الأزماتالقضايا

بعد قمة جيبوتي: هل تنجح “إيجاد” في إنهاء الحرب السودانية؟

انعقدت القمة الحادية والأربعين الاستثنائية، لرؤساء دول وحكومات الهيئة الحكومية للتنمية “إيجاد” “IGAD”، في 9 ديسمبر الجاري 2023 في العاصمة جيبوتي، لبحث سبل إنهاء الحرب بين الجيش السوداني وبين قوات الدعم السريع المتمردة عليه، والتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة السودانية، وقد شهدت القمة حضور قادة وممثلي دول المنظمة الثمانية: جيبوتي، السودان، جنوب السودان، الصومال، كينيا، أوغندا، إثيوبيا، و إريتريا، فضلا عن حضور دولي موسع شمل الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وبعض الدول المعنية.

وقد أسفرت القمة – بحسب بيانها الختامي – عما يمكن اعتباره تطورا إيجابيا، على مسار وقف الحرب وتسوية الصراع، غير أن الخارجية السودانية سرعان ما رفضت بيان “إيجاد”، وشككت في مصداقية وحياد المنظمة، بسبب مضمون البيان الختامي الصادر في اليوم التالي لانعقاد القمة، بدعوى تغيير بعض الحقائق وتجاهل بعض المطالب السودانية، وفي ذات الوقت رحبت قوات الدعم السريع بالبيان، مشترطة تعامل عبد الفتاح البرهان مع مخرجات القمة، بصفته قائدا للجيش وليس رئيسا لمجلس السيادة، كما رحبت كل من: الأمم المتحدة، والخارجية الأمريكية، والاتحاد الأوربي، وبعض قوي الداخل السوداني بمخرجات القمة.

وفي ظل هذا التناقض الواضح بين المواقف المختلفة، وانعدام الثقة المتبادل بين كثير من الأطراف، يبرز التساؤل حول إمكانية نجاح “إيجاد”، في إخماد الحرب السودانية، وتسوية الصراع على السلطة؟، وتجيب هذه الورقة عن هذا التساؤل فيما يلي:

أولا: تطورات المشهد السياسي واندلاع الحرب السودانية

شهدت السودان تحولات سياسية عنيفة، كان أبرز محطاتها: ثورة الشعب على نظام عمر البشير “الانقاذ” الحاكم في ديسمبر عام 2018، وعندما تصاعدت موجات المد الثوري، التقط العسكريون زمام المبادرة واستأثروا بالسلطة، فواصلت القوي المدنية حراكها الثوري، فتوافق شقي المكون العسكري معا، ودخلوا في تفاوض مع القوي المدنية، تخلله مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وانتهى التفاوض إلى اتفاق على تشكيل مجلس سيادة، يتسلم السلطة لفترة انتقالية مدتها (39) شهرا، ويترأسه شخص عسكري في الـ (21) شهرا الأولى التي تنتهي في نوفمبر 2021، أما الـ (18) شهرا المتبقية فيترأسه عضو مدني، على أن يتم تشكيل حكومة تتكون من رئيس وعدد من الوزراء، لا يتجاوز عددهم (20) وزيرا، يعينهم رئيس مجلس الوزراء، من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، ويعتمدهم مجلس السيادة.([1])

تولي عبد الله حمدوك رئاسة مجلس الوزراء، وشكل حكومته التي مارست أعمالها في أجواء استثنائية، وفي سعيها نحو تحقيق السلام، بدأت في التفاوض مع مجموعة الفصائل المسلحة السودانية، والمعروفة باسم “الجبهة الثورية السودانية”، كما شكل حمدوك لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي حدثت في مذبحة فض اعتصام القيادة العامة، وهي الخطوة التي أثارت حفيظة المكون العسكري، لدرجة أنهم سعوا سعيا حثيثا نحو عرقلة أي إجراءات تتم في هذا التحقيق،([2]) وفي أكتوبر 2020 وقع المجلس السيادي والحكومة اتفاق “جوبا” للسلام، مع غالبية فصائل “الجبهة الثورية السودانية”.([3])

وخلال عام تشظت القوي السياسية وتفرقت كلمتهم، ومن أبرز هذه الانشقاقات انقسام قوي الحرية والتغيير إلى فريقين: “مجموعة الميثاق الوطني” و”مجموعة المجلس المركزي”، برؤيتين مختلفتين حول السبيل إلى الخروج من الأزمة.([4])

وفي سبتمبر 2021 أعلن الجيش إحباط محاولة انقلاب، وصرح حمدوك بأن ما حدث لا يعدو أن يكون انقلابا مدبرا، من جهات داخل وخارج القوات المسلحة، يستهدف إجهاض الانتقال المدني الديمقراطي.

وفي أكتوبر 2021 رفض حمدوك طلبا للبرهان ونائبه محمد حمدان دقلو “حميدتي”، حيث طلبا حل الحكومة وتعيين حكومة جديدة بدلا منها، على إثر ذلك دعت “مجموعة الميثاق الوطني إلى التظاهر، بدعوى أن “مجموعة المجلس المركزي” تسيطر على حكومة حمدوك، وتحولت المظاهرات إلى اعتصام أمام القصر الرئاسي، ودعا المتظاهرون إلى حل هذه الحكومة.

وفي 25 أكتوبر 2021 قام البرهان بموجة اعتقالات غير مسبوقة، شملت رئيس الحكومة ومعظم الوزراء وقيادات سياسية ورؤساء أحزاب، إلى جانب السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون، والانتشار العسكري الكثيف في الشوارع والطرقات، وأعلن حالة الطوارئ، وعلق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية، وجمد عمل لجنة التمكين، وأعلن الالتزام باتفاق جوبا للسلام، وبأنه سيعمل على تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، تحكم البلاد حتى موعد إجراء الانتخابات في يوليو، وأعلن “حميدتي” أن هذه القرارات تهدف إلى صحيح مسار الثورة.([5])

على إثر ذلك دعت قوي الثورة للتظاهر والاعتصام، للمطالبة بالعودة إلى المسار الديمقراطي، وتسليم السلطة للمدنيين في موعده غايته شهر، وهو ما دعا البرهان إلى عقد اتفاق سياسي مع حمدوك، أعاده بموجبه لرئاسة الحكومة، على أن يقوم بتشكيل حكومة مدنية، مكونة من الكفاءات الوطنية المستقلة، وتحدث الاتفاق عن عدة أمور تتعلق بإدارة الفترة الانتقالية، منها أن مجلس السيادة يشرف على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية، الواردة في المادة الثامنة من الوثيقة الدستورية، دون أن يتدخل مباشرة في العمل التنفيذي، لكنه لم يتحدث عن تسليم رئاسة المجلس السيادي إلى المدنيين فيما تبقي من المرحلة الانتقالية.([6])

ومن هنا استمرت التفاعلات الثورية، واستقال حمدوك من منصبه، وتواصلت الانقسامات النخبوية، وبوساطة الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي و”إيجاد”) والمجموعة الرباعية (الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات والسعودية)، وقع مجلس السيادة في ديسمبر 2022 اتفاقا إطاريا، مع جانب من القوي والأحزاب السياسية المدنية، في مقدمتها تحالق قوي الحرية والتغيير مجموعة المجلس المركزي، غير أن الاتفاق أرجأ بعض القضايا الخلافية، من بينها العدالة الانتقالية وإصلاح قطاع الأمن، وكما هو الحال دائما انقسمت النخب السودانية، بين مؤيد ومعارض لهذا الاتفاق الإطاري، وفي ذات الوقت بدأ الخلاف بين شقي المكون العسكري يطفو على السطح. وعندما بدأ الجيش مناقشات حول إصلاحات قطاع الأمن، تصاعدت التوترات بين البرهان و”حميدتي” بشكل حاد، حول الإطار الزمني لدمج قوات الدعم السريع في الجيش، وقيادة الجيش بعد الدمج، وعلى إثر ذلك بدأ الجانبان في تخزين الأسلحة في مواقع رئيسية، بما في ذلك الخرطوم، وفي 15 أبريل 2023 اندلع اقتتال مسلح عنيف بين الطرفين، و تبادَل الطرفان الاتهام بالبدء بالاعتداء، ورفَع كل منهما شعار الحفاظ على الدولة وعلى مكتسبات الثورة.([7])

ثانيا: جهود التسوية خارج منظمة “إيجاد”

نظرا لأهمية السودان كدولة تاريخية، لها موقعها الاستراتيجي، ومقوماتها بالغة الأهمية، حاولت أطراف دولية وإقليمية كثيرة إنهاء الحرب وتسوية الصراع، عبر طرح مبادرات سلمية، وعرض استضافة مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، ومن ذلك استضافة مصر في يوليو 2023، قمة دول جوار السودان، لبحث سبل إنهاء الحرب وتسوية الصراع، إلا أن هذه الجهود جميعا لم تلقي تجاوبا من طرفي الصراع، ولم تسفر عن شيء باستثناء بعض المهادنات الإنسانية القصيرة.([8])

ومن أبرز مساعي التسوية، انعقاد عدة جولات من المفاوضات غير المباشرة، في منبر جدة برعاية سعودية أمريكية، بدأت أولها في 6 مايو 2023 بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الصراع، وفي يومها الخامس أعلنت الدولتان الراعيتان للمفاوضات، أن ممثلي طرفا القتال وقعوا على قبولهم بهدنة قصيرة لوقف إطلاق النار، مع الاتفاق على الالتزام بحماية المدنيين واستعادة الخدمات الأساسية، وانسحاب القوات من المستشفيات والعيادات، والسماح بدفن الموتى باحترام، لكن لم يتم تفعيل الاتفاق وتم اختراق للهدنة.([9])

في 14 مايو 2023 انطلقت الجولة الثانية من محادثات جدة، ونوقش الاتفاق على هدنة جديدة تتضمن تحديداً لممرات آمنة للمدنيين، وإخلاءً فوريا لقوات الدعم السريع للمستشفيات والمرافق الحكومية الخدمية ومنازل المواطنين، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، وفي 31 مايو 2023 قرر الجيش تعليق مشاركته في هذه المحادثات، بسبب عدم تنفيذ قوات الدعم السريع، للبند الخاص بانسحابهم من المستشفيات ومنازل المواطنين، وخرقهم المستمر للهدنة.([10])

في 25 أكتوبر 2023 بدأت الجولة الثالثة من محادثات جدة، وركزت على تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وتحقيق وقف إطلاق النار، وبناء الثقة توطئة لوقف دائم للأعمال العدائية، ولم تتناول قضايا ذات طبيعة سياسية، وفي هذه الجولة تم إضافة “إيجاد” والاتحاد الإفريقي ضمن ميسري التفاوض، غير أن المفاوضات تعثرت بعد أن أخفق الطرفان في التفاهم على مطلب الجيش، الخاص بخروج الدعم السريع من الأعيان المدنية، وإنهاء المظاهر العسكرية في الطرقات والمدن، الأمر الذي رفضه مفاوضو الدعم السريع، حيث تمسكوا بالإبقاء على الارتكازات ونقاط التفتيش، في المناطق الخاضعة لسيطرتهم بالعاصمة، ومن هنا قررت الجهات الميسرة تعليق المفاوضات، وغادر ممثلو الطرفين للتشاور مع قادتهم.([11])

ثالثا: جهود منظمة “إيجاد” نحو انهاء الحرب وتسوية الصراع

دأبت “إيجاد” مذ بدأت الأزمة السودانية، على طرح رؤى ومقاربات تهدف لتسوية الأزمة وتحقيق الانتقال الديمقراطي، وقد كثفت “إيجاد” مساعيها في أعقاب اندلاع الصراع المسلح، بين الجيش والدعم السريع، حيث دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، وفي 26 أبريل 3023 طرحت مبادرة قوامها تمديد الهدنة، التي توصلت إليها وساطة سعودية أميركية، لمدة 72 ساعة أخري، ودعت طرفي الحرب إلى إرسال مبعوثيهما إلى العاصمة جوبا للتفاوض، وأبدي الجيش موافقة مبدئية إلا أن قوات الدعم السريع لم تستجب.([12])

وبعد إخفاق منبر جدة في جولته الأولي، عقدت “إيجاد” قمة في جيبوتي في 12 يونيو 2023، وطرحت مبادرة قوامها تشكيل لجنة رباعية برئاسة كينيا لمتابعة الملف السوداني، ودعت إلى تنظيم لقاء مباشر يجمع بين قائدي الجيش والدعم السريع، وإدارة حوار وطني بين القوى المدنية السودانية لبحث أزمة البلاد، غير أن الخارجية السودانية اعترضت على بعض ما جاء بالبيان الختامي للقمة، وبخاصة رئاسة الرئيس الكيني “وليم روتو” للجنة الرباعية، وطالبت بالإبقاء على رئيس جنوب السودان رئيسا لهذه اللجنة.([13])  

وفي 10 يوليو استضافت أديس أبابا قمة لـ “إيجاد”، لبحث الحرب السودانية وسبل إنهائها، وامتنع الوفد الحكومي السوداني المتواجد في أديس أبابا، عن حضور جميع الاجتماعات اعتراضا على رئاسة كينيا للجنة الرباعية، وقال الوفد مبررا امتناعه أن الحكومة السودانية طلبت منذ قمة جيبوتي السابقة، تغيير الرئيس “روتو” لعدم حياده، إلا أن المنظمة لم تستجب للمطالب السودانية، وفي بيانها الختامي أكدت القمة على أن المنظمة تسعي إلى وقف إطلاق النار، وأنها تتشارك الأهداف التي يسرتها السعودية والولايات المتحدة عبر منبر جدة، من أجل الوصول إلى حل سياسي، وجددت عزمها على عقد مفاوضات مباشرة، بين قائدي الجيش والدعم السريع.([14])

وعلى هامش هذه القمة التأم الاجتماع الأول لرباعية “إيجاد”، وترأسه الرئيس الكيني “روتو” بحضور رئيس وزراء إثيوبيا “آبي أحمد” ومندوبين عن جيبوتي وجنوب السودان، وبخلاف أعضاء الرباعية حضر الأمين التنفيذي لـ “إيجاد”، ومفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، وممثلين عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والاتحاد الأوروبي، وممثلين عن مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وممثلين عن قوات الدعم السريع، وانتهي الاجتماع إلى أنه لا يوجد حل عسكري للصراع، وقرر حشد وتركيز جهود جميع أصحاب المصلحة، من أجل عقد لقاء وجهاً لوجه بين قائدي الطرفين المتحاربين، مع حثهما بشدة على وقف فوري للأعمال العدائية، والتوقيع على وقف غير مشروط وغير محدد لإطلاق النار، ودعوة قوة شرق أفريقيا الجاهزة “EASF” التابعة للاتحاد الأفريقي، لعقد اجتماع من أجل النظر في إمكانية نشر قواتها، لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية،([15])

وقد رفضت الخارجية السودانية مخرجات القمة والاجتماع، وانتقدت بشدة تصريحات لكل من “روتو” و”آبي” اعتبرتها تصريحات عدائية، ورفضت بشكل قاطع الدعوة إلى نشر قوات تابعة لقوات شرق افريقيا الجاهزة على أراضيها، واعتبرت ذلك بمثابة مساس بسيادة دولة السودان واستقلاها، وهددت بالانسحاب من “إيجاد”.([16])

وفي 6 سبتمبر 2023 استضافت العاصمة الكينية نيروبي الاجتماع الثاني للرباعية، وانتهي إلى الدعوة إلى توحيد جهود التسوية تحت منبر واحد تقوده “إيجاد”، وأكد على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع، وحث الاجتماع الأطراف على الوقف الفوري لإطلاق النار، وطالب باتباع نهج منظم تجاه محادثات السلام بين المتحاربين، وبإجراء مشاورات شاملة مع الجهات الفاعلة المدنية، وبتسريع المشاورات لرسم خريطة تحدد المكان وجدول الأعمال، والمشاركين والمسائل الأخرى ذات الصلة، لدعم حوار سياسي يقود إلى عملية سياسة واضحة يملكها ويقودها السودانيون، والتزم الاجتماع بجمع مليون دولار من كل دولة عضو في “إيجاد”، من أجل دعم المساعدات الإنسانية للشعب السوداني.([17])

رابعا: مخرجات قمة “إيجاد” الأخيرة في جيبوتي ومواقف الأطراف منها

بعد هذا التوتر المستمر بين “إيجاد” وقيادة وحكومة الجيش السوداني، بادر البرهان بزيارات متتابعة لعواصم دول “إيجاد”، في محاولة لتطبيع علاقاته معهم ومع المنظمة، حيث زار في النصف الأول من سبتمبر 2023 كلا من: جنوب السودان وإريتريا وأوغندا، وفي النصف الثاني من نوفمبر 2023، زار إثيوبيا وكينيا وجيبوتي وإرتيريا مرة أخري، ويبدو أن قادة هذه الدول أظهروا له دعمهم، أو على الأقل أكدوا له عدم انحيازهم إلى جانب “حميدتي”، فدعا إلى عقد قمة لـ “إيجاد” وقرر حضورها بنفسه.([18])

وانعقدت القمة في جيبوتي في 9 ديسمبر 2023، وصدر بيانها الختامي متضمنا جملة من المؤشرات التي تبعث على التفاؤل، حيث أكد البيان الختامي على أن قادة “إيجاد” – ضمن أمور أخرى – تمكنوا من إقناع البرهان و”حميدتي” بعقد لقاء وجها لوجه من أجل التفاوض المباشر، وأنهما التزما بالوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار، وقررت القمة حل اللجنة الرباعية بعد أن قدمت تقريرها برئاسة كينيا، والاستعاضة عنها بلجنة موسعة تضم دولا وجهات جديدة، تضم الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، ومصر، والسعودية، والإمارات، ودول “ايجاد” الثمانية، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، ومما زاد التفاؤل بمخرجات القمة ترحيب الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي بها، فضلا عن ترحيب بعض القوي السياسية السودانية نها، مثل قوى الحرية والتغيير “الكتلة الديمقراطية” وحركة العدل والمساواة.([19])

ومن ناحية أخري رحبت قوات الدعم السريع بمخرجات القمة، وقالت في بيان لها أنها تشجع المساعي الدولية لتوحيد المبادرات، من أجل التوصل إلى حل سياسي تقوده “إيجاد” والاتحاد الأفريقي، وأن وفدها تواجد بمقر انعقاد القمة لكنها رفضت حضوره الاجتماعات، اعتراضا على مشاركة البرهان بصفته رئيساً لمجلس السيادة السوداني، بدعوى أنه لا يمتلك الشرعية الدستورية أو القانونية أو الفعلية التي تؤهله للمنصب، وأضاف بيان الدعم السريع أن “حميدتي” عبر لمن حادثهم تليفونيا من أطراف القمة، عن رغبته في وقف إطلاق النار والمضي قدما في العملية السياسية، بشرط أن تقود إلى معالجة جذور الأزمة في السودان، وتُفضي إلى تأسيس دولة سودانية جديدة، بما في ذلك تأسيس جيش وطني قومي ومهني جديد ينأى عن السياسة، وأنه وافق على عقد اجتماع رسمي بينه والبرهان، شريطة أن يحضر البرهان بصفته قائداً للجيش وليس رئيساً لمجلس السيادة.([20])

أما عن موقف البرهان من بيان “إيجاد” الختامي، فقد سارعت الخارجية السودانية إلى الاعتراض على كثير مما تضمنه البيان مطالِبةً بما يلي:-([21])

  • حذف الإشارة إلى مشاركة وزير الدولة بوزارة خارجية دولة الإمارات العربية في القمة، اذ أن ذلك لم يحدث.
  • حذف الاشارة الى عقد رؤساء “إيجاد” مشاورات مع وفد مليشيا الدعم السريع المنحلة، ذلك بأن البرهان وهو أحد رؤساء “إيجاد”، لم يشارك ولم يسمح بالمشاورات مع ممثلي التمرد، مع العلم بأن وفد التمرد وصل في طائرة وزير الدولة بوزارة خارجية دولة الإمارات.
  • تصحيح ما ورد بشأن موافقة البرهان على لقاء قائد التمرد دون شروط، حيث اشترط لذلك إقرار وقف دائم لإطلاق النار، وخروج قوات التمرد من العاصمة وتجميعها في مناطق خارجها.
  • حذف الفقرة التي تشير لمكالمة هاتفية بين رؤساء “إيجاد” وقائد التمرد، إذ أن هذه المكالمة تمت بين الرئيس الكيني وقائد التمرد وبعد انتهاء القمة، وبالتالي لا تُعد من أعمال القمة، حتى يشار إليها في البيان الختامي.
  • تعديل الفقرة التي تدين التدخلات الخارجية، بحيث لا تتضمن المساواة بين القوات المسلحة والتمرد.
  • تضمين الإشارة إلى تقديم جمهورية مصر العربية، “مبادرة دول جوار السودان”، في الفقرة التي تتحدث عن المبادرات لحل الأزمة في السودان.
  • النص على ضرورة التشاور مع حكومة السودان، والحصول على موافقتها، في أي مسعى لحل الأزمة.

استنتاجات

على الرغم من التفاهمات الثنائية التي جرت بين البرهان وقادة دول “إيجاد” قبيل القمة، اشتد الخلاف بين “إيجاد” والبرهان وحكومته، بعد صدور البيان الختامي للقمة، ويبدو أن المشهد ازداد تعقيدا، بعدما أصر قادة “إيجاد” على مواقفهم ونهجهم حيال الأزمة السودانية، حيث يصرون على معاملة طرفي الصراع – رسميا – على قدم مساواه، دون التورط في الانحياز لأحدهما على حساب الآخر، ويبدو أن الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى بلا استثناء، تتبني – رسميا أيضا – نهجا مماثلا، وبخاصة وأن لديها قائمة أخري طويلة، من الصراعات المشتعلة حول العالم، تحول دون انخراطها بثقل في تسوية الصراع السوداني.

والمؤكد من خلال التحليل السابق، أن هناك تقاطع بين مصالح عد كبير من الأطراف الخارجية للأزمة السودانية، وبصورة يصعب إن لم يستحيل التوفيق بينها، وبخاصة وأن هناك مؤشرات قوية على غلبة وفاعلية الدعم الخفي، الذي تقدمه بعض الأطراف لقوات الدعم السريع، من داخل “إيجاد” ومن خارجها أيضا.

وتفسر هذه السياقات من ناحية أولي عدم نضوج الصراع، بمعني أن طرفيه المباشرين لا يزال كل منهما، على قناعة بأنه يمكنه حسمه لصالحة، لذا يقف كل منهما في المفاوضات على حافة الهاوية، ولا يبدي ثمة مرونة، ومن ناحية ثانية رغبة بعض الأطراف الخارجية، في استمرار الصراع، أملا في التحكم فيه وتوجيهه باتجاه مصالحها.

في ضوء ما تقدم، وفي ظل انقسام القوي المدنية والنخب السياسية السودانية على أنفسها،  يمكننا القول بأن الحديث عن تسوية الصراع السوداني لا يزال مبكرا، وأن “إيجاد” بما يجري في كواليسها، وبمواقفها المعلنة، ومواقف أعضائها غير المعلنة، لن تستطيع في المدي القريب (عام 2024) إنهاء الحرب السودانية، فضلا عن تسوية الصراع على السلطة وتحقيق الانتقال الديمقراطي، ما لم يتغير واقع المعركة على الأرض لصالح طرف على الآخر، أو يقتنع الطرفان تماما بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، مع استبعاد سيناريو تقسيم السودان الكامن في خلفية الصراع، والذي لو نَشِطَ لتغيرت المعادلة تماما.


([1]) موقع الجزيرة نت، “الآلاف أحيوا ذكراها الثالثة.. أبرز المحطات السياسية في السودان منذ ثورة ديسمبر”، نشر في 20 ديسمبر 2021، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://tinyurl.com/2v2mmwpr

([2]) نفسه.

([3]) زيد العلي، “إتفاق جوبا لسلام السودان: ملخص وتحليل“، (ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، أوراق سياسية، ٢٠٢١) ص ص ٧-٤٥.

([4]) أمين موسى، “الحرية والتغيير في السودان .. جناحان وموقفان من الأزمة”، علي موقع العربية، نشر في 16 يناير 2022، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://tinyurl.com/yc3k8xf7

([5]) موقع الجزيرة نت، “الآلاف أحيوا ذكراها الثالثة . . . مرجع سبق ذكره.

([6]) موقع الجزيرة نت، “السودان.. بنود الاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك”، نشر في 21 نوفمبر 2021، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://tinyurl.com/3cjfx3xd

([7]) موقع الجزيرة نت، “السودان.. مجلس السيادة يعلن استعداد الأطراف غير الموقعة على الاتفاق الإطاري لاتفاق سياسي ينهي الأزمة”، نشر في 19 مارس 2023، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://tinyurl.com/3a5bzfc2

([8]) د. مبارك أحمد، “حدود نجاح جهود الوساطة فى تسوية الصراع السوداني”، علي موقع القاهرة الإخبارية، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://alqaheranews.net/news/24268/

([9]) موقع الجزيرة، “ترحيب دولي وسوداني بتوقيع “إعلان جدة” والسعودية: الاتفاق خطوة أولى ستتبعها خطوات أخرى”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/y6k93erd

([10]) موقع فرانس 24، “الجيش السوداني يعلق مشاركته في مفاوضات جدة وسط استمرار المعارك رغم الهدنة الجديدة”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/ymu98p

([11]) مركز التقدم العربي للسياسات، “المشهد السوداني: عودة للمسار العسكري بعد فشل منبر جدة في وقف النار” علي الموقع الإلكتروني للمركز، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/yy7sk8xz

([12]) منى عبد الفتاح، “دور “إيقاد” في حل أزمة فرقاء الحكم في السودان”، علي موقع إندبندنت عربية، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://www.independentarabia.com/node/301801/

– محمد أمين ياسين، “«الإيقاد» تعقد قمة لحل أزمة السودان”، علي موقع صحيفة الشرق الأوسط، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/y5kwrm4s

– موقع الحدث، خارجية جنوب السودان: نجد صعوبة في التواصل مع حميدتي منذ 6 أيام”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://hdth.tv/rfe3k

([13]) موقع فرانس 24، “هل تنجح مبادرة “إيغاد” الأفريقية فيما فشلت فيه المبادرة الأمريكية السعودية لحل الأزمة السودانية؟”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/4ww5u7ty

([14]) موقع العربية، “إيغاد” تأسف لغياب حكومة السودان.. وتدعو لمفاوضات مباشرة، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/9xmrke6r

([15]) موقع دابنجا، “البيان الختامي للاجتماع الأول لمجموعة الايقاد الرباعية بشأن حل الأوضاع بجمهورية السودان”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/3e4kb34j

([16]) موقع وكالة السودان للأنباء سونا، “السودان يرفض قرار لجنة الايقاد بنشر قوات اجنبية في السودان”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/2dkkbnp7

([17]) موقع سودان تريبون، “رباعية «إيقاد» تلتئم بنيروبي وتجدد الإلتزام بجمع أطراف القتال السودانية”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://sudantribune.net/article276927/

([18]) مواقع إلكترونية مختلفة، زيار البرهان لـ (6) من دول “ايجاد” قبيل انعقاد قمتها الأخيرة، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

http://tinyurl.com/scmfj9rv

http://tinyurl.com/3dh3dwvr

http://tinyurl.com/mvvp8ff6

https://www.aljarida.com/article/38050

http://tinyurl.com/bdze84f8

http://tinyurl.com/4kwbp3b6

([19]) موقع أخبار السودان، “البيان الختامي لقمة إيغاد الاستثنائية يؤكد على موافقة طرفي النزاع في السودان بوقف إطلاق النار وحل النزاع عبر الحوار السياسي دون شروط”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

– موقع إرم، “قوى سودانية ترحب بمخرجات قمة “إيغاد” وتستهجن بيان وزارة الخارجية”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://www.eremnews.com/news/arab-world/h58itsh70g

– موقع السودانية نيوز، “الاتحاد الأوروبي يرحب بنتائج قمة الايقاد بشان السودان ويدعو طرفي الصراع الالتزام بالتعهدات”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://alsudania.news/blogDetails.aspx?Id=11495

– موقع سكاي نيوز عربية، “ترحيب أميركي بنتائج قمة الإيغاد.. وخارجية السودان ترفضها”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

https://tinyurl.com/mr28smvj

([20]) موقع الراكوبة نيوز، “البرهان يرفض مخرجات قمة إيغاد وحميدتي يرحب”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

([21])  موقع سودان برس، “السودان يبلغ ايقاد عدم اعتماد البيان الختامي لقمة جيبوتي”، تحققت آخر زيارة بتاريخ 12 ديسمبر 2023 الساعة 1:05 م، على الرابط:

د. سعيد ندا

حاصل على دكتوراه العلوم السياسية - جامعة القاهرة متخصص فى الشئون الأفريقية مهتم بقضايا تحليل وتسوية الصراعات، والنظم السياسية، والحكم الرشيد وقضايا النظم الانتخابية والانتخابات، والتحول الديمقراطي، وجودة الديمقراطية وصدر له كتابان، وينشر في العديد من المجلات العلمية، ومراكز الفكر والدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى