تقدير المواقف

تشيسيكيدي رئيسًا للكونغو لفترة ثانية حتى العام 2029:أهم الملفات والقضايا

اجتاز الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي الانتخابات الرئاسية التي شهدتها جمهورية الكونغو الديمقراطية (يقترب عدد سكانها من مائة مليون نسمة وتحل رابعة كأكبر دولة أفريقية في عدد السكان بعد نيجيريا وإثيوبيا ومصر) في 20 ديسمبر 2023، وتكلفت إجمالًا 1.1 بليون دولار فيما تواجه البلاد أزمة اقتصادية خانقة، وتوقع صندوق النقد الدولي وقتها أن تزيد أعباء الانتخابات من تكلفة العجز المالي في العام 2023 إلى -1.3% من الناتج المحلي الإجمالي([1])؛ لتعهد إليه البلاد بفترة رئاسة ثانية تنتهي في نهاية العام 2028 يتوقع أن يقوم خلالها -إجمالًا- بتعزيز سلطته في بلاده التي تعاني من مشكلات جمة، لاسيما أنه روج خلال حملته الانتخابية إلى دعوة مواطنيه للتصويت لصالحه لتمكينه من “تعزيز مكاسبه” وما عده تقدمًا في ملفي التنمية والأمن في البلاد؛ ويعزز هذا التوقع فوز تشيسيكيدي أمام 25 مرشحًا آخر من الجولة الأولى في التصويت في الانتخابات الرئاسية وبنسبة 73% من الأصوات حسبما أعلنت المفوضية الانتخابية الكونغولية في 31 ديسمبر الفائت، وهو ما استدعى استهجان أغلب قوى المعارضة التي وصفت العملية برمتها بالمهزلة([2]).

تشيسيكيدي وأجندة تكريس الاستبداد السياسي “الجديد”؟

اتسمت الظروف العامة في الكونغو وقت إجراء الانتخابات الرئاسية نهاية العام الماضي (2023) باعتدال مستويات الديون المفرطة، وتجديد ثقة صندوق النقد الدولي في الاقتصاد ومستوى واعد من النمو الاقتصادي مع تباطؤ في انطلاق عدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسة. كما مثل وصول تشيسيكيدي للسلطة قبل أكثر من خمسة أعوام خلفًا لجوزيف كابيلا مثل بداية انتقال ديمقراطي في البلاد عُد الأول من نوعه منذ استقلالها في العام 1960([3]).

وقد عول الرئيس تشيسيكيدي في حياته السياسية بشكل عام على الاستفادة من إرث والده إيتين تشيسيكيدي Etienne Tshisekedi الذي كان أبرز مناوئ للديكتاتور السابق موبوتو سيسي سيكو، وعانى هو وأسرته من هذه المواقف السياسية حتى أتاح موبوتو لأسرة الأب (فليكس ووالدته وإخوته) الخروج في المنفى إلى بلجيكا حيث بدأ فليكس في الارتقاء في صفوف حزب والده UDPS وفاز في العام 2011 بمقعد برلماني في مدينة مبوجي-مايي Mbuji- Mayi غير أنه رفض تسلم مقعده بناء على نصيحة والده الذي كان ينظر للرئيس وقتها جوزيف كابيلا باعتباره ديكتاتورًا آخر. وبعد وفاة إيتين تشيسيكيدي في العام 2017 بعام واحد خاض فليكس الانتخابات الرئاسية التي كانت محل خلاف بالغ (وصلت إلى حد اتهام أحد منافسي تشيسيكيدي قوتها وهو مارتن فايولو M. Fayulu للأول بسرقة نتيجة الانتخابات) ([4]). وبمجرد تقلد تشيسيكيدي منصبه عمد إلى تحسين صورته العامة وسافر في زيارات خارجية متعدد للغاية خلافًا لسلفه الذي كان متحفظًا للغاية في جولاته الخارجية، كما نحا تشيسيكيدي داخلًا منحً استبداديًا تقليديًا بتفكيكه اتفاقًا تحالفيًا بين سلفه كابيلا وعدد من قوى المعارضة وبدء تكوينه تحالفًا حزبيًا جديدًا ([5])؛ يؤمن في النهاية إحكامه سلطته على مجمل الحياة السياسية في البلاد في نسخة محسنة نسبيًا من النظام الاستبدادي السابق. 

واعتبرت تقارير غربية (منها الواشنطن بوست مطلع يناير الجاري) أن حالة الفوضى التي شابت الانتخابات الرئاسية في الكونغو وتجاهل مفوضية الانتخابات الكونغولية المبالغ فيه لاحتجاجات كافة مكونات المعارضة في البلاد ضد مجمل العملية الانتخابية وما وصفته بانتهاكاتها غير المقبولة تؤشر كلها إلى تضاؤل احتمالات إدخال تشيسيكيدي إصلاحات سياسية جذرية في البلاد، لاسيما ان الانتخابات نفسها كشفت عن تصاعد أدوار رجال الأعمال في مجمل الحياة السياسية في البلاد؛ إذ حل المليونير مويس كاتومبي Moïse Katumbi في المرتبة الثانية بعد تشيسيكيدي بحصوله على أصوات 18% من الناخبين تلاه مارتن فايولو Martin Fayulu النافذ في قطاع الطاقة بنسبة 5% فقط رغم أنه ينظر له في قطاعات واسعة من الشعب الكونغولي بانه الفائز الحقيقي في تلك الانتخابات ما يعني احتمال تزويرها بشكل غير مسبوق منذ بدء الكونغو “التحول الديمقراطي” في عهد تشيسيكيدي قبل نحو خمسة أعوام([6])؛ مما يكشف بدوره عن السلوك المتوقع لنظام تشيسيكيدي في فترة الرئاسة الثانية وفي صلبها عدم الإقدام على إصلاحات سياسية حقيقية والاكتفاء “بحملة علاقات عامة” مع القوى الدولية لتسويق الديمقراطية الكونغولية.  كما لفت مراقبون إلى حاجة تشيسيكيدي الملحة، وفي جميع الأحوال، في فترة رئاسته الثانية إلى طرق سبل لإعادة توحيد الدولة المنقسمة سياسيًا على الأرض، وأن يستخدم لغة توافقية من أجل بناء الثقة في المجتمع وتعزيز قيمة المواطنة، لاسيما أنه البلاد ستشهد حراكًا سياسيًا معارضًا برؤىً أكثر راديكالية يرجح معها تكون “تحالف سياسي عسكري” كما يتضح من تكوين ما عرف بـ Alliance Fleuve Congo (AFC) من قبل كورنيلي نانجا  Corneille Nangaa (الرئيس السابق لمفوضية الانتخابات الوطنية حتى العام 2021، والذي سبق له التهديد بإسقاط تشيسيكيدي “عبر فوهة البندقية”)([7]).

مواجهة حركات العنف المسلح- الإرهاب: تشيسيكيدي وشبح “الحالة النيجيرية”

تصاعد العنف في إقليم شرق الكونغو منذ العام 2022 حيث بات العنف منذ ذلك الوقت سمة رئيسة بالبلاد. وباتت هناك ما لا يقل عن 120 مجموعة مسلحة نشطة في الإقليم وأبرزها جماعة M23 التي قاد عنفها في مارس 2023 إلى تشريد نحو نصف مليون مواطن كونغولي. كما أقدمت المجموعة في أواخر العام 2023 بنقض هدنة استمرت لشهور واستأنفت هجماتها في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية. وظلت قوات حفظ السلام الدولية والإقليمية تحاول معالجة الصراع في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإن دل ذلك في المحصلة على فشل الحكومة الكونغولية في التعامل مع العنف داخل البلاد رغم إعلان تشيسيكيدي حالة حصار جماعة M23 “الإرهابية” في شمال كيفو North Kivu وإيتوري Ituri منذ العام 2021 (وهو الإقليم الذي شهد في العام 2022 واحدة من أقسى الهجمات الإرهابية في تاريخ الكونغو وصنفها المؤشر العالمي للإرهاب ضمن أسوأ 50 حادثًا إرهابيًا في ذلك العام في العالم وحلت في المرتبة 23 وهو الحادث الذي وقع في مطلع يونيو 2022 على يد “تنظيم الدولة الإسلامية” وأسفر عن مقتل 27 مواطنًا([8])) إعلان لم يؤد إلا إلى سوء تراجع حالة حقوق الإنسان هناك واستيلاء الجيش على المناصب الرئيسة في الدولة من القادة المدنيين رغم ما ورد من تقارير مستقلة عن ربط “الجيش الكونغولي بالعنف في الإقليم”، ورجع ذلك إلى استمرار العملية التي كان مقررًا أن تستمر في بدايتها لمدة شهر واحد وتم تمديدها فترات مكررة واحدة تلو الأخرى([9])؛ مما أفقد تشيسيكيدي ونظامه قدرًا كبيرًا من المصداقية أمام المواطنين.  

وبشكل عام فإن الكونغو باتت واحدة من أكثر دول العالم عرضة لمخاطر العنف المسلح والإرهاب إذ حلت -على سبيل المثال- سابعة في قائمة “مؤشر الإرهاب العالمي” Global Terrorism Index 2023 ([10]) للدول التسعة الأكثر تأثرًا بالإرهاب بعد كل من أفغانستان والصومال ومالي وسوريا والعراق ونيجيريا وقبل تشاد واليمن. فيما جاءت الكونغو في المرتبة الرابعة عشر من التصنيف العام للمؤشر عن العام 2022 وسبقها أفريقيًا سبعة دول أفريقية وهي كل من بوركينا فاسو والصومال ومالي ونيجيريا والنيجر والكاميرون وموزمبيق ([11]).

كما يمثل خطر جماعة M23 المتمردة أمام الكونغو، التي شهدت ظهور أكثر من مائتي جماعة مسلحة في صراعاتها المختلفة في السنوات الأخيرة، حالة خاصة للغاية إذ أنها استولت على مساحات شاسعة من الأراضي وتهدد مع مطلع العام الحالي (2024) بالاستيلاء على مدينة جوما Goma عاصمة إقليم شمال كيفو North Kivu([12])؛ وهو تهديد متزايد في ضوء ما استجد في نهاية العام 2023 من سحب جماعة شرق أفريقيا قواتها التي سبق أن نشرتها في شرق الكونغو في نوفمبر 2022 في ضوء رفض كينشاسا تمديد عمل تلك القوات لعجزها عن مواجهة قوات M23([13])، ووسط تقارير عن خلافات جوهرية بين الكونغو وعدد من دول جماعة شرق أفريقيا بصدد قضايا متنوعة وليس مسألة مواجهة العنف والإرهاب في شرق الكونغو فحسب.

ويؤشر اضطراب مقاربة نظام تشيسيكيدي لأزمة التمر والعنف المسلح والإرهاب إلى قرب تمثل حالة الكونغو التجربة الكينية كاملة في مواجهة “بوكو حرام” مضافًا لها عجز الدولة عن القيام بأدوارها المفترضة تجاه السكان لاسيما في الأقاليم الشرقية التي تشهد حركات تشرد داخلي ضخمة.

الكونغو وبنية النظام الإقليمي المتغيرة: هل تتجه كينشاسا نحو العزلة؟

بدت ملامح توتر علاقات الكونغو الديمقراطية بدول إقليمية داخل جماعة دول شرق أفريقيا جلية للغاية من قبيل اتهام كينشاسا لرواندا رسميًا بدعم الإرهاب وحركات التمرد في شرقي الكونغو، ثم سحب كينيا منفردة قواتها (البالغ عددها نحو ألف جندي) من قوة تجمع دول شرق أفريقيا (والتي أعلنت انسحابها نهاية 2023) رغم اضطلاع كينيا في بعض الفترات بجهود وساطة بين الكونغو ورواندا.

وتثير هذه التطورات، واتهام الكونغو للقوات الكينية بالتهاون إزاء قوات المتمردين، إلى توتر مستقبلي في علاقات البلدين مدفوع بالتنافس على محاصصات التدفقات الأجنبية المباشرة وخلافات حول مسارات العديد من المشروعات الإقليمية (التي تثير بدورها حساسيات كينية من قبيل صعود واضح لجارتها الجنوبية تنزانيا يستقطب مزيدًا من الفرص الاستثمارية السانحة في المنطقة). بأي حال فقد دخلت العلاقات بين البلدين بالفعل منذ مطلع ديسمبر 2023 في مرحلة ملتبسة إلى حد كبير رغم مواجهتهما معًا في الوقت الحالي تهديدات عابرة لحدودهما المشتركة. وفاقم من هذا التوتر إعلان المعارض الكونغولي البارز كورنيلي نانجا (وهو صديق مقرب من الرئيس السابق جوزيف كابيلا وكان من المجموعة التي رتبت السبل أمام وصول تشيسيكيدي للرئاسة في انتخابات 2018 التي كانت مثيرة للجدل وقتها) من العاصمة الكينية نيروبي منتصف ديسمبر 2023 (أي بعد أيام من سحب القوات الكينية من الكونغو) عن قيام تنظيم معارض لتشيسيكيدي حمل اسم “تحالف نهر الكونغو” Congo River Alliance (AFC) ([14]).

ويطل شبح جنوح الكونغو إلى عزلة إقليمية سياسيًا مع فتور استجابة كينيا وجماعة شرق أفريقيا إزاء احتجاجات كينشاسا في وقتها (التي استدعت سفيرها في نيروبي، ودبلوماسييها في جماعة شرق أفريقيا في دار السلام للتشاور). وفاقم من احتمالات هذا السيناريو طبيعة الاستجابة الكينية بعد أكثر من 48 ساعة التي أدت على تعقيد المشكلة إذ نأت الخارجية الكينية بنفسها عن أية بيانات قد تلحق الأذى والضرر بأمن دولة جمهورية الكونغو الديمقراطية الصديقة ووعدت بالتحقيق في مسألة قيام “تحالف نهر الكونغو” انطلاقًا من نيروبي. وتلا تلك الرسالة على الفور إعلان الرئيس الكيني وليام روتو (الذي يرجح عدد من المقربين منه قيامه بإدارة ملف الكونغو شخصيًا) يدعي فيه أن عقد المؤتمر الصحفي للجماعة الكونغولية جاء في جو “الديمقراطية في كينيا” وهو ما ردت عليه كينشاسا على الفور بالتذكر ببنود الاتفاق الإطاري الذي وقعته دول المنطقة في أديس أبابا 2013 ويمنع بصرامة أي تعاطف من دول الإقليم مع الجماعات المسلحة الكونغولية عوضًا عن حظر مساعدتها بأي وسيلة كانت. ورصدت تقارير صحفية وصف مقرب من الرئيس فيليكس تشيسيكيدي لما تم بأنه “خيانة من حليف” تشهد العلاقات معه بالفعل تدهورًا متصاعدًا.

 وفي ضوء قراءة موقع كينيا من إقليم شرق أفريقيا وقدرتها المستمرة على التأثير في التغيرات به يبدو من المحتمل توجه كينشاسا إلى خيار العزلة مرحليًا على الأقل في سني حكم تشيسيكيدي الأولى.

الاقتصاد الكونغولي: الإصلاح في مواجهة التحديات العالمية

روج تشيسيكيدي خلال جولته الانتخابية القصيرة لتحقيقه في فترة رئاسته الأولى أداءً اقتصاديًا مهمًا تمثل في تحقيق البلاد نموًا اقتصاديًا معقولًا لكن التضخم وتداعيات الأزمات العالمية مثل كوفيد-19 والأزمة الروسية- الأوكرانية خصمت كثيرًا من مردودات هذا النمو ودفعت قطاعات كبيرة من الشعب الكونغولي إلى مستويات معيشة أكثر تراجعًا ([15]) كما حال أغلب دول القارة الأفريقية.

بأي حال فقد سجل تشيسيكيدي خلال فترة رئاسته الأولى، رغم بعض الانتقادات الصائبة حول كفاءته اقتصاديًا، قدرًا من النجاح في إدارة الاقتصاد الكونغولي. ورغم انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال الجائحة لكنه حقق تعافيًا متواضعًا (مثل في مجمله تحسنًا نسبيًا). وقد ارتفع النمو إلى 8.92% في العام 2022 من 6.20% في العام 2021 فيما مثل قطاع التعدين محركًا رئيسًا للاقتصاد الكونغولي. وفي العام 2022 انضمت الكونغو للجماعة الاقتصادية الشرق أفريقية عضوًا سابعًا بها. وكانت الخطوة تستهدف بالأساس تعزيز العلاقات التجارية وخفض التوتر مع جارات جمهورية الكونغو الديمقراطية. وأتاحت الخطوة للأخيرة الوصول لأسواق 146 مليون مستهلك والقدرة على البدء في استيراد مزيد من السلع من جاراتها في شرق أفريقيا. كما وقعت الكونغو اتفاقًا تعدينيًا مع دولة الإمارات العربية المتحدة في يوليو 2023 بقيمة 1.9 بليون دولار يتعلق بتطوير ما لا يقل عن أربعة مناجم في شمال شرقي الكونغو. واكتسبت مثل هذه الاتفاقات -بشكل عام- أهمية فائقة كون التعديد القطاع الاقتصادي الأبرز في الكونغو والمحرك الرئيس للنمو الاقتصادي بها. كما اهتم تشيسيكيدي بالبنية الأساسية وأنجز في عهده مشروعًا هامًا تمثل في طريق بطول 240 كيلومتر من مناطق التعدين شرقي البلاد ويربط بين زامبيا وتنزانيا وصولًا إلى السواحل التنزانية ([16]).  

وانطلاقًا من هذا الأداء في فترة رئاسته الأولى ستواجه الكونغو في الفترة الراهنة والمقبلة ضغوطًا على العملة الصعبة بسبب الإنفاق على الأمن والعمليات السياسية المختلفة مثل الانتخابات مع تراجع الفرنك الكونغولي بنسبة 20% مقابل الدولار. وسيعمل تشيسيكيدي في الفترة المقبلة على الوصول لمصادر دخل جديدة وبالأساس عبر تجديد المفاوضات مع الصين للوصول لاتفاق تعديني (قدرت قيمته المبدئية بنحو 6.2 بليون دولار)، وأن يدفع تشيسيكيدي بقوة لنيل الدولة حصة 70% من شركة سيكوماينز Sicomines الصينية الكونغولية والتي لا تزال عند 32% في الوقت الحالي. ويعول تشيسيكيدي بقوة على هذا الاتفاق لتحقيق دفعة في عائدات الدولة، وضخ استثمارات صينية في المدارس والطرق والمستشفيات ([17]).  

ويتوقع بقوة أن يواجه تشيسيكيدي العديد من التحديات الاقتصادية في فترة رئاسته الثانية وأبرزها ارتفاع الدين العام بشكل مبالغ فيه للغاية، والاعتماد على البترول (الذي يدر نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي) والتقلبات المحتملة في أسعار البترول العالمية، وانتشار الفقر المدقع في ظل نظام إداري فاسد والافتقار لتوزيع عادل لعائدات البترول على المواطنين، وتدني الاستثمارات الحكومية في قطاعات النقل والصحة والتعليم (نسبيًا لتحقيق تشيسيكيدي طفرة في قبول الطلاب في مرحلة التعليم الأساسي المجانية في فترة رئاسته الأولى ويتوقع أن تنسحب هذه التطورات على المراحل التعليمية اللاحقة في فترة الرئاسة الثانية)، وانخفاض جاذبية بيئة الاستثمارات في الكونغو للاستثمارات الخارجية باستثناء الموجهة لقطاعات التعدين، وكذلك تداعيات التغير المناخي التي يمكن أن تؤثر بقوة على تطوير القطاع الزراعي في البلاد([18])

بأي حال فإن تشيسيكيدي قد يضع نصب عينيه في الفترة الرئاسية الجديدة الدفع بقوة وراء مشروعات التعاون الاقتصادي الإقليمي (والتي باتت تحظى بغطاء دعم دولي غير مسبوق لاسيما من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إضافة إلى الشريك التنموي الرئيس لدول القارة الأفريقية: الصين مع مراعاة توفر البيئة الملائمة فيما يتعلق بعلاقات دول الإقليم البينية) لاسيما المشروع الأبرز في إقليم وسط أفريقيا والمعروف بممر لوبيتو، وهو طريق يربط جنوبي جمهورية الكونغو الديمقراطية وشمال غرب زامبيا بالأسواق العالمية عبر ميناء لوبيتو في أنجولا وعد إلى جانب كونه ممرًا لتصدير السلع التعدينية بمثابة منصة راسخة لنمو اقتصادي مستقبلًا في الدول الثلاث ومن بينها الكونغو التي يتوقع أن تكون المستفيد الأكبر نسبيًا بالنظر إلى ثرائها بالثروات المعدنية مثل النحاس والكوبالت والمعادن الأساسية الأخرى المطلوبة للتحول الطاقوي الأخضر ([19]).

خلاصة

تواجه الرئيس الكونغولي تشيسيكيدي في فترة رئاسته الثانية بعد فوزه بانتخابات ديسمبر 2023 الرئاسية العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية ومع دول الإقليم أيضًا وهو ما يؤشر إلى أن هذه الفترة ستكون مزدحمة بصدامات ونزاعات بالغة الخطورة على مستقبل جمهورية الكونغو الديمقراطية وقدرة رئيسها على تجاوز فترة الأعوام الخمسة المقبلة بأقل الخسائر الممكنة أو تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن الكونغولي.  

الهوامش


1-Reuben Loffman, DRC elections: three factors that have shaped Tshisekedi’s bumpy first term as president, The Conversation, December 6, 2023 https://theconversation.com/drc-elections-three-factors-that-have-shaped-tshisekedis-bumpy-first-term-as-president-217018

2-        

[3]– Maher Hajbi, Nelly Fualdes and Yara Rizk, As DRC votes, what kind of economy will the victor inherit? The Africa Report, December 20, 2023 https://www.theafricareport.com/331131/as-drc-votes-what-kind-of-economy-will-the-victor-inherit/

[4]Reuben Loffman, DRC elections: three factors that have shaped Tshisekedi’s bumpy first term as president, Op. Cit.

 5-Felix Tshisekedi set to be DR Congo’s leader for another five years, Op. Cit.

[6]-Katharine Houreld, Understanding the president’s win in Congo’s chaotic elections, the Washington Post, January 1, 2024 https://www.msn.com/en-us/news/world/understanding-the-president-s-win-in-congo-s-chaotic-elections/ar-AA1mhp3U

7- Saleh Mwanamilongo, DRC: Tough road to second term for Felix Tshisekedi, DW, January 2, 2024 https://www.msn.com/en-za/news/other/drc-tough-road-to-second-term-for-felix-tshisekedi/ar-AA1mmJ4W

 

8-Institute for Economics & Peace. Global Terrorism Index 2023: Measuring the Impact of Terrorism, Sydney, March 2023. Available from: http://visionofhumanity.org/resources (accessed on January 3, 2024), p. 84.

9-Reuben Loffman, DRC elections: three factors that have shaped Tshisekedi’s bumpy first term as president, Op. Cit.

[10] Institute for Economics & Peace. Global Terrorism Index 2023, Op. Cit. p. 38.

[11] Ibid, p. 82.

-12Saleh Mwanamilongo, DRC: Tough Road to second term for Felix Tshisekedi, Op. Cit.

[13] East African regional force starts withdrawing from DRC, France 24, December 3, 2023 https://www.france24.com/en/live-news/20231203-east-african-regional-force-begins-withdrawal-from-drc

[14] Kimberly White, Relations between the DRC and Kenya blurred by the announcement of a new rebellion, Daily News, December 28, 2023 https://www.dailynewsen.com/breaking/relations-between-the-drc-and-kenya-blurred-by-the-announcement-of-a-new-h128084.html

[15] Felix Tshisekedi set to be DR Congo’s leader for another five years, Op. Cit.

[16] Reuben Loffman, DRC elections: three factors that have shaped Tshisekedi’s bumpy first term as president, Op. Cit.

[17] Ibid.

[18] Congo (Democratic Republic of) Africa, 2024, Coface for Trade https://www.coface.com/news-economy-and-insights/business-risk-dashboard/country-risk-files/congo-democratic-republic-of

[19] Jaco Maritz, Zambia, DRC and Angola eye new economic opportunities from Lobito corridor, September 21, 2023 https://www.howwemadeitinafrica.com/zambia-drc-and-angola-eye-new-economic-opportunities-from-lobito-corridor/157869/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى