الأزماتالأمنالقضايا

السيناريوهات المستقبلية للخلافات الاثيوبية – الارتيرية… حرب أم تكامل

تدرك القيادة الاثيوبية جيداً ان العزلة الجغرافية لبلدها تعد من اكبر التحديات الجيوسياسية أمام تحقيق التنمية المتكاملة ولعب الدور الريادي في المحيط الاقليمي والدولي. لذلك تصدر عن أديس أبابا تصريحات مثيرة للجدل بين الحين والأخر على لسان رئيس وزرائها أبي أحمد وبعض قياداتها الامنية والدبلوماسية حول احقية الحصول على منافذ بحرية تمكن إثيوبيا من التواصل مع العالم الخارجي والانخراط في تشكيل التفاعلات الجيوسياسية في حوض البحر الاحمر، والذي أصبح محط أنظار العديد من القوى الاقليمية والدولية خلال السنوات الماضية.

إن الناظر للتطورات الجارية في العلاقات الاثيوبية – الارتيرية يلاحظ حالة التباين والخلاف حول العديد من القضايا والملفات من ضمنها:

  • دور النظام الارتيري في الداخل الاثيوبي:

لعب النظام الارتيري دوراً محورياً في محاربة تمرد جبهة تحرير تغراي وأكسب قوات النظام الاثيوبي أفضلية عسكرية من خلال توسيع جبهات القتال ضد قوات التغراي. ولكن الضغط الذي مارسه المجتمع الدولي على نظام أبي أحمد أثمر في إثناء أديس أبابا عن الاستمرار في الحرب ضد جبهة تحرير التغراي والقبول بالتفاوض معها والتوقيع على إتفاقية بروتيوريا للسلام بأسلوب لم يلقى قبولاً من طرف إرتيريا. حيث يرى رئيس النظام الارتيري أسياس أفورقي أن أبي أحمد لم يراعي التخوفات الامنية لبلاده ولم يعالج القضايا الخلافية الجوهرية مع التغراي عندما ذهب للتوقيع على هذا الاتفاق.

وما يؤكد أن الخلاف وصل الى ذروته بين الجانبين، سربت جهات إعلامية لــ”منصة الدراسات الامنية وأبحاث السلام” معلومات حول دعم النظام الارتيري مجموعات الامهرا المعارضة بصورة علنية، فضلاً عن تواجد “كتيبة نجاة” التابعة للتنظمات الامهرا المسلحة داخل الاراضي الأرتيرية وتدريبها وتقديم المشورات والمعلومات الاستخبارية لها.

أيضاً تفيد مصادر أثيوبية خاصة أن النظام في أديس أبابا بات ينظر الى جبهة تحرير تغراي بأنها حليفته الجديدة ضد الأرتيريين والامهرا. لذلك لم يصرح بقبوله بعائدية  منطقة الوالقايد لإقليم الامهرا بل أوما بأحقية الشعب التغرواي لها. ولكن يرى المراقبون ذلك واقعية مفرطة وبرغماتية سياسية من ابي أحمد تجاه القضايا الخلافية بين الامهرا والتغراي وتوظيف المطالب التغراوية المشروعة من أجل تحقيق مكاسب وميز ضد الامهرا وحلفائهم الارتيريين.

وتنشط المخابرات الارتيرية في الداخل الاثيوبية من خلال شبكاتها الاقتصادية تحت غطاء شركة البحر الاحمر، والتي تنشط في مجالات تهريب العملة والمعادن. وهذا ما تسبب في إزعاج واضح لدى القيادة السياسية في أديس أبابا ماحملها الى إبعاد “50” أرتيري بدعوى صلتهم بالمخابرات الارتيرية. فضلاً عن نشاط الاستخبارات العسكرية الارتيرية على الحدود السودانية – الاثيوبية لتقديم المعلومات العسكرية لمجموعات الفانو الامهرية المسلحة في حربها ضد جيش النظام الاثيوبي.

تفيد معلومات ايضاً ان النظام الارتيري في تواصل إستخباراتي مستمر مع المجموعات الأورومية المسلحة التي تخوض هي الأخرى حرباً ضد الجيش الاثيوبي عبر قنوات المعارضيين الاوروميين في الخارج.

  • الخلاف حول الملفات الاقليمية:

يمكن القول أن الازمة السودانية أدت الى تفكيك كل التحالفات التقليدية في منطقة الشرق الاوسط وأفريقيا. حيث يلاحظ المحللون حالة تباين الاولويات بين مصر والامارات العربية المتحدة وتخالف المقاربات بين إثيوبيا وأريتريا. وبالتالي بينما يجاهر النظام الاثيوبي بدعمه القوى السياسية المعارضة للجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، أعلن النظام الارتيري دعمه المباشر الجيش السوداني ورفض التنسيق مع الجهات التي يتواصل معها النظام الاثيوبي، بل أكثر من ذلك نسق وإستقبل الجهات السياسية الداعمة للجيش السوداني في حربه ضد مليشيات الدعم السريع.

من ضمن الملفات الاقليمية الخلافية بين النظامين الاثيوبي والارتيري حول شكل التعامل مع الأزمة الصومالية الداخلية. إذ يدعم النظام الاثيوبي الجيش الصومالي في حربه ضد حركة الشباب المجاهدين الارهابية بصورة مباشرة، بينما ترى القيادة في اسمرا الى أن الحرب التي أعنتها مقديشو لن تؤدي الى النتائج المرجوة منها لذلك ينبغي التعامل مع الازمة المزمنة عبر السبل التفاوضية لإيجاد حل سلمي لها. لذلك نلاحظ أن اسمرا مترددة في إرسال الجنود الصوماليين الى بلادهم بدعوى غياب المشروعية وضعف إمكانيات ومواعين المؤسسة العسكرية الصومالية في إستيعاب العناصر التي تتدرب في المعسكرات الارتيرية.

كما يلاحظ المتابعون الانزعاج الذي يظهره النظام الارتيري من التحالفات التي تنسجها اثيوبيا مع القوى الاقليمية والدولية الفاعلة في الاقليم. على سبيل المثال، تعتبر أسمرا الدور الاماراتي بات مهدداً لامن وإستقرار المنطقة، وبالتالي قبول نشاط ابوظبي يعد خطراً فعلياً لمصالح الدولة الارتيرية وأمنها القومي بإعتباره أدى الى تفجير الاوضاع في السودان. وفي هذا السياق، أفادت مصادر خاصة “لمنصة الدراسات الامنية وابحاث السلام” أن دولة الامارات لعبت دوراً مركزياً في التنسيق بين المعارضة العربية التشادية لدعم تمرد مليشيات الدعم السريع ضد الجيش السوداني، وإحتضنت حينها أسمرا إجتماعات سرية بين المكونات العربية التشادية المدعومة إماراتياً. وهذا ما تسبب في حالة من التباين بين أسمرا وابوظبي في التعامل مع الدور الاماراتي في الإقليم وفي السودان بالتحديد. وأفاد مصدر إعلامي مطلع أن المخابرات الاماراتية تقوم بجمع معلومات إستخباراتية عبر التواصل مع الشخصيات السياسية والاعلامية الارتيرية لجمع ملومات مختلفة حول المعارضة الأرتيرية بغية توظيفها ضد النظام الارتيري. وربما يكون في مقبل الايام تنسيق أثيوبي إماراتي للضغط على النظام الارتيري ودعم جهات المعارضة الارتيرية.

  • التباينات الجيوسياسية حول البحر الاحمر:

تصاعدت حدة التلاسن الاعلامي بين النظامين الاثيوبي والارتيري حول التصريحات التي أطلقها رئيس وزراء أثيوبيا خلال جلسة برلمانية حول المنفذ البحري لبلاده. بالرغم من أن حديث أبي أحمد شمل رؤية إقليمية تضم الصومال وجيبوتي وأرتيريا، الا أن النظام الارتيري تفاعل مع هذه التصريحات وأصدر بيانات ينتقد فيها ماجاء عى لسان أبي أحمد. حيث أصدرت وزارة الاعلام الارتيري بياناً تقول فيه “إن الخطابات – الفعلية والمفترضة – حول المياة والوصول الى البحر الأحمر والموضوعات ذات الصلة التي طرحت في الاوانه الاخيرة كثيرة ومفرطة بالفعل. وقد أثارت هذه القضية حيرة جميع المراقبين المعنيين، وفي هذه الحالة، تكرر حكومة إرتيريا التاكيد على أنها لن تنجر كما كانت دائماً، الى مثل هذه الازقة والمنابر. وتحث الحكومة الارتيرية كذلك كافة الاطراف المعنية على عدم الاستفزاز بهذه الأحداث”.

هذا البيان يعد إنتقاداً واضحاً للتصريحات الصادرة عن ابي أحمد، ورسالة واضحة ومباشرة لنية ارتيريا أنها ستدافع عن أمن ووحدة وسلامة أرضيها. علماً أن أديس أبابا لم تطرح الخيارات العسكرية للحصول على منفذ على ساحل البحر الاحمر، بل تركت الباب مواربة لأجل تحقيق هذا الهدف عبر الخيارات السلمية من خلال خيار منح إرتيريا حصة في سد النهضة أو الخطوط الجوية الاثيوبية.

في ظل حرب التصريحات الاعلامية المستعرة بين النظاميين الاثيوبي والارتيري حول العديد من القضايا الخلافية يمكننا إستشراف مستقبل الحلاف بين الجانبين من خلال السيناريوهات التالية:

السيناريوهات المستقبلية للخلاف الاثيوبي – الارتيري:

  • سيناريو التكامل: إن فرص التكامل بين البلدين أمر وارد لانه مطلب اغلبية النخب الاثيوبية “الامهرية” وبعض الشخصيات الارتيرية. كما تعد المشتركات الثقافية واللغوية والدينية والتاريخية أهم المرتكزات التي قد تقف عليها هذه التطلعات السياسية الرغبوية. ولكن  هناك معضلات أساسية  امام تحقيق هذا السيناريو:
  • الرغبات الشخصية والهوس النفسي لقيادة النظاميين الاثيوبي والارتيري: تعتبر من أهم التحديات واصعب العقبات لتحقيق التكامل بين البلدين هو الحالة النفسية لزعماء البلدين. إذ يرى الرئيس الارتيري أسياس أفورقي أنه يسحق القيادة والزعامة بإعتباره سليل ملوك الحبشة، بينما يرى أبي أحمد في نفسه الملك السابع لاثيوبيا حسب حلم والدته. وبالتالي هذه معوقات شخصية ربما تمنع فرصة التكامل بين البلدين.
  • معوقات أمنية وتعارض الرؤى السياسية: في ظل الازمات الامنية والاقليمية التي تواجهها منطقة القرن الافريقي ربما يصعب على الجانبين تحقيق فكرة التكامل في هذا التوقيت على أقل تقدير. لذلك تمثل جهات المعارضة للانظمة معوق أساسي في أمام إقامة عملية توحيد البلدين. وهناك أن جهات سياسية أرتيرية تعلن صراحة أن سيادة ارتيريا أمر لا يمكن التنازل عنه، لانه يتناقض مع روح الثورة الارتيرية ونضال الشعب الارتيري لعقود طويلة. بالاضافة الى رؤية بعض المكونات الاثيوبية “كالتغراي” لاتتوافق مع فكرة الوحدة مع أرتيريا لاعتبارات تخص مطالبهم السياسية والاقتصادية والتنموية.

وتؤكد معلومات ووثائق تاريخية عديدة أن الرئيس الارتيري أسياس أفورقي لايرفض الوحدة مع إثيوبيا من حيث المبدأ، ولكنه يخشى من أن تضع فكرة مشروع التكامل أرتيريا موضع المنفذ البحري فقط، دون أن يكون هناك تكامل وتوحيد فعلي في أشكال الحكم وأنماط الاقتصاد وطريق التمثيل الشعبي للمكونات المحلية في إدارة البلاد. لذلك يعرف عنه رفضه المطلق لنظام الإثنية الفيدرالية الذي طبقته الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية خلال الثلاثة عقود الماضية.

  • سيناريو الحرب: يعرف في التاريخ الحبشي القديم والحديث أن جل الخلافات السياسية نهايتها كانت صراعات دموية مسلحة، وأن مفهوم السلطة ينطلق من القهر والغلبة العسكرية للذي تخضع له الاطراف. وبالتالي الخلافات السياسية والمقاربات المتعارضة بين ابي أحمد وأسياس أفورقي ستنتهي حتماً الى مواجهة خشنة، وخصوصاً أن حالة التحشيد والتحشيد المضاد مازالت مستمرة بين الجانبين، وان الخلافات بدات تخرج الى العلن والتحالفات العسكرية والسياسية تغيرت بصورة ملحوظة على مستوى الداخل الاثيوبي. إذ يتحالف الامهرا مع النظام الارتيري وبدأت يتشكل ملامح تحالف جديد يضم (التغراي والاورومو جناح ابي أحمد) ضد الامهرا.

وتاسيساً عليه يبقى سيناريو الحرب قائماً بين إثيوبيا واريتريا لان كل المعطيات  والتطورات الميدانية تذهب في هذا الاتجاه. وأن إصرار نظام أبي أحمد على مطلب المنفذ البحري سيكون المشعل لفتيل الصراع في توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية كبيرة. والتحركات الخارجية الاخيرة للنظام الارتيري وفتح قنوات تنسيق مع مصر عبر زيارة وفد رفيع المستوى ينذر بإصطفافات إقليمية خطيرة تعجل عملية تصفية الحسابات بين الاطراف الإقليمية المختلفة أمر واقع ينتظر اطلاق الرصاصة الاولى في الهضبة الحبشية.

الخلاصة

إن الخلافات بين النظامين الاثيوبي والارتيري أخذت منحى تصاعدي منذ توقيع إتفاقية بروتوريا للسلام بين الحكومة الاثيوبية وجبهة تحرير تغراي في العام الماضي. ولكن مجريات الاحداث الداخلية في إثيوبيا ومواقف النظام الارتيري منها، وتعارض المقاربات والاولويات بين أسمرا واديس أباب حيال العديد من الملفات الاقليمية كان لها الدول الابرز في خروح الازمة الى العلن، ومطالبة أديس أبابا بمنفذ بحري بصورة صريحة تظهر مستوى التازم بين الجانبين. ولكن يبقى السؤال هل ستحقق إثيوبيا مطالب الحصول على تواجد في البحر الاحمر عبر طاولات التفاوض والشركات أم تقدم خيار الدخول في حرب مع النظام الارتيري؟

الهوامش:

  1. 1.   “Securing Red Sea access vital for Ethiopia’s survival,” Abiy Ahmed”, Ethiopia Observer,  https://www.ethiopiaobserver.com/2023/10/15/securing-red-sea-access-vital-for-ethiopias-survival-abiy-ahmed/
  2. Senior Eritrean delegation held talks with FM of Egypt” Minisrt of Information, https://shabait.com/2023/10/12/senior-eritrean-delegation-held-talks-with-fm-of-egypt/
  3. Somalia says 5,000 missing soldiers to come home soon from Eritrea”, Reuters, https://www.reuters.com/world/africa/somalia-says-5000-missing-soldiers-come-home-soon-eritrea-2022-07-19/
  4. Eritrea says “do not be provoked” in response to Red Sea talk that Ethiopian PM triggered”, Borkena, https://borkena.com/2023/10/16/eritrea-says-do-not-be-provoked-in-response-to-red-sea-talk-that-ethiopian-pm-triggered/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى