الأزماتالقضاياتقدير المواقف

المواقف الإقليمية والدولية من الأزمة في السودان:قراءة في التفاعلات

كشفت التحركات الأخيرة في الأزمة السودانية بعد تجاوزها شهرًا كاملًا، مثل توجه يوسف عزت، مبعوث قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، إلى جوبا ومقابلة رئيس جنوب السودان سيلفا كير (17 مايو) في خطوة شجبتها الخرطوم بقوة، ثم توجهه إلى كمبالا (19 مايو)، وما تلاها من قرار رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان (19 مايو) بإقالة حميدتي “رسميًا” من منصبه نائبًا له في المجلس، عن عمق التأثير الإقليمي والدولي في الأزمة الراهنة إيجابًا وسلبًا، وكذلك عن استمرار رهن أي انخراط خارجي فعال في الشأن السوداني لصالح تسوية الأزمة بحزمة من المصالح التي قد لا تتطابق بالضرورة مع تطلعات الشعب السوداني في نهاية الأمر.

الموقف الخليجي: عصا بلا جزرة

حضرت دولتا الخليج العربي السعودية والإمارات في تفاعلات الأزمة السودانية الراهنة منذ إرهاصاتها عبر مظلة الرباعية الدولية (إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، وعبر تدخلات ثنائية في الشأن السوداني مثل ربط التوقيع على الاتفاق الإطاري (نهاية 2022) بإعلان الإمارات عن حزمة استثمارات في السودان بقيمة 6 بليون دولار، أو مواصلة سفارة السعودية في الخرطوم الدفع بأجندة الاتفاق الإطاري على حساب حقائق السياسة السودانية (دون تعهدات واضحة بدعم اقتصادي -كما في الحالة الإماراتية- باستثناء شمول السودان في خطط ررية السعودية 2030) وعدم واقعية الاتفاق بالأساس في مراعاة هذه الحقائق عوضًا عن قدرته على تقديم تسوية مستدامة على المدى القريب.

وحضر اسم الإمارات بقوة في إسناد قوات الدعم السريع في تحركاتها قبل 15 ابريل وما تلاها بحكم الصلات الواضحة مع حميدتي في السنوات الأخيرة وبدعم استخباراتي واضح من شريكة أبو ظبي في سياساتها الأفريقية بشكل عام: إسرائيل. وربما دلت تكتيكات ما عرفت بعملية مطار مروي التي أشعلت حدة المواجهات العسكرية وهددت بتحولها لأزمة إقليمية على تورط عناصر إسرائيلية في تدريب قوات الدعم السريع. وفي مقابل هذا الانحياز الإماراتي المفهوم لحميدتي تراجع حضور أبو ظبي فعليًا في أية جهود وساطة حقيقية لرفض مجلس السيادة والوقات المسلحة السودانية الواضح للتواصل مع الإمارات ووصول الأزمة الباردة إلى حد تصريح عضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا (جريدة الشرق الأوسط، 10 مايو) بضلوع “دول شقيقة” في إذكاء الأزمة في إشارة لا لبس فيها إلى الإمارات، لاسيما إذا وضعت إلى جانب تصريح غاية في الخطورة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتحذير أية دول شقيقة من التدخل في الشأن السوداني في إشارة أيضًا إلى دعم هذه الدول لميليشيات الدعم السريع حصرًا بالنظر إلى رؤية القاهرة للصراع على أنه مواجهة لمؤسسات الدولة السودانية لأزمة تمرد داخلي.

أما الرياض فإنها واصلت تدخلها “الناعم” في الشأن السوداني ونجحت بشكل كبير في قيادة جهود الوساطات المختلفة (الإقليمية مضافًا لها المبادرة الأمريكية) وبلورتها فيما عرفت بالمبادرة “الأمريكية- السعودية”، واستضافت في مدينة جدة محادثات “هدنة إنسانية” لتيسير ظروف ملائمة لوقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية بدت وقتها توقعات مفرطة في التفاؤل. وبالفعل لم يخرج إعلان جدة (11 مايو) بأية نتيجة حاسمة باستثناء ما ترشح (خارج نص الإعلان) عن بدء واشنطن والرياض بالفعل مناقشات حول تكوين “آلية قيادة مراقبة عسكرية وسياسية مشتركة” لتأمين تطبيق مخرجات الإعلان وبقيادة سعودية وامريكية بالأساس، مع ملاحظة قبول واشنطن منح الرياض اليد العليا في الإشراف على أية ترتيبات عسكرية ولوجيستية تتعلق بعمليات “المراقبة”.

ورغم تباين مواقف الإمارات والسعودية شكليًا فإن عجز الأخيرة عن تحقيق اختراق في مواقف البرهان وحميدتي من الأزمة بعد إعلان جدة، واستمرار تراجع الأولى في المشهد السوداني رغم محاولات فتح جبهة غربية (عبر دعم قائد الجيش الوطني الليبي حليفة حفتر)، يؤشر إلى مقاربة خشنة تنتهجها الدولتان تجاه السودان قوامها ضرورة تسوية الأزمة الحالية “بين طرفي نزاع” وتجاهل التداعيات الخطيرة لنمو قوة الدعم السريع على مجمل مستقبل السودان ووحدته وسيادته، ودافعًا بقوة إلى تصور وجود مصلحة للبلدين في استمرار السودان هشًا سياسيًا وعسكريًا يسهل في ظله الحفاظ على مكاسب اقتصادية وجيوسياسية هامة لصالحهما.

دول جوار السودان: خلافات حول رؤية التسوية

تضاربت مواقف دول جوار السودان من أزمته الأخيرة على نحو يعكس طبيعة اهتمامات ومخاوف هذه الدول بالأساس، ويمكن تقسيم تلك المواقف على النحو التالي:
1- دعم التسوية:اضطلعت مصر وجنوب السودان منذ ساعات الأزمة الأولى بجهد مشترك لتقديم مبادرة لحل الأزمة قبل تفاقمها، وجرت محادثات مباشرة بين الرئيسين السيسي وكير استهدفت صياغة هذه المبادرة. وبينما كانت القاهرة يؤرة التواصل الأمريكي والأوروبي والعربي لمقاربة الأزمة واستشراف هذه الأطراف مواقف العاصمة المصرية المرتقبة للحيلولة دون تمدد الأزمة فإن جنوب السودان باتت الوجهة “الأفريقية” المثلى لصياغة مبادرة تمثل مجموعة “الإيجاد” تحت شعار “حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية”. وبالفعل اصطفت المبادرة المصرية- الجنوب سودانية خلف الوساطة السعودية- الأمريكية منذ مطلع مايو الجاري تقريبًا، وكان هذا الاصطفاف مخرجًا معقولًا لقدرة السعودية على التواصل الفعال مع “طرفي الأزمة” عوضًا عن تحصلها على روافع اقتصادية وسياسية مهمة عليهما. ومع فشل “إعلان جدة” في تحقيق التزام بوقف العمليات، وتزايد قدرة القوات المسلحة السودانية على عزل حميدتي وقواته وبدء حملات “تمشيط” داخل العاصمة السودانية سعى الأخير للخروج من المأزق من البوابة الإقليمية. وبدأ مبعوثه يوسف عزت جهودًا في هذا السياق استهلها في جوبا (17 مايو) وعرض خلالها موافقة حميدتي على وقف شامل لإطلاق النار وترقبه موافقة مماثلة من الجيش السوداني. ومثلت هذه الجهود ضربة واضحة لمواقف جوبا “المتوازنة”، على الأقل من وجهة نظر الخرطوم، ودفعت الأخيرة إلى إدانة خطوة جوبا، والتي بادرت بدورها (20 مايو) بإعلان حيادها إزاء الأزمة في السودان.

2- دعم “الاحتواء المزدوج”
حرصت جيبوتي وتشاد وكينيا، وربما أوغندا المجاورة لجنوب السودان، على احتواء مواقف “طرفا الأزمة”. فقد شاركت جيبوتي وكينيا تحديدًا في جهود وساطة الاتحاد الأفريقي عبر جماعة “إيجاد” (ومخرجات قمتها الطارئة في 16 أبريل) التي استهدفت وقف التصعيد وإقرار وقف “دائم” لإطلاق النار، والعودة إلى خطوط 15 ابريل 2023. وقامت مواقف هذا التوجه على ضرورة احتواء الأزمة ودفع أطرافها إلى التراجع عن الصدام والعودة إلى “العملية السياسية” لحل الأزمة؛ وهي رؤية بدت خارج مسار الأزمة بالفعل وإدراك عدم إمكانية العودة إلى ما قبل 15 أبريل بالفعل لأن مطالب حميدتي والقوى السياسية المصطفة خلفه بخروج الجيش من العملية السياسية وتفكيكه بل والدعوة إلى تكوين جيش جديد نواته قوات الدعم السريع (التي تفتقر حتى في قياداتها للحد الأدنى من المعرفة العسكرية الأساسية حسب مصادر عسكرية) كانت تعني في حقيقتها استلاب مستقبل السودان لصالح رؤية ضيقة للغاية لا تستند إلا إلى أجندة دعم إقليمي- دولي.

وتعمل هذه الكتلة راهنًا على نجاح دبلوماسية “الاحتواء المزدوج” عبر إتاحة مساحات للحركة لمبعوث حميدتي “يوسف عزت”، واتضح ذلك في استقبال الرئيس الأوغندي يوري موسيفني (19 مايو، وقبل ساعات من قرار مجلس السيادة بإقالة حميدتي من منصبه نائبًا لرئيس المجلس) مما عبر عن مخاوف من تمكن الجيش السوداني من حسم الصراع والتحجيم الفعلي لحميدتي وقواته وشبكات ادواره الإقليمية (ومن بينها التعاون مع مجموعة فاغنر الروسية في وسط أفريقيا). وحسب بيان مقتضب من قوات الدعم فإن “مبعوث” حميدتي نقل رسالة شفوية من الأخير لموسيفني بحثا على إثرها “التطورات الامنية والسياسية في السودان في ضوء انقلاب 15 أبريل بواسطة قيادات القوات المسلحة والنظام البائد للاستيلاء على السلطة في البلاد بهدف قطع الطريق أمام الوصول إلى تحول ديموقراطي”، واكد البيان إبداء موسيفني “تفهماً كبيراً لطبيعة الأوضاع في السودان، داعياً إلى وقف الحرب وتغليب مصلحة الشعب السوداني لتحقيق الاستقرار في البلاد.”

اما تشاد فإنها سعت إلى تبني موقف متوازن بالأساس بسبب تعقيدات المشهد الداخلي بها ووجود امتدادات لتحالفات حميدتي القبلية والإثنية والارتزاقية داخل أراضيها أو وسط جماعات تشادية معارضة في الجنوب الليبي.
وعكست المواقف الملتبسة لهذا التوجه اقترابًا قائمًا على ضرورة احتواء الصراع بغض النظر عن تداعيات إطلاق يد قوات الميليشيات وتمكينها من احتكار السلطة في السودان بغطاء مدني بالغ السطحية وغير معبر عن جموع الشعب السوداني.

3- دعم استمرار الأزمة
يمكن اعتبار كل من إثيوبيا وإريتريا وليبيا (المنقسمة بين حكومة الوفاق في طرابلس وهيمنة “الجيش الوطني الليبي” في الشرق) أبرز قوى الجوار الجغرافي للسودان دعمًا لقوات الدعم السريع ومشروعها السياسي الذي يخدما مصالح هذه الأطراف بقوة. فقد حرصت إثيوبيا على إعاقة أي تمدد مصري في جهود الوساطة الإقليمية- الأفريقية (في خدمة مباشرة لحميدتي ولصالح إطالة الصراع وعدم حسمه)، كما انتهزت أديس أبابا الزخم الإعلامي حول السودان في مواصلة ما تطلق عليها عملية إنفاذ القانون في إقليم أوروميا. أما إريتريا فإنها عبرت عن دعمها للتسوية وضرورة وجود جيش وطني موحد لكن الرئيس أسياس أفورقي أكد في تصريحات تليفزيونية (مطلع مايو) تأييده لدمج قوات الدعم السريع داخل وحدات الجيش السوداني لكنه تحفظ على توقيتات الدمج وتحيز لرؤية حميدتي بتأكيده “لم يكن من الحكمة ربط خطوة الدمج بالمسار الانتقالي الحالي، فالمر يتطلب وقتًا أطول” مما يعبر عن غطاء إريتري كامل لاستطالة الأزمة في البلاد فيما بعد المرحلة الانتقالية بالأساس.

كما مثل حضور خليفة حفتر و”قوات الجيش الوطني الليبي”، المعروفة تاريخيًا بعلاقات وطيدة مع الإمارات ومجموعة فاغنر الروسية عوضًا عن انتماء حفتر المعروف لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في ظل “الإدارة الجمهورية”، في مسار دعم حميدتي وقواته عبر حدود البلدين تهديدًا كبيرًا لقدرة الجيش السوداني على قمع التمرد، وتهديدًا أكبر بتوفير ملاذ آمن لحميدتي حال هزيمته الكاملة.

الولايات المتحدة: سياسات حافة الهاوية
رغم انخراط الولايات المتحدة الوثيق في الشأن السوداني منذ عزل عمر البشير على وجه الخصوص فإن الرؤية الأمريكية للأزمة الراهنة انحازت أكثر لتبني سياسات دفع اطراف الأزمة نحو حافة الهاوية بشكل كامل أملًا في إعادة ترتيب المشهد السوداني بالكامل وفق رؤية واشنطن. واتضح ذلك في هجوم واشنطن الحذر على أدوار حميدتي في جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وفي السودان نفسه كوسيط لإمداد قوى إقليمية (من بينها الإمارات التي وردت في تقارير أمريكية مهمة كقوة مناوئة لمصالح الولايات المتحدة في ليبيا وتشاد ودول أفريقية عدة بينها السودان) بموارد السودان لاسيما الذهب، وكذلك لعبه دورًا مهمًا بالتعاون مع مجموعة فاغنر الروسية في عدة أزمات. ورغم أنه يمكن فهم الموقف الأمريكي في سياق تناقضات السياسات الخارجية الأمريكية من إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى الإدارة الحالية بقيادة جو بايدن، فإن واشنطن لم تلجأ لاستخدام أدواتها الفعالة لدعم حسم الجيش السوداني ومجلس السيادة مواجهته مع ميليشيات حميدتي وتراومت مواقفها في بداية الأزمة بين التحذير من مغبة تداعياتها الإقليمية (على نحو يصب مباشرة في إعادة ضبط الهيمنة الأمريكية في مختلف ملفات دول جوار السودان) لاسيما في دول الجوار (أعلنت واشنطن 20 مايو الجاري تخصيصها نحو 103 مليون دولار للدول المتأثرة بالأزمة في السودان لاسيما مصر وتشاد)؛ والدفع بقوة وراء سياسات السعودية بالأساس وفي مستوى يتجاوز أزمة السودان إلى مساعي إعادة ضبط العلاقات مع الرياض في ملفات أخرى بعد خطوة الأخيرة إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بوساطة صينية.

وحققت سياسات “حافة الهاوية” تلك عدة مكاسب لواشنطن أبرزها استنزاف قوى “طرفا الصراع” وتحجيم أنشطة حميدتي بشكل خاص (لاسيما بالتعاون مع مجموعة فاغنر) بأقل تكلفة ممكنة ومضمونة على المدى المتوسط. وفي المقابل لا تزال واشنطن تحتفظ بأداة فرض عقوبات على القوى “التي تعوق الانتقال إلى حكم مدني”، وهي الأداة التي تجددت منتصف مايو بإصدار ضوابط لمعاقبة الأطراف “المتورطة” ، وسط تقارير متفرقة عن احتمال كبير بخروج حميدتي والبرهان بالأساس من المشهد السياسي السوداني نهاية العام الجاري لصالح عملية سياسية جديدة، تضمن فيها واشنطن قدرة كبيرة على التأثير سواء منفردة أم عبر تنسيق كبير مع السعودية وعزل مرتقب لسياسات الإمارات خارج “الدعم الاقتصادي”. كما عززت تلك السياسات قدرة أكبر لواشنطن للتحكم في أية مرحلة انتقالية مقبلة مع استبعاد قدرة القوى السودانية مستقبلًا على مناورات في سياساتها الخارجية خارج النفوذ الأمريكي (من قبيل منح روسيا قواعد بحرية على البحر الأحمر).

الأزمة في السودان: آفاق الحل؟
تبدو مؤشرات تصعيد المواجهات قرب نهاية مايو الجاري دالة على رغبة أكيدة لدى القوات المسلحة السودانية في التخلص من حميدتي سواء كفاعل سياسي في المرحلة الانتقالية أم كقوة شبه عسكرية موازية للقوات المسلحة الوطنية في البلاد. كما أن جهود حميدتي “الدبلوماسية” الأخيرة عبر مبعوثه يوسف عزت (في جوبا وكمبالا حتى الان) تعبر عن رغبة الأول في تأمين “خروجًا آمنًا” من بوابة دول إقليمية راغبة في وقف التصعيد الحالي عند مراحله تلك وعدم تفاقمه أو -في مستوى آخر من التحليل- خروج القوات المسلحة السودانية منتصرة في الحرب ضد قوات الدعم السريع، وما سيعنيه ذلك من اضطراب شبكة تعاون حميدتي مع أطراف إقليمية متنوعة.

كما أن مسار “محادثات جدة” قد فقد الكثير من زخمه رغم حجم التفاؤل الكبير الذي رشح عنه مطلع مايو؛ ومن ثم فإن آفاق تسوية الأزمة في السودان يمكن أن تنحصر في السيناريوهات التالية:

  • حسم الجيش السوداني المعركة في الأسابيع القليلة المقبلة ودحر قوات الدعم السريع في جيوبها الحالية؛ وفي حال تحقق ذلك ستنخرط القوى الدولية والإقليمية في جهود إعادة العملية السياسية إلى “مسارها” وربما الدفع باتجاه إطلاق خريطة طريق جديدة. لكن من الواضح أن الولايات المتحدة والسعودية وعددًا من دول الجوار ستدفع بإطلاق عملية لا تختلف كثيرًا عن مسار الاتفاق الإطاري مع وضع أهداف مسبقة للعملية ومن بينها خروج الجيش من السلطة قبل إطلاق عملية ديمقراطية كاملة وحقيقية. ويعزز هذا السيناريو خفوت صوت قوى معبرة مثل مصر لصالح السعودية، وقدرة الأخيرة على تنسيق مصالح بقية الدول التي تترقب مآلات الوضع في السودان (مثل إثيوبيا) وبالتالي دفع السودان جنوبًا للاندماج بشكل أكبر في “محيطه النيلي” على حساب ارتباطاته بمصر.
  • استمرار حالة عدم الحسم الكامل: وهو سيناريو تغذيه دول إقليمية خليجية لا تزال تبحث عن ثغرات للعودة إلى الملف السوداني، ويعززها في ذلك سياسات عملية لدول الوساطة في السودان باستمرار حالة هشاشته وضمان عدم قيام مؤسسات وطنية قوية في نهاية المرحلة الانتقالية لصالح خيارات إعادة إنتاج الاتفاق الإطاري أو القفز نحو “اتفاق سياسي نهائي” منقوص. وتبدو مؤشرات راهنة على تأثير طول الصراع (الذي تجاوز شهره الأول من نحو أسبوع) على فرص العودة القوية لحميدتي في مواجهة الجيش السوداني عسكريًا وسياسيًا (من بوابة الدعم عبر ليبيا أو ثغرات في حدود السودان الشرقية مع إثيوبيا وإريتريا) وربما عودة هذا الصراع إلى الساعات الأولى من 15 أبريل 2023.
  • التوصل لتسوية سياسية: وهو سيناريو مستبعد في ضوء الفشل الذريع الذي منيت به محادثات جدة رغم تواضع بنودها التفاوضية بالأساس. لكن تظل لهذا السيناريو اعتباراته الإقليمية حيث يحظى بدفع كبير من قبل أغلب دول جوار السودان (حتى من زاوية عدم تمكين الجيش من وضع تفاوضي أفضل في المرحلة الانتقالية)، كما تدعمه الوساطة السعودية- الأمريكية التي تلمح باستمرار لإمكان إطلاق مسار عملية سياسية بغطاء سعودي تحديدًا، وهو توجه يعزز هذا السيناريو بالنظر إلى الروافع الاقتصادية والسياسية والأمنية المؤثرة التي باتت تتوفر للرياض في الملف السوداني.
    خلاصة
    رغم مساعي الأدوار الإقليمية والدولية الراهنة المعلنة بشأن الأزمة في السودان إلى خروج الأخير من عثرته فإنها تبدو عند نظرة أكثر عمقًا من أهم أسباب وقوع الأزمة واستمرارها وربما تفاقمها لاحقًا رغبة في توجيه مخرجاتها لصالح هذه الأدوار.

د. محمد عبد الكريم أحمد

د. محمد عبد الكريم أحمد، باحث متخصص في الشئون الأفريقية، منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت،  أصدر مجموعة من المؤلفات والترجمات والبحوث في شئون ليبيا والسودان ونيجيريا وإثيوبيا والفكر الأفريقي والحركات الاجتماعية والإسلامية وقضايا  الإرهاب في أفريقيا  والعلاقات الروسية الأفريقية، وكاتب في العديد من الصحف العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى