعاتها، فضلاً عن أماكن قوتها وضعفها، ما كان لها واقع الأثر حتى اللحظة.

ولد الصحراوي عام 1973 بمدينة العيون في قلب الصحراء المغاربية، لذا لقب بالصحراوي نظرًا لكونه بالمقام الأول حفيدًا لأحد وجهاء وزعماء هذه الجغرافية الصحراوية الشاسعة والمهمة، وفي التسعينيات انتقلت عائلة الصحراوي إلى مخيمات كانت تأوى اللاجئين الصحراويين في الجزائر،[3] نظرًا للتنازع القائم حتى اللحظة بين الجزائر والمغرب فيما عرف بـ”قضية الصحراء الغربية”[4] ويرجع البعض هذا السياق بكونه مولدًا رئيسيًا ودافعًا تحفيزيًا عمل على انضمام الصحراوي إلى جبهة البوليساريو، [5] نظرًا لما تفرزه مثل هكذا السياقات من بؤر للتشدد، والتطرف، والإرهاب.

وتعرف البوليساريو نفسها بأنها حركة تحرير وطني صحراوي تهدف إلى إنهاء الوجود المغربي في الصحراء الغربية.[6]في حين تنظر إليها المملكة المغربية على كونها حركة انفصالية تسعى للاستقلال بالإقليم الصحراوي عنها[7].

وبهذا التجذر التاريخي في البنية الصحراوية، ومن خلال الصحراوي نجح تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في استقطاب العديد من مقاتليه من السكان الأصليين إلى المناطق التي ينشط فيها، لا سيما مقاتلي قبائل “البيول” الفولانية في النيجر.[8] ومقاتلي Idaksahak The ايداكشاهاك الطوارقية[9]، الذين ترجع أصولهم إلى ميناكا ومدينة جاو في الشمال المالي .[10]

مع هذا التحول الجديد للصحراوي نحو داعش وتسميته الجديدة -وإن لم تحمل إمضاء ولايات التنظيم الجغرافية المترامية الأطراف بعد- كانت تنشب بينه وبين الفصائل الجهادية المتنافسة بين الفينة والأخرى مواجهات دامية، وثمة تعاون براجماتى في بعض الأوقات.

عايشت ذروته في 2015 مع الاشتباكات المتقطعة ضد مقاتلي المرابطون الموالين لمختار بلمختار، وما لبثت أن هدأت لتنتقل إلى مرحلة أخرى، إذ كان تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى يعمل على مقربة – وربما حتى بالتعاون – مع مقاتلين من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.[11]

ومع متوالية الأحداث مضى تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى إلى توسيع نطاق المشاركة وعمقها في صعوده السريع على طول حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو.[12]

وفي أبريل 2019 ظهر أبو بكر البغدادي في مقطع مرئي مسجل يشيد بالصحراوي ويشجع أعضاء داعش على زيادة الهجمات ضد قوات الأمن الفرنسية والمحلية، تم التعامل معه على أنه قبول رسمي للصحراوي وجماعته الجديدة داخل داعش [13] ومنذ ذلك التاريخ، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى يحظى باهتمام منتظم من وسائل الإعلام الرسمية لتنظيم داعش.[14]

بيد أن القوات الفرنسية وعبر عملية عسكرية (سرفال وبرخان) نفذتها في أغسطس 2021 قضت على أحلام الصحراوي وطموحاته القيادية الرامية إلى بسط نفوذه في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك بإعلان مقتله[15] ولاقي ترحيبًا كبيرًا من الولايات المتحدة، واصفة فرنسا بشريكتها في مكافحة ما أسمته بـالإرهاب.[16] ما يعكس حجم وحدة الأهداف بين الجانبين الفرنسي والأمريكي في مشروعهما المناوئ للصعود الجهادى في منطقة الساحل الأفريقي.

وعقب مقتل عدنان أبو وليد الصحراوي، اختارت الدولة الإسلامية في أكتوبر 2021، “أبو البراء الصحراوي المعروف أيضًا بـ أبو عمرو” أميرًا جديدًا لتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء خلفًا لـ أبو وليد الصحراوي [17] وتشير بعض التقارير إلى أن أبو البراء كان ينتمى هو أيضًا مثل سلفه أبو الوليد لجبهة البوليساريو، وقضي حياته في مخيمات تندوف.[18]

ويعد أبو البراء الصحراوى من الخبراء اللوجستيين المهمين في التنظيم، وقد عمل سابقًا مع التنظيمات الجهادية في ليبيا بل إنه في وقت إعلان التنظيم تنصيبه خلفًا لأبو وليد الصحراوى كان في ليبيا، وتمضي تقارير استخباراتية إلى أنه في أكتوبر 2021 التقي بوفد من قادة تنظيم الدولة الإسلامية القادمين من المناطق التي ينشط فيها بالشرق الأوسط إلى مناطق الساحل ونيجيريا، بهدف ترتيب تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء وتقييم وتوجيه المنتسبين إليه، والذين باتوا يشكلون جزءًا مهمًا ورئيسيًا داخل الشبكة الإقليمية للتنظيم.[19]

تنظيم الدولة الإسلامية والتوسع في الشمال المالي

لم يبطئ مقتل الصحراوي تحركات التنظيم نحو تحقيق أهدافه الرامية إلى الاتساع الجغرافي لنشاطة في الصحراء الكبرى، ونجح في أن يتمدد لمسافة تقترب من 800 كيلومتر على طول المنطقة الحدودية شرق مالي/غرب النيجر، بالإضافة إلى ما يقرب من 600 كيلومتر أسفل حدود بوركينا فاسو الشرقية مع النيجر، وكثف التنظيم هجماته الحدودية في ما يقرب من 90% على مسافة 100 كيلومتر من هذه الحدود.[20]

وتبعًا لذلك عمد تنظيم الدولة في الصحراء في فترة قصيرة على مضاعفة الأراضي ووضعها تحت سيطرته المباشرة خاصة في مالي، مستفيدًا من اتفاق السلام الذى جمع الجماعات المسلحة والدولة المالية عام 2015 على طاولة واحدة، وتحديدًا من قبل ثلاثة أطراف: الحكومة، والميليشيا الموالية للحكومة، وتحالف الجماعات التي تسعى إلى الحكم الذاتي في الجزء الشمالي من البلاد[21]

لقد عمل هذا الاتفاق بشكل كبير على إضعاف الجماعات المسلحة وأصابها بالجمود والضعف بعد أن تحول الاتفاق إلى طوق في رقبتها يحجم من تحركاتها، وأخضع سيطرتها له.

وتوظيفًا لهذا السياق، عزز تنظيم الدولة من هجماته المستمرة على الشمال المالي وفي الوقت ذاته أتاح لتنظيم داعش والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة فرصة لإعادة تمثيل سيناريو 2012″[22].

وما يدلل على ذلك، الهجوم الكبير الذى أقدم عليه تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في المناطق الغربية من مينكا وجاو في النصف الأول من عام 2022، والتي كان لرحيل القوة المشتركة الفرنسية، أو “برخان”.[23] دور كبير في تصاعد عمليات التنظيم على هذا النحو.

ومنذ أن أطاح الانقلاب بالحكومة المدنية في مالي عام 2022. وما قرره المجلس العسكري الحاكم من قطع للعلاقات مع قوات حفظ السلام الدولية [24] البالغ قوامها 15 ألف جندي بالمغادرة بعد عقد من العمل هدف إلى القضاء على التمرد الجهادي.[25]

ومع تراجع هذا الوجود الأمني بشكل مطرد في مالي، زاد العنف بشكل مباشر معه، ففي فبراير 2020، بدأ شركاء فاجنر حملاتهم [26]. بعد أن تم تمكين ميليشيا فاجنر الروسية لمواجهة الجماعات الجهادية في الشمال [27] وكان يرأسها “يفغيني بريجوزين” قبل أن يسقط في حادث تحطم طائرة أثناء رحلة جوية أقلته من موسكو.[28]

وفي تقرير صادر عن مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت عام 2022 أكد أن الافتقار إلى القدرة العسكرية واستهداف الجهاديين من الجو كان سببًا في تخلف مجموعة فاجنر لافتقارها لتكتيكاتها الثقيلة التي استخدمتها في مناطق الصراع الأخرى”[29]

أمر آخر يضاف إلى ماسبق ذكره، يشير إلى تصاعد أخطاء فاجنر الآلياتية والعملياتية ممثلة في انتهاجها استهداف المدنيين من السكان المحليين بشكل متعمد ومتكرر في الجغرافيات التى يبسط التنظيم سيطرته عليها، لتحقيق هدفين أولهما: “ردع الجهاديين عن شن هجمات وثانيهما إجبار السكان المحليين على الانقلاب على الجهاديين الذين يعيشون في وسطهم. “[30] إلا أنها ساهمت في ردة فعل معاكسة لها، وعمقت من الموقف العدائي من قبل السكان المحليين تجاه فاجنر والقوات الأجنبية، ووفرت للتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الجهادية غطاءً مجتمعيًا ما خلق حاضنة تلتف حولهم وفق سردية الجهاديين، بأن تواجدهم لردع الوجود الأجنبي في الساحل.

في موازاة ذلك، اتبعت المنظومة العسكرية الحاكمة في مالي استراتيجية غير مألوفة وتفتقد للتخطيط الجيد، مرتكزة على أن المواجهة بين تنظيم الدولة ومنتسبي القاعدة في الشمال المالي قد تصب محصلتها في مصلحتهم، لكنها في الواقع عملت على تنامى قدرات الجهاديين العسكرية وعملت على تجذره في بنى الشمال المالي المجتمعية يومًا بعد يوم “.[31]

إمارة ميناكا الداعشية في الشمال المالي

 تمثل منطقة ميناكا –والواقعة على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو.[32] – بالنسبة لتنظيم الدولة من الناحية الاستراتيجية هدفًا رئيسيًا وقاعدة مركزية تنطلق من الصحراء الكبرى وبما تشمله من الشمال المالي، طامحًا في أن تكون نواة حقيقية لتأسيس إمارته الإسلامية هنالك، ثم نقل ثقل التنظيم الأم إلى أراضيه خاصة بعد فقده لحواضره الرئيسية 2017 في كل من الرقة والموصل.[33]

وما يدفع نحو تلك الفرضية، توافد العديد من القادة العسكريين السابقين للتنظيم في العراق وسوريا إلى الشمال المالي ومنطقة الصحراء الكبرى، وما شرعوا به من تدريب للعناصر الجهادية على التقنيات الحربية وصناعة المتفجرات وإدارة أنظمة الاتصالات. وما شابه.[34]

وجدير بالإشارة في هذا السياق، إلى أنه وعلى الرغم من الاعتراف بتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبري من قبل التنظيم الأم -كما عرضنا سابقًا – إلا أنه لم يرفع التنظيم إلى وضع ولاية (محافظة) رسمية.[35]

وفي الوقت الراهن يمارس تنظيم الدولة الإسلامية سلطته وحوكمته على منطقة تقارب مساحتها الـ80 ألف كيلومتر مربع من فرض للضرائب أو ما يطلق عليه بـ”ديوان الزكاة”، وتوزيع القرآن الكريم على السكان المحليين.[36] وفرض تفسيراتها الأصولية المتشددة تحت لافتة تطبيق الشريعة الإسلامية[37] مثل ما حدث من قيام مسلحين يشتبه في انتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى بقطع الأيدي اليمنى والقدم اليسرى لعدد من الرجال المحليين زعم التنظيم أنهم قاموا بأعمال سرقة ووجب تطبيق الحد عليهم، في سوق بقرية تين-هاما، في دائرة أنسونغو، مالي.[38]

فضلاً عن إدارته لاقتصاديات التهريب المتعارف عليها في هذه الجغرافية الصحراوية الوعرة، من سلاح وتجارة الماشية وتهريب البضائع، والتجنيد والتعبئة، والأعمال الدعائية وما شابه[39] وحظرهم للموسيقي وإقامة الحفلات الصاخبة والاقتصار على حفلات الزواج[40].

من جهة أخرى، عمل التنظيم على إعادة فتح الأسواق الأسبوعية لإنعاش الأنشطة الاقتصادية والمبادلات التجارية بين مدينة ميناكا والنيجر والمناطق الخاضعة لنفوذه إذ تسمح هذه الترتيبات التجارية للسكان بالحصول على الضروريات الأساسية، وأصدر أيضًا تصاريح يبلغ سعرها 7500 فرنك أفريقي (11.40 يورو) للشخص الواحد، تيسر لحامليه السفر من تيجريرت إلى منطقة تيليا بالنيجر [41] .

لقد أدرك تنظيم داعش أهمية السكان في الساحل الأفريقي لترسيخ أسلوب حكمه الذي طالما اعتمد على العنف، وبدأ يعدل سياسته لتطبيع العلاقات مع السكان لضمان استدامته، وعمل على تطوير أسلوب حكمه لحماية السكان وممتلكاتهم فيما أنشأ نماذج سلطة أمنية مستوحاة من سيناريوهات داعش التي اعتمدها في سوريا والعراق عام 2014.[42]

وفي ظل غياب تام للقوات المسلحة الحكومية والمقاتلين التابعين لتنظيم القاعدة، يصبح للتنظيم القدرة والاستطاعة على التحكم بكل شيء على امتداد هذه المساحة الجغرافية الشاسعة، عن طريق قطع طرق إمداد المدينة متى شاء.[43]

وعمد التنظيم إلى الاستفادة من تراجع دور الدولة وهشاشتها في الشمال المالي، وتقلص قدراتها في إيصال الخدمات التنموية لهذه المناطق النائية والفقيرة غير المستقرة، في أن سعى إلى ملء الفراغ من خلال الإشراف على تقديم ما عجزت عنه الدولة من تحقيقة للسكان المحليين سواء أكان على المستوى الخدمى بتوفير متطلبات عيشهم وأرزاقهم، أو على المستوى الأمني عبر تحقيق الأمن والاستقرار لهم في ظل نشوب المعارك البينية بين الدولة والجماعات المسلحة أو بين الجماعات المسلحة وبعضها البعض، ما أدى إلى تحول المنطقة إلى بؤرة توتر بالغة الخطورة، وبذلك يعزز داعش تواجده الفعال في هذه المناطق، بعد تراجع سلطة الدولة عليها..[44]

استفاد تنظيم الدولة الإسلامية أيضًا من الانقسامات القبلية والطائفية، وعدم قدرة الدولة على توفير فرص التعليم والعمل للشباب فعملت على جذب قطاع الشباب واحتوائه داخل التنظيم[45]

ونتيجة لتلك العوامل والسياقات المضطربة تضاعف عدد سكان مدينة ميناكا ثلاث مرات بسبب موجات النازحين المتدفقة الفارين من هجمات المجتمعات المجاورة.

ووفقًا لأرقام الأمم المتحدة، وبسبب تدفق النازحين الذين فروا من هجمات المجتمعات المجاورة،  ارتفع عدد سكان ميناكا من 11,000 إلى أكثر من 30,000 نسمة، ويعيشون في ظروف غير مستقرة للغاية، الأمر الذى تسبب في إقامة مخيمات مؤقتة على طول الطرق أو حتى خارج المدينة لإيواء هذا القدر الكبير من العائلات والأسر لعدم قدرة المنازل على استيعابهم، ما من شأنه أن تفاقمت الأزمات الاقتصادية ونقص الخدمات والموارد ومأكل ومشرب وغيره، لتتفاقم معها الأزمة الإنسانية.[46] ويعمل تنظيم الدولة على توظيف ذلك السياق لصالحه.

لا يدخر التنظيم جهدًا في مواصلة حملاته العسكرية بهدف توسعه الاستيطاني في الصحراء، كما حدث من الاستيلاء على مدينتي تيدرمين وإنكاديوان اللتين تبعدان عن بعضهما حوالي 75 كيلومترًا[47] بعد أن نجح في إبعاد جماعة “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” من تيدرمين، في 11 أبريل الماضي 2023، وفرض نفسه كواقع حوكمي في أطراف ميناكا.[48]وما يمكن قوله أنه وبعد الاستيلاء على تامالات وأنديرامبوكان وإنيكار وتالاتاي، فإن وصول داعش إلى تيدرمين حرم ميناكا من آخر طريق وصول لها، لقد قطعوا ميناكا مباشرة عن الشمال”.[49]

بهذه التحركات الداعشية وابتلاعه المدن واحدة تلو أخرى في منطقة ميناكا، خاصة بعد غزو تيدرمين، وإخضاعها لسيطرته، أصبحت منطقة ميناكا التى تبلغ مساحتها 80 ألف كيلومتر مربع بأكملها في قبضة تنظيم الدولة، ولم يعد للجماعات المسلحة لا سيما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تواجد يذكر، فضلاً عن الغياب التام للجيش المالي الذي لا يتواجد إلا داخل المدن”[50].

لماذا ميناكا؟

تعكس تحركات تنظيم الدولة في الشمال المالي ومعاركه الدائرة حوله انطلاقًا من تمركزاته الصحراوية، وعيًا كبيرًا وأهمية بالغة للقيمة الاستراتيجية لهذه الجغرافية الغنية بالثروات الطبيعية والمعدنية فمنطقة ميناكا غنية بموارد النفط والغاز بدرجة كبيرة، لذلك فـ ميناكا لها قيمة كبيرة بالنسبة لتنظيم داعش الذي شرع في تحقيق هدفه المتمثل في منح نفسه “ولاية” داخل دولة مالي [51].هذا من جهة.

ومن جهة أخرى يراهن التنظيم على ميناكا لأن هذه المنطقة تقع في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتعتبر إحدى أهم نقاط تجنيد الجهاديين وتهريب الأسلحة والمخدرات والوقود، والمهاجرين غير الشرعيين، وهي في مجملها تعود بأموال هائلة لداعش، وهو ما يفسر معركته الضروس مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وطرده منها ليستأثر وحده بكل موارد وخيرات ومنافع هذه المنطقة وحده، بلا شريك أو منازع.[52]

ومثالاً على ذلك، أنه ومنذ يناير 2023، نشبت معارك ومواجهات في ميناكا بين كل من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين[53] وكانت الغلبة لتنظيم داعش وفشلت محاولات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منع تنظيم الجولة داعش من التوسع في شمال شرق مالي ومنطقة الحدود الثلاثية مع بوركينا فاسو ومالي والنيجر[54].

الحكومة العسكرية في مالي وجهاديو داعش

وقعت الحكومة المالية العسكرية في شراك تنظيم داعش في مقايضة الأخيرة معها، عبر اتفاقية مع التنظيم أطلقت مؤخرًا بموجبها سراح عدد من قادة “داعش” بهدف التوصل إلى هدنة بين الطرفين، بما يسمح لهما بالقضاء معًا على “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” وغيرها من الجماعات المسلحة التي تأسست في منطقة أزواد[55].

وتذهب بعض التحليلات إلى أن ثمة مؤشرات تؤكد أن وجود مثل هذا اتفاق بين الحكومة العسكرية في مالي وداعش في الصحراء الكبرى، قد يسهم بقدر كبير في تيسير مهمة التنظيم في إنشاء إمارة داعشية في الشمال المالي.[56]

وجدير ذكره في هذا السياق، أن الاتفاق جاء توازيًا مع مطالبة مالي بسحب 12 ألف جندي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بعد 10 سنوات من تواجدهم في القتال ضد الجماعات الجهادية بما فيها تنظيم داعش.[57]

من الواضح أنه وبعد مرور أكثر من عام على رحيل الجنود الفرنسيين من عملية برخان، وعلى الرغم من البديل الذي استقدمته وحدات الجيش المالي والمتمثل قوات فاجنر، فضلاً عن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، لم يعد الجيش المالي قادرًا على مواجهة التحديات الكبرى في هذه المنطقة الاستراتيجية[58]، فلم يكن منها سوى أن تدخل معها على اتفاق تضمن خلاله على الأقل تحييدها وضمان عدم المواجهة العسكرية معها واستنزافها.

وهو ما يقودنا إلى القول إن إطلاق سراح قادة داعش، يمثل انتصارًا سياسيًا كبيرًا لتنظيم الدولة لاشك أنه سيكون فارقًا في الخطوات المستقبلية للتنظيم في منطقة ميناكا بشكل خاص ومناطق الساحل والصحراء بشكل عام.

ويأتى على رأس القيادات الداعشية المفرج عنهم كل من:

  • يوسف ولد شعيب”، قائد العمليات العسكرية السابق بالشمال، والقاضي الجماعي بولاية ميناكا.[59]
  • أمية أغ البكاي قائد العمليات العسكرية للجماعة في منطقة أرباندا التابعة لولاية “تيسي” و”إنتلت” بولاية جاوة. اعتقلته القوات الفرنسية في برخان في 12 يونيو 2023، وتم تسليمه إلى النيجر، كما سلمته النيجر إلى مالي. إلا أنه تم إطلاق سراحه نهاية يونيو/حزيران 2023 ضمن صفقة سرية بين مالي وتنظيم داعش (لم يتم الكشف عنها بعد، لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن وكالة الإنقاذ الدولية ربما لعبت دورًا في الصفقة). أدى إلى إطلاق سراح الأخصائية الاجتماعية الفرنسية “صوفي” بترونين).[60]
  • –     “الدادي ولد شعيب” الملقب “أبو الدرداءشقيق يوسف ولد شعيب، تم القبض عليه من قبل قوات برخان الفرنسية خلال عملية مشتركة للجيشين النيجيري والفرنسي نفذتها يوم 15 يونيو 2021 في منطقة بالقرب من ميناكا، ضد تنظيم داعش في منطقة الساحل. أفرجت عنه أجهزة المخابرات المالية يوم الأحد 2 يوليو 2023.[61]

عرف “دادى ولد شعيب” والملقب بـ”أبو الدرداء”، بالتنقل بين الجماعات الجهادية، إذ كان عضوًا سابقًا في حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا[62]، وأيضًا مع المرابطين، والجماعة المقاتلة التي أسسها مختار بلمختار، ثم انتهى به المقام داخل تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى[63]. ويُسند لأبو الدرداء مهمة القضاء (والإفتاء) وتطبيق أحكام الشريعة بولاية ميناكا [64] وقائد العمليات العسكرية السابق بالشمال.[65] وله واقعة شهيرة في منطقة “تين هاما” هي بلدة صغيرة في دائرة أنسونغو في منطقة غاو جنوب شرق مالي[66] عندما قضى بقطع ساق وقدم لأحد اللصوص.

  • أندين أبو المنير الملقب بـ (أبو هريرة): من أصول الطوارق، عمل راعيًا في منطقة تيسي على الحدود مع النيجر، ثم انضم إلى الجماعات الجهادية عام 2017 واحتل منصبًا قياديًا في التنظيم بسبب معرفته بالمنطقة والسكان ومعروف بعلاقاته الوثيقة مع السكان المحليين لأن أصله من المنطقة.[67]

[1] Pauline Le Roux, “Exploiting Borders in the Sahel: The Islamic State in the Greater Sahara”, Africa center for strategic studies, 2019, Available on:

https://africacenter.org/spotlight/exploiting-borders-sahel-islamic-state-in-the-greater-sahara-isgs/

[2] “ THE ISLAMIC STATE IN THE GREATER SAHARA (ISGS)”, european council on foreign relations, Available on:

https://ecfr.eu/special/sahel_mapping/isgs#menuarea

[3] Pauline Le Roux, op.cit

[4] زين العابدين قبولي، “التوترات بين الجزائر والمغرب: بداية حرب إقليمية باردة”، مؤسسة الشرق الأوسط، 2021، متاح عى:

https://www.mei.edu/blog/altwtrat-byn-aljzayr-walmghrb-bdayt-hrb-aqlymyt-bardt

[5] نفس المصدر السابق

[6]نفس المصدر السابق

[7] توفيق بوفرتيح، “جنوب إفريقيا ترد على المغرب بتجديد الدعم لجبهة البوليساريو الانفصالية”، هسبريس، 2023، متاح على:

https://www.hespress.com/%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A8%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8-1219447.html

[8] “THE ISLAMIC STATE IN THE GREATER SAHARA (ISGS)”, op.cit

[9] “Idaksahak in Mali”, Joshua project, Available on:

https://joshuaproject.net/people_groups/12178/ml

[10] “THE ISLAMIC STATE IN THE GREATER SAHARA (ISGS)”, op.cit

[11] “THE ISLAMIC STATE IN THE GREATER SAHARA (ISGS)”, op.cit

[12] Pauline Le Roux, op.cit

[13] Jared Thompson, “Examining Extremism: Islamic State in the Greater Sahara”, Center for Strategic and International Studies, 2021, Available on:

https://www.csis.org/blogs/examining-extremism/examining-extremism-islamic-state-greater-sahara

[14] “THE ISLAMIC STATE IN THE GREATER SAHARA (ISGS)”, op.cit

[15] “القوات الفرنسية تقتل أبو وليد الصحراوي قائد تنظيم “الدولة الإسلامية” في الصحراء الكبرى”، فرانس 24، 2021، متاح على:

https://www.france24.com/ar/%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/20210916-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89

[16] “بيان بشأن مقتل زعيم تنظيم داعش في الصحراء الكبرى عدنان أبو وليد الصحراوي”، وزارة الخارجية الأمريكية، 2021، متاح على:

[17] فهد اغ المخمود، “مالي: الدولة الإسلامية تختار ابو البراء الأنصاري الصحراوي رئيسا لها خلفا لـ أبو الوليد الصحراوي.”، مؤسسة النهضة الإعلامية، 2021، متاح:

[18] عبدالقادر كتــرة، “النظام الجزائري يُعيِّن عضو “بوليساريو” “أبو البراء الأنصاري الصحراوي” خلفا ل”أبو وليد الصحراوي” لقيادة الجماعة الإرهابية بالساحل”، بلادي، 2021، متاح على:

[19] “Supporters of ISIS group in Africa reportedly operates warehouse in Ghana – UN document”, Citi newsroom, 2022, Available on:

[20] Pauline Le Roux, op.cit

[21] “ISIL doubled territory it controls in Mali in less than a year: UN”, Al-jazzera, 2023, Available on:

https://www.aljazeera.com/news/2023/8/27/isil-doubled-territory-it-controls-in-mali-in-less-than-a-year-un

[22] “Islamic State group almost doubled its territory in Mali in under a year, U.N. says”, NPR, 2023, Available on:

https://www.npr.org/2023/08/26/1196189708/islamic-state-mali-al-qaida-west-africa-extremist

[23] David Doukhan, “The Islamic State is Expanding its Areas of Influence in Mali”, The International Institute for Counter-Terrorism, 2023, Available on:

https://ict.org.il/wp-content/uploads/2023/04/Doukhan_ISIS-is-expanding-influence-in-Mali.pdf

[24] “Islamic State, al-Qaida Groups Grow in Sahel’s Security Vacuum”, ADF, 2023, Available on:

[25] “Islamic State group almost doubled its territory in Mali in under a year, U.N. says”, op.cit

[26] “Islamic State, al-Qaida Groups Grow in Sahel’s Security Vacuum”, op.cit

[27] “Islamic State, al-Qaida Groups Grow in Sahel’s Security Vacuum”, op.cit

[28] “ISIL doubled territory it controls in Mali in less than a year: UN”, op.cit

[29] “Islamic State, al-Qaida Groups Grow in Sahel’s Security Vacuum”, op.cit

[30] “Islamic State, al-Qaida Groups Grow in Sahel’s Security Vacuum”, op.cit

[31] “Islamic State group almost doubled its territory in Mali in under a year, U.N. says”, op.cit

[32] Anouar CHENNOUFI, “Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ?”, Africa press, 2023, Available on:

[33] “بهجمات ميناكا.. “داعش” يستعد لتأسيس إمارته في قلب إفريقيا”، سكاي نيوز عربية، 2022، متاح على:

https://www.skynewsarabia.com/world/1546708-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%8A%D9%86%D8%A7%D9%83%D8%A7-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%AF-%D9%84%D8%AA%D8%A7%D9%94%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%95%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%87-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%95%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7

[34] Anouar CHENNOUFI,” Un « Emirat Daéchite » serait sur le point d’être mis en place à « Ménaka » dans le Sahel africain ?” , Africa press, 2023, Available on:

[35] Jared Thompson, op.cit

[36] David Doukhan, op.cit

[37] Kate Chesnutt and Katherine Zimmerman, “The State of al Qaeda and ISIS Around the World”, Critical threats, 2022, Available on:

https://www.criticalthreats.org/analysis/the-state-of-al-qaeda-and-isis-around-the-world

[38] Jared Thompson, op.cit

[39] Anouar CHENNOUFI, op.c it

[40] Jared Thompson, op.cit

[41] “داعش يطور أسلوب السيطرة في الساحل الأفريقي”، العرب، 2023، متاح على:

https://alarab.co.uk/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%8A%D8%B7%D9%88%D8%B1-%D8%A3%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A

[42] نفس المصدر السابق

[43] David Doukhan, op.cit

[44] Anouar CHENNOUFI, op.c it

[45] Anouar CHENNOUFI, op.c it

[46] Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[47] David Doukhan, op.cit

[48] Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[49] Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[50]Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[51] Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[52] Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[53] “Central Sahel (Burkina Faso, Mali and Niger)”, Global Centre for the Responsibility to Protect, 2023, Available on:

[54] Kate Chesnutt and Katherine Zimmerman, op.cit

https://www.criticalthreats.org/analysis/the-state-of-al-qaeda-and-isis-around-the-world

[55] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[56] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[57] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[58] Anouar CHENNOUFI,” Au Mali, MENAKA prise dans les filets de Daech ou simple propagande ? “,op.cit

[59] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[60] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[61] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[62] ” مالي: إفراج مثير عن قياديين من تنظيم الدولة”، الأخبار، 2023، متاح على:

https://alakhbar.info/?q=node/48434

[63] “Leader of the Islamic State of the Great Sahara captured in northern Mali”, The North Africa Post, 2021, Available on:

[64] Leader of the Islamic State of the Great Sahara captured in northern Mali”, op.cit

[65] Anouar CHENNOUFI, op.cit

[66] “Tin-Hama”, Wikipedia, Available on:

https://en.wikipedia.org/wiki/Tin-Hama

[67] Anouar CHENNOUFI, op.cit

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ما هو مستقبل الجماعات الإسلامية فى الصحراء الكبرى وهل يمكن أن نرى خلافة إسلامية لداعش مثل التى كانت فى سوريا والعراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى