إفريقيا جنوب الصحراءالأمنالساحل الإفريقيالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقشرق أفريقياشمال إفريقيا

الخليج في أفريقيا: جعجعة بلا طحن؟

“على هامش تقرير Africa Horizons 2023”

باتت دول الخليج العربي من القوى المتوسطة الفاعلة في السياسة الدولية وملفاتها المتشابكة في السنوات الأخيرة كما اتضح في أزمات مثل سوريا وأكرانيا، غير أن النفوذ الخليجي -بشكل عام- في أفريقيا يظل في ذيل اهتمامات دول الخليج الخارجية مع ملاحظة أن هذا النفوذ الخليجي يتمتع بسمة أساسية تنتقص كثيرًا من قيمته ألا وهي الارتباط بأدوار قوى إقليمية فاعلة في القارة مثل تركيا وإسرائيل إما كمظلة للحماية (كما في حالة قطر وتركيا) أو كشراكة تمويلية (كما في حالة الإمارات وإسرائيل، وربما السعودية في الفترة المقبلة).

الاستثمارات الخليجية في أفريقيا: جعجعة بلا طحن؟

كشف تقرير Africa Horizons 2023-2024 عن حجم الاستثمارات الخليجية المباشرة (تحديدًا لخمسة دول بمجلس التعاون الخليجي وهي الإمارات العربية والسعودية وقطر والكويت والبحرين) في أفريقيا في الفترة 2012-2022 والتي قدرها وفق بيانات رسمية من هذه الدول في حدود 103 بليون دولار حيث حلت الإمارات في المرتبة الأولى بقيمة استثمارات 59.4 بليون دولار (بمتوسط سنوي نحو 5 بليون دولار وجه أغلبه لدول مثل مصر والمغرب)، تلتها السعودية (25.8 بليون دولار)، ثم قطر (7.2 بليون دولار)، الكويت (5 بليون دولار)، والبحرين (4.2 بليون دولار)([1]). وقدم التقرير لمحة مكثفة عن الاستثمارات الإماراتية في أفريقيا ملاحظًا أن التجارة بين الجانبين سجلت نموًا منتظمًا في السنوات الأخيرة وأنه وفقًا لأحدث بيانات وزارة التجارة الخارجية بالإمارات فإن إجمالي حجم تجارة الإمارات مع ستة دول أفريقية غير عربية (وهي نيجيريا وجنوب أفريقيا وإثيوبيا وتنزانيا وأنجولا وكينيا) تجاوزت حاجز 8 بليون دولار في العام 2020. كما أن الإمارات استثمرت في العام 2021 في 71 مشروعًا بقيمة 5.6 بليون دولار أبرزها Agtech Park في مصر حيث يدعم صندوق أبو ظبي للتنمية ADFD إقامة منطقة تكنولوجية زراعية لتحسين الإنتاجية الزراعية في مصر ودعم الابتكار في هذا القطاع. وواصلت الإمارات -حسب التقرير- تركيزها في تلك الفترة على الاستثمار في القطاعات مرتفعة النمو بما فيها البنية الأساسية والطاقة والنقل واللوجيستيات والتكنولوجيا. كما عدت الإمارات في السنوات الأخيرة واحدة من أكبر المستثمرين في أفريقيا بين دول مجلس التعاون الخليجي، كما حلت رابعة أكبر مستثمر عالميًا وفقًا لأسواق الاستثمارات الخارجية المباشرة. كما ساهمت السعودية باستثمارات كبيرة في قطاعي الطاقة والتعدين في أفريقيا، ومن ابرز الأمثلة الحديثة توقيع اتفاقات هامة مع جنوب أفريقيا لتعزيز نمو صناعة الهيدروجين الناشئة في الأخيرة إلى جانب مبادرات أخرى في الطاقة المتجددة والبترول. وإجمالًا وصلت الاتفاقات إلى قيمة 15 بليون دولار تمويلًا سعوديًا. اما قطاعيًا فقد رصد التقرير خمس قطاعات رئيسة استحوذت هذه الاستثمارات الخليجية وهي الخدمات المالية (149 مشروعًا)، والنقل والتخزين warehousing (84 مشروعًا)، والتكنولوجيا البيئية (64 مشروعًا)، وتكنولوجيا المعلومات والاتصال والإلكترونيات (49 مشروعًا)، ثم التشييد (47 مشروعًا).

ويبدو من القراءة الأولية لهذه الإحصاءات أن الاستثمارات “الخليجية” المباشرة في أفريقيا تأتي في ذيل وجهات مجمل استثمارات هذه الدول الخارجية من جهة الأهمية والقيمة المالية، كما أنها تمثل أرقامًا متدنية للغاية حال حساب متوسطها على عدد دول القارة، كما أن الرقم الذي يمثل استثمارات دول الخليج في القارة على مدار 11 عامًا لا يعادل حجم الاستثمارات المباشرة في جنوب أفريقيا وحدها في العام 2023-2024 (الذي يتوقع أن يصل إلى 111 بليون دولار)غير أن أهمية هذه الاستثمارات تأتي في المقام الأول من جهة تركيزها في قطاعات حيوية للغاية، وأنها تمثل قيمة رقمية هامة نسبيًا (رغم تواضعها عند مضاهاتها باستثمارات الصين المباشرة في القارة في العام 2013 مثلًا والتي اقتربت من حاجز 30 بليون دولار) مع تراجع الاستثمارات الأمريكية والأوروبية والهندية في السنوات الأخيرة.

الإمارات تقود النفوذ الخليجي في أفريقيا

رغم حالة التشويش الحالية في قراءات اقتصادية متنوعة تعمد إلى وضع الإمارات كأكبر مزود للاستثمارات الخارجية المباشرة للقارة الأفريقية بقيمة تقترب من 60 بليون دولار في العقد الأخير (في إعادة إنتاج للتقرير المذكور واجتزاء فقرات منه دون الإشارة الواضحة إلى أن هذا التصنيف معني باستثمارات الخليج العربي في أفريقيا وليس كافة شركاء أفريقيا الاقتصاديين)، فإن الإمارات باتت بالفعل فاعلًا نافذًا في القارة الأفريقية من بوابة الاستثمارات، وإن لم يقتصر دورها على الجانب الاقتصادي وامتد لدعم تمردات شعبية وسياسات إقليمية متناقضة بين مجموعة حلفائها، ومساعي نهب موارد عدد من الدول الأفريقية سواء بترتيبات رسمية أم عبر شراكات مع فاعلين من غير الدول (بما فيهم مجموعة “فاغنر” حسب تقارير لوزارة الدفاع الأمريكية).

وبموازاة سياسة إماراتية مرنة تقوم على استغلال كافة الأدوات المتاحة لتحقيق مكاسب من العمل في أفريقيا، تمكنت الدولة الخليجية من أن تأتي بعد الصين وأوروبا والولايات المتحدة كرابع أكبر مستثمر في أفريقيا في الأعوام العشرة الماضية وفقًا لتقديرات شركة هوايت آند كيس White&Case للاستشارات القانونية، وأن الحضور الإماراتي المتزايد في أفريقيا إلى جانب تأثير كل من الولايات المتحدة والهند وروسيا والصين سيزيد من التنافس بين هذه القوى في القارة([2]). وتركز أبو ظبي بقوة على تعزيز نفوذها في إقليم شرق أفريقيا والقرن الأفريقي عبر إثيوبيا وكينيا، فيما ترتبط بعلاقات قوية وعلى أسس مفهومة مع مصر والمغرب والجزائر، إلى جانب علاقات آخذة في التطور مع جنوب أفريقيا. وفيما يخص حالتا كينيا وجنوب أفريقيا فإن علاقات أبو ظبي ونيروبي التجارية شهدت تطورًا هامًا في الربع قرن الأخير، وعلى سبيل المثال فإن صادرات الإمارات لكينيا ارتفعت من نحو 289 مليون دولار في العام 1997 إلى 1.34 بليون دولار في العام 2020، وتركزت هذه الصادرات في منتجات البترول، بينما ارتفعت صادرات كينيا إلى الإمارات بمعدل سنوي 14.4% في الأعوام 23 المحددة من 15.4 مليون دولار في العام 1997 إلى 338 مليون دولار في العام 2020 وتركزت في البترول المكرر والشاي والماشية. أما فيما يتعلق بصلات الإمارات بجنوب أفريقيا فإنه من المتوقع تصاعدها بشكل كبير في السنوات المقبلة مع ملاحظة تزايد حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 13.1% سنويًا على مدار الأعوام 25 محل المقارنة (ارتفعت صادرات الإمارات لجنوب أفريقيا من 61.4 مليون دولار في العام 1995 إلى 1.32 بليون دولار في العام 2020) بينما ارتفعت صادرات جنوب أفريقيا إلى الإمارات بنسبة 16.2% سنويًا عن نفس الفترة من 86 مليون دولار إلى 6.69 بليون دولار وتركزت بالأساس في الذهب والماس.

اما فيما يتعلق بعلاقات الإمارات التجارية بمصر والمغرب والجزائر في الفترة 1995-2020 فإنها شهدت تصاعدًا ملحوظًا، إذ ارتفعت الصادرات الإماراتية إلى مصر بمعدل 24.8% سنويًا (وصلت إلى 3.69 بليون دولار في العام 2020) فيما ارتفعت صادرات مصر للإمارات بنسبة 19.1% من 41 مليون دولار في العام 1995 إلى 3.21 بليون دولار وتركزت بالأساس في الذهب. بينما ظلت أرقام التبادل التجاري الإماراتي مع الجزائر والمغرب محدودة مقارنة بنظيرتها مع جنوب أفريقيا وكينيا ومصر رغم اتجاهها التصاعدي أيضًا في نفس الفترة([3]).

ويعكس تركز اهتمام الإمارات في كبرى دول القارة (باستثناء نيجيريا) أهم نقاط ارتكاز النفوذ الإماراتي الراهن في القارة الأفريقية إلى جانب إجادة أبو ظبي استغلال العديد من الفجوات الأمنية والعسكرية في مواقع النزاعات لصالح استدامة مصالحها الاقتصادية لاسيما في قطاعي التعدين والبترول كما في إقليم وسط أفريقيا والساحل وليبيا.     

السعودية في أفريقيا: النفوذ الحذر

فيما تستعد العاصمة السعودية الرياض لاستضافة القمة العربية- الأفريقية نهاية العام الجاري فإن النفوذ السعودي في أفريقيا يظل حذرًا بشكل ملحوظ ومرهون بشكل كبير بالمساحات التي تتاح للرياض في ظل جموح إماراتي واضح في القارة، ربما أشار إلى قدر منه تقرير “أفريكا انتيليجنس” في أبريل الماضي بوجود عراقيل “عربية” في ترتيبات القمة المأمولة([4])، بدعم كبير من قوى مخضرمة في التأثير في سياسات القارة مثل إسرائيل، ترقبًا لتمكن الأخيرة من التوصل لاتفاق هام مع السعودية (حسب مؤشرات أخيرة منتصف أغسطس الجاري) ستكون إحدى ساحات تفاعله تنسيق النفوذ السعودي في أفريقيا (على غرار التنسيق الإسرائيلي الإماراتي في أفريقيا).

وإلى جانب تركيز السعودية في علاقاتها الأفريقية بالأساس على عدد من الشركاء مثل مصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا فإنها تسعى في دبلوماسيتها الراهنة إلى تعزيز المصالح السعودية (ولاسيما مصالح شركات الأعمال المملوكة لعائلات سعودية بارزة) في القارة من بوابة الاستثمارات الضخمة في قطاع التعدين إلى جانب تركز الاستثمارات السعودية تقليديًا في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية. ويأتي الطموح السعودي في قطاع التعدين في أفريقيا مسايرًا لاهتمام محلي بالقطاع في السعودية التي شهدت في الفترة يناير- مايو 2023 منح “وزارة الصناعة والموارد المعدنية” 180 رخصة تعدية جديدة، وتوجه معلن، لاسيما من قبل شركات مثل “منارة للمعادن” (وهي شراكة بين صندوق الثروة السيادي السعودي “صندوق الاستثمار العام” وشركة “معادن”)، للاستثمار في قطاع التعدين في الخارج (لاسيما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية)، وتستهدف الرياض من استثماراتها التعدينية في الدول الأفريقية إلى الوصول لمستويات جديدة من التعاون مع هذه الدول بدءًا من نهاية العام 2023 وبالتزامن مع “القمة العربية الأفريقية”([5]).

وتعول السعودية على الرافعة الاقتصادية لموازنة تراجع نفوذها السياسي في العديد من الملفات الأفريقية؛ ويتضح ذلك في استمرار تركيزها على الاستثمار في قطاع الزراعة شديد الربحية (والذي لا يدر سوى عائد محدود على الدول الأفريقية) كما كشفت زيارة مستشار البلاط الملكي أحمد القطان قبل منتصف أغسطس الجاري إلى أوغندا وعقده لقاءًا مع رئيسها يوري موسيفني في عنتيبي لمناقشة فرص التجارة والاستثمار بين البلدين. وحسب بيانات متعلقة بالزيارة فإن السعودية تستهدف تحقيق احتكارات كبيرة لمحصول القهوة الأوغندية ([6]) ومنافسة ألمانيا في هذا السياق.

قطر والكويت والبحرين: التطلع للأمام؟

حضرت بقية دول الخليج (قطر والكويت والبحرين) حضورًا خجولًا في القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة ولم تفلح محاولات قطر -على سبيل المثال- في دعم نفوذها خارج بؤرها الرئيسة (ليبيا- القرن الأفريقي- شرق أفريقيا إلى جانب جنوب أفريقيا) في ظل اضطرابات مستمرة في هذه المناطق في السنوات الأخيرة بعد نهاية عزلة قطر الخليجية وتقاربها الملفت مع دولة أفريقية كبيرة مثل مصر.   كما تواصل الكويت حصر علاقاتها الأفريقية في برامج المساعدات الإنمائية لاسيما في دول غرب أفريقيا، أما البحرين فإنها تحتل المرتبة الأخيرة خليجيًا في حجم تأثيرها وعلاقاتها بالدول الأفريقية في السنوات الأخيرة.

وتحاول الدوحة، بعد فشل العديد من مبادراتها السياسية الأفريقية في العامين الأخيرين، العودة إلى لعب دور الوسيط السياسي المقبول في ملفات عدة مثل الأزمة في تشاد، وليبيا، وربما في أزمات إقليم الساحل الراهنة. دون إغفال ملاحظة الدور الهام والمرتقب للدوحة في لعب دور رئيس في تيسير التوصل لاتفاق بين روسيا وتركيا لتمرير الحبوب إلى الدول الأفريقية بضمانة قطرية، وهي الخطوة التي ستدفع -حال حدوثها- النفوذ القطري في أفريقيا إلى مستويات جديدة تمامًا تجعل قطر منافسًا حقيقيًا للإمارات والسعودية في أفريقيا بعد تخلف الأولى عنهما بمراحل في السنوات الأخيرة.


[1] Knight Frank, Africa Horizons: The Continent’s unique Guide to Real Estate Investment Trends and Opportunities 2023-2024, London, August 2023, p. 5.

[2] Chinedu Okafor, UAE joins China and the West in the scramble for Africa’s business, Business Insider Africa, August 7, 2023 https://africa.businessinsider.com/local/markets/uae-joins-china-and-the-west-in-the-scramble-for-africas-business/h0xd2sp

[3] DFREIGHT, An In-depth Analysis of the UAE- Africa Trade Market, March 27, 2023 https://dfreight.org/blog/analysis-of-the-uae-africa-trade-market/

[4] Saudi plans for Arab-African summit face regional obstacles, Africa Intelligence, April 13, 2023 https://www.africaintelligence.com/the-continent/2023/04/13/saudi-plans-for-arab-african-summit-face-regional-obstacles,109934849-eve

[5] Saudi to help Africa ‘break ranks’ with historic trading partners, The Mining Journal, August 15, 2023 https://www.mining-journal.com/partners/partner-content/1457711/saudi-to-help-africa-break-ranks-with-historic-trading-partners

[6] Monitor Reporter, Museveni, Saudi Arabia royal court advisor discuss bilateral trade, The Daily Monitor, August 11, 2023 https://www.msn.com/en-xl/africa/other/museveni-saudi-arabia-royal-court-advisor-discuss-bilateral-trade/ar-AA1f4XWK

د. محمد عبد الكريم أحمد

د. محمد عبد الكريم أحمد، باحث متخصص في الشئون الأفريقية، منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت،  أصدر مجموعة من المؤلفات والترجمات والبحوث في شئون ليبيا والسودان ونيجيريا وإثيوبيا والفكر الأفريقي والحركات الاجتماعية والإسلامية وقضايا  الإرهاب في أفريقيا  والعلاقات الروسية الأفريقية، وكاتب في العديد من الصحف العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى