إفريقيا جنوب الصحراءالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقتقدير المواقفشرق أفريقياصنع السلام

الصومال والاستدارة إقليميًّا صوب مجموعة شرق أفريقيا (إياك).. أي مستقبل؟

عقب أكثر من عشر سنوات من الضغوط المكثفة، تم قبول الصومال رسميًا للانضمام لمجموعة شرق أفريقيا (East African Community -EAC). وبعد التصديق من قِبَل البرلمان الاتحادي الصومالي، باتت العضوية رسمية، لتصبح العضو الثامن في الكتلة الإقليمية التي تضم بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا ورواندا وجنوب السودان وأوغندا وتنزانيا. وفي حفل قصير أُقيمَ الاثنين (4 مارس -2024) بمقر مجموعة شرق أفريقيا في مدينة أروشا، بتنزانيا، قدّم وزير التجارة والصناعة الصومالي، جبريل عبد الرشيد حاجي، وثيقة التصديق إلى الأمين العام للتكتل، بيتر ماثوكي، لاستكمال عملية القبول. ومن المتوقع أن تفيد هذه الخطوة الصومال ورفاقه الأعضاء بشكل كبير، خاصة إذا تم تفكيك الأسواق الإجرامية الراسخة التي تهدد استقرار الصومال وانتعاشه الاقتصادي.

وكانت عملية التقديم، التي بدأها الرئيس السابق شريف شيخ أحمد في عام 2011، طويلة وشاقة حيث ترددت بعض الدول الأعضاء في ضم الصومال إلى التكتل بالنظر إلى الأوضاع غير المستقرة التي تشهدها البلاد، لاسيما منذ العام 1991، عندما انهارت الحكومة الصومالية، ما أدى إلى ثلاثة عقود من عدم الاستقرار السياسي وصعود حركة الشباب، وتقلّص حجم تجارة البلاد مع الجوار بصورة لافتة. لكن رغم ذلك أثمرت العملية أخيرًا هذا العام عن الانضمام الرسمي لمقديشيو، بعد أن قام الرئيس الصومالي الحالي حسن شيخ محمود بتعيين مبعوث خاص لتسريع عملية القبول بعد وقت قصير من توليه منصبه في أغسطس 2022 للمرة الثانية. وكان محمود، الذي تولى الرئاسة أيضًا من عام 2012 إلى عام 2017، داعمًا رئيسيًا لفكرة التكامل الإقليمي خلال فترة ولايته الأولى. وقال محمود لدى وصوله إلى مقديشو بعد قمة مجموعة شرق أفريقيا التي عقدت بمدينة أروشا التنزانية، حيث تم قبول الصومال عضوًا في الكتلة: “نحن دولة مهمة في المنطقة ويمكنها المساهمة كثيرًا، وسوف نستفيد منها أيضًا”.

وبالنسبة لدول مجموعة شرق أفريقيا الحالية، تبرز عدد من الفوائد جراء انضمام مقديشيو للتكتل، تشمل زيادة القدرة التنافسية للاستثمار الأجنبي المباشر، كما أن خفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وفتح التجارة عبر الحدود، وخلق فرص عمل جديدة في الصومال، والاندماج في مشاريع البنية التحتية الإقليمية، من شأنه أن يعزز التجارة في المنطقة (شرق أفريقيا). خاصة مع امتداد الحدود الشرقية لمجموعة شرق أفريقيا من جنوب المحيط الهندي إلى خليج عدن ــ وهو طريق بحري عالمي حيوي ــ مما يعزز التعاون مع القوى العالمية الكبرى في مجالات الأمن والتجارة والمسائل الجيوسياسية. من جهة أخرى يتوقع بعض المختصين والمراقبين للشأن الأفريقي وتحديدًا إقليمه الشرقي، بأنه قد يترتب على هذه العضوية عددًا من التحديّات (المؤرقات) المتوقعة، سواء على صعيد الدولة الصومالية، أو التكتل الإقليمي.

بناءً على ما تقدّم تسعى هذه المقالة إلى تفنيد أبرز المنافع المتوقع جَنيها للجانب الصومالي، وكذلك التكتل الإقليمي، بما في ذلك أهم التحديات والعوائق المتوقعة، أمام الانضمام الصومالي للجماعة الإقليمية.

عوائد محتملة لمقديشيو:

بالنسبة للعوائد المحتملة، فإن الانضمام إلى مجموعة شرق أفريقيا سيوفر الوصول إلى سوق تضم 283.7 مليون مواطن، بما في ذلك حرية حركة شعبها في جميع أنحاء الكتلة، ناهيك عن الفوائد الاقتصادية للتكامل الإقليمي. وسيكون هذا بمثابة دفعة في مسار التعافي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع.

من جهة أخرى فإن الانسحاب الوشيك لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (ATMIS) بحلول ديسمبر 2024 يمكن أن يخلق فراغًا أمنيًا قد تستغله الجماعات الإرهابية. لذا يمكن لعضوية مجموعة شرق أفريقيا أن تساعد في هذا الأمر، خاصة أن بعض الدول الرئيسية المساهمة في المهمة من الدول الأعضاء. ومن الممكن أن تطلب الصومال نشر قوات احتياطية تابعة لمجموعة شرق أفريقيا لملء الفراغ بينما تعمل البلاد على تعزيز قواتها الأمنية.

من الممكن أن تطلب الصومال أيضًا مواءمة سياستها المتعلقة بالهجرة مع سياسة جماعة شرق أفريقيا؛ فهناك عدة طرق يمكن لمجموعة شرق أفريقيا من خلالها مساعدة الصومال في التعامل مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وفيما يتعلق بالتهديدات البحرية، تستطيع كينيا الاستفادة من عضويتها في القوات البحرية المشتركة (الشراكة البحرية متعددة الجنسيات) لمساعدة مقديشيو.

صفوة القول فيما يتعلق بالمنافع المتوقعة، تتجسد في أن الانضمام إلى الجماعة سيُمَكِّن الصومال من الاستفادة من مشاريع البنية التحتية الإقليمية لمجموعة شرق أفريقيا كالطرق والسكك الحديدية وشبكات الطاقة. تلك المشاريع التي تهدف إلى تحسين الاتصال وتعزيز روابط النقل والتجارة الإقليمية، مما يدعم في نهاية المطاف التنمية الاقتصادية والتكامل في الصومال. ومع الوضع في الاعتبار أن الصومال تتمتع بأطول خط ساحلي وطني يبلغ أكثر من 3000 كيلومتر في أفريقيا، كما أنه يربط أفريقيا بشبه الجزيرة العربية، فإنه يمكن للمنطقة الاستفادة منه لاستغلال الموارد الاقتصادية الزرقاء للصومال وزيادة التجارة البينية الإقليمية وتحسين حياة مواطنو شرق إفريقيا.

تحديّات وعوائق:

في هذا السياق المتعلق بالعوائق التي قد تعرقل المنافع المشتركة لمقديشيو والجماعة الإقليمية؛ يقول منتقدو هذه الخطوة المتصلة بانضمام الصومال للتكتل، أن دخول البلد الذي يزيد عدد سكانه على 17 مليون نسمة وله تاريخ طويل من الصراع إلى التكتل يمكن أن يشكل تحديات أمنية للاتحاد الذي يبلغ عدد سكانه الآن أكثر من 300 مليون نسمة. مع ذلك، يرى عدد من الخبراء أن الصومال خطت خطوات كبيرة في حربها ضد جماعة الشباب المسلحة، كما يشيرون إلى التحديات الأمنية الموجودة بالفعل لدى أعضاء آخرين في مجموعة شرق أفريقيا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يتقاتل ما لا يقل عن 120 جماعة مسلحة في شرقها المضطرب، وجنوب السودان، التي كانت داخل حرب أهلية قبل استقلالها. ما يعني أن هناك دول بالفعل انضمت للتكتل قبل الصومال، وهي تعاني من الصراعات والتوترات الداخلية، بل والإقليمية.

استكمالًا لهذه التحديات، يشير التيار المناهض لانضمام الصومال للتكتل، إلى أنه بالرغم من أن قدرة الحكومة الفيدرالية الصومالية على الحد من غسيل الأموال والتدفقات المالية غير المشروعة باتت بشكل جلي آخذة في النمو، إلا أنها لا تزال غير كافية للتصدي والمجابهة. ما قد يشكل تهديدًا لدول التكتل، كما تبرز مخاوف من أن حرية حركة الأشخاص والعمالة الصومالية داخل مجموعة شرق أفريقيا ستسمح للنشطاء الإرهابيين بالتسلل إلى بلدان أخرى وتوسيع نطاق هجماتهم.

يزيد الوضع تعقدًا مع عدم قدرة الصومال على إدارة موانئها بشكل فعال، ما يجعل الساحل ملاذاً لتجار الأسلحة الذين يقومون بتخزين الأسلحة للجماعات الإرهابية والميليشيات العشائرية. وتظهر العقوبات الأمريكية ضد الجماعات والأفراد شبكات التهريب المعقدة عبر الوطنية في الصومال ومنطقة الخليج وإيران. ولا ننسى أنه عندما بلغت القرصنة ذروتها قبالة سواحل الصومال بين عامي 2005 و2011، تطلب الأمر جهودًا متضافرة من جانب القوى البحرية العالمية لوقف الهجمات. والآن تهدد القرصنة مرة أخرى خليج عدن بسبب الصراع المستمر في غزة. بشكل أكثر تفصيلًا؛ قبل النزاع، كان حوالي 22% من شحن الحاويات و12% من التجارة العالمية يمر عبر البحر الأحمر. في الأشهر الأخيرة، هاجم المتمردون الحوثيون في اليمن واختطفوا السفن التي تعتبر تابعة لسفن إسرائيلية وأوروبية والولايات المتحدة احتجاجًا على الهجمات الإسرائيلية على فلسطين. وقد أجبر هذا الصراع البحري المتطور السفن على تغيير مسارها، مما أدى إلى تأخير تسليم البضائع وارتفاع الأسعار على حساب الصومال وأعضاء آخرين في مجموعة شرق أفريقيا.

خاتمة:

في ضوء ما سبق يمكننا إدراك أن انضمام الصومال إلى التكتل الإقليمي لشرق أفريقيا لازال قيد الجدل بشأن مدى ما يمكن أن يضيفه للتكتل، وما يمكن أن يجنيه من عوائد، والأكثر خطورة من ذلك مدى ما يمكن أن يضيفه من أعباء أو تهديدات على دول الجماعة الإقليمية، لاسيما بالنظر إلى الأوضاع الداخلية التي تشهد تأزمًا من آن لآخر. ومع ذلك، يقول المحللون إن الصومال، التي تتمتع بأطول خط ساحلي في أفريقيا ويقدّر عدد مواطنيها في الشتات بنحو مليوني مواطن، أصبحت جاهزة للتكامل الاقتصادي مع جيرانها.

يقول في هذا الشأن محمد عبدي واري، المحلل السياسي والرئيس السابق لولاية  هيرشبيلي- منطقة تتمتع بحكم ذاتي بجنوب وسط الصومال: “أعتقد أن دول مجموعة شرق أفريقيا ترى أيضًا استثمارات الصومال الناجحة من قِبَل الصوماليين في دول مجموعة شرق أفريقيا.” “إنهم يرون أيضًا إمكاناتها الاقتصادية الزرقاء الهائلة في ساحلها الطويل، وفرص المشاركة في إعادة إعمار الصومال والاستفادة من روابط الصومال مع الشتات، وروابطه مع الشرق الأوسط وموقعه الاستراتيجي”. وأضاف: “مع الموارد الطبيعية الهائلة، وازدهار إعادة البناء والإعمار بعد هزيمة حركة الشباب، ستوفر الصومال فرصة ممتازة للاستثمار الإقليمي في اقتصادها الأزرق، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية وصناعاتها العقارية والبناء”. ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع هذا التكامل، حتى داخل الدولة الصومالية ذاتها، الواقعة في القرن الأفريقي. حيث يشار إلى أن إعلان الخبر أحدث شيئًا من الجدال بين الصوماليين. كما وصف الكثيرون منهم عملية التكامل بأنها متسرعة أو مبكرة للغاية.

في الأخير؛ نشير إلى رؤية أحد المناهضين الصوماليين لانضمام بلاده للتكتل عبد الرحمن عبد الشكور، المبعوث الرئاسي لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي قال إن عضوية مجموعة شرق أفريقيا تختلف عن عضوية الهيئات الأخرى كالاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. يقول عبد الشكور، وهو أيضًا عضو في البرلمان الصومالي: “نحن نفهم أن جميع تلك الهيئات تم تشكيلها للتعاون السياسي والسلام والتنمية، لكن كتلة شرق أفريقيا مختلفة وتم تشكيلها بشكل أساسي لأغراض اقتصادية وتجارية، بالنسبة للصومال، ليس لدينا سلع وخدمات وأيديولوجية اقتصادية يمكن أن نطرحها على الطاولة.” ما يؤشر على ما يراه البعض في الداخل الصومالي؛ من حيث أن هذا القرار لن يفيد الدولة الصومالية، أو أنه سيحقق عددًا ليس بالكثير من المكتسبات التي يتم الترويج لها.

المراجع والإحالات:

*مجموعة شرق أفريقيا: تأسست المنظمة في عام 1967، لكن تم حلّها في عام 1977 وأعيد تأسيسها في 7 يوليو 2000. ويقع مقرها الرئيسي في أروشا، المدينة التنزانية. تتمثل مهمتها في تعزيز النمو الاقتصادي من خلال، إلغاء الرسوم الجمركية بين الدول الأعضاء، إضافة لأمور أخرى. كما أنها انشأت سوقًا مشتركة في العام 2010. وأصبحت الصومال الآن العضو الثامن في التكتل، الذي يضم جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان وبوروندي ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا.

  1. Halkano Wario, “Somalia’s EAC contribution depends on cutting organised crime”, Institute on Security Studies (ISS), Apr 15, 2024, On: https://rb.gy/2i0bof, accessed in Apr 21, 2024.
  2. Bashir Mohamed Caato, “Somalia has joined the EAC regional bloc. What happens next?”, Aljazeera, Nov 29, 2023, On: https://rb.gy/699exb, accessed in Apr 21, 2024.
  3. “Somalia finally joins EAC as the bloc’s 8th Partner State”, East African Community, Mar 4, 2024, On: https://rb.gy/vv0mnd , accessed in Apr 21, 2024.
  4. “Somalia gains full membership of East African Community”, Africa News, Mar 6, 2024, On: https://rb.gy/69yup3 , accessed in Apr 21, 2024.
  5. “Somalia finishes process to join East African Community”, Xinhua, Mar 5, 2024, On: https://rb.gy/izmsed, accessed in Apr 21, 2024.

نِهاد محمود

باحثة دكتوراه بجامعة القاهرة، مهتمة بالشأن الأفريقية. نُشِر لها عدد من الأوراق العلمية ذات الصلة بالشأن الأفريقي داخل وخارج جمهورية مِصر العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى