Uncategorized

الحالة السياسية الأوغندية… بين تراجع النظام وإخفاق المعارضة

يلاحظ الكثير من المراقبين الى الاوضاع السياسية الاوغندية إن حكومة الرئيس يوويري موسيفيني باتت منهكة، وفقدت الرؤية السياسية لإحداث تحولات جديدة، ولاتحمل أي تصورات لمجاراة ومواكبة حالة التغيير الحاصلة في الشارع الاوغندي. فضلاً عن افتقارها إلى مشروع سياسي خاص لإدارة التحول الوطني المنشود، الا إنها تستجيب بين الحين والاخر للضغوط التي تمارسها المجموعات السياسية المعارضة المعبأة بالمطالب الشعبية. لذلك كل المبادرات التي تقدمت بها حكومة كمبالا لإصلاح النظام السياسي والاقتصادي عبارة عن سياسات تكنوقراطية ضيقة، ولا يمكنها أن تلبي تطلعات الشباب الاوغندي الثائر.

واليوم، ليس لدى حكومة موسيفيني سوى هدف سياسي واحد، وهو البقاء على راس هرم السلطة. ولكن يلاحظ المتابعون إن محافظة موسيفيني على سلطته لايرجع الى المكر السياسي الذي يمارسه، بقدر عجز خصومه السياسيين، وإحتكاره الادوات الصلبة والتحصن بالقلعة العسكرية، التي يلاعب بها إبنه المثير للجد الجنرال موهوزي كاينيروجابا والذي عزله مؤخراً من منصب قائد القوات البرية الأوغندية بعد أن دأب الاخير على التهديد على منصة تويتر بغزو كينيا المجاورة.

إن المتابع لنشاط المعارضة الاوغندية سيلاحظ ضيق الأفق وضآلة التفكير ومحدودية التأثير، بالرغم من تراكم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والامنية والسياسية التي يواجهها البلد منذ سنوات طويلة. إذ يتركز هدف المعارضة الاوغندية على مساعي إزاحة الرئيس موسيفيني من السلطة فقط، ولاترى السلطة كوسيلة لتحقيق غاية بناء مجتمع ديمقراطي سياسيا ومزدهر اقتصاديا ومتناغم اجتماعيا، بل عكس ذلك تنظر المعارضة السلطة كغاية في حد ذاتها، لذلك فشلت في التعامل مع العلل المتراكمة التي تسعى إلى علاج البلاد منها. فضلاً عن عدم التنسيق فيما بينها واعتمادها على صناعة الشائعات في العمل السياسي، وعدم القدرة على إضفاء الطابع المؤسسي، وإتخاذ المكائد والحيل السياسية كأدوات للقيام بدور المعارضة للنظام السياسي الاوغندي.

وبالتالي الاخفاقات التي وقعت فيها مكونات المعارضة الاوغندية أفقدت قطاعات كبيرة من الجمهور الاوغندي الاهتمام بالسياسة. حتى بات المواطن الاوغندي لا ينظر إلى السياسية كوسيلة لمكافحة الأزمات المزمنة التي تعاني منها البلاد. ويرى الكثير من المواطنين فضاء السياسية في أوغندا عباره عن ساحة تتنافس فيها النخب على جذب الاهتمام وحصد الأصوات، وشغل المناصب العامة، وجمع أموالهم الخاصة. حتى أصاب الحياة السياسية فقر حاد في الأفكار السياسية الجديدة، الأمر الذي خلق فراغا في الخطاب العام في البلد، حتى أصبح النقاش اليومي عبارة عن ملاسنات في محطات الراديو والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. ويسعى كل طرف إلى تسجيل نقاط سياسية ضد الطرف الآخر دون تقديم رؤي وتصورات سياسية تنشل البلد من المشهد التازمي السياسي المزمن، وكل المناقشات السياسية تقريبًا تدور حول قضايا ثانوية.

ويشبه البعض الحالة السياسية الاوغندية كمصارعة المحترفين الدوليين، حيث هناك مصارعين في الحلبة يتظاهران بإيذاء بعضهما البعض، ويشعر قسم من الجمهور بالرضا العاطفي من هذه المباريات الصورية كما يفعل الكثير من محبي المصارعة في أمريكا مع هذه الرياضة الطنانة. لكن معظم الأوغنديين غير مهتمين بهذا النوع من الخطاب العام ويشعرون بالملل منه. ونتيجة لذلك، انخفضت نسبة مشاهدة المناقشات السياسية على شاشات التلفزيون، والمستمعين للراديو، وقراء الصحف الى درجات كبيرة.

وتاسيساً على ماسبق، يرى المراقبوان أن غياب الهدف الأخلاقي في السياسة الوطنية الاوغندية خلق فراغا سياسياً ومطلباً في أوساط الجماهير الاوغندية. حتى أصبح الفعل السياسي يدرو حول قضايا إنصرافية تثير اهتمام شرائح معينة من المجتمع على المستويات المحلية.

تدرو أهداف المعارضة الاوغندية حول كيفية إزاحة موسيفيني من السلطة دون توفير بديل لنظامه المتراجع سياسياً والذي تحركه المحسوبية والعائلة. لذلك يرى المراقبون فشلت هذه القوى في إلهام الأوغنديين لتحقيق أحلام كبيرة، وخلقت حالة من اليأس في تحقيق التحول الديمقراطي، حتى تراجع معظم الأوغنديين عن السياسة كما أظهرت نسبة إقبال الناخبين في انتخابات 2021.

وتستمر الحكومة في الحديث عن التحول الاجتماعي والاقتصادي ولكن فقط كشعار وليس كهدف سياسي تنموي. ولاتضع خطط تنموية واضحة في كيفية تحويل الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعة والمجتمع من الفقر والبؤس إلى الرفاه والثراء.

بوبي واين… والفرص الضائعة

في ظل حكم دكتاتوري عسكري يسيطر على مفاصل الدولة لسنوات طويلة يحاول المعارض الشاب بوبي واين تقدم الصفوف لأحداث إختراقات جدار النظام السياسي المتصلب في اوغندا. بالرغم من هذه التحديات الجثام التي تواجهها المعارضة الاوغندية الا هناك فرص عديدة امام واين وزمالائه، ولكنهم لم يقوموا بدور المعارضة الصادق حسب رأي المراقبين. ويعرف عن بوبي واين إجادته إستخدام واسائط التواصل الاجتماعي في تحريك الراي العام الاوغندي وإستغلال تراجع النظام الحاكم من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية.

لقد راكم واين رصيد سياسي جيد على مستوى القواعد الشبابية، ولكنه فشل حتى اللحظة في تحقيق أهدافه السياسية المتمثلة في إنهاء حقبة يوروي موسيفيني. ويرجع المحللون سبب فشل واين الى إعتماده إسلوب الاثارة السياسية وتلميع الذات دون إغتنام الفرص، والتركيز مع ردود الافعال الخارجية بدلاً عن الاعتماد على قوة حاضنته السياسية المعارضة.

إن اثارة الجدل السياسي ومعارضة النظام عبر وسائل التواصل الإجتماعي يظهر عدم رغبة بوبي واين الصادقة في تولي مقاليد الحكم في البلاد. لذلك تنهال الانتقادات على حراكه السياسي وتتهمه الاطراف السياسية بعدم جاهزيته لتولي سلطة سياسية من شأنها أن تحدث تحول مدني ديمقراطي يلبي رغبات الجماهير الأوغندية التنموية.

حاصل القول، الاوضاع السياسية الاوغندية تمر بمرحلة مفصلية وحرجة، هناك نظام يواجه تحديات بنيوية وتنظمية وعجز في إحداث التغيرات الهيكلية التي من شأنها مواكبة التحولات المطلبية في أوغندا. ولكن التواضع التنظمي لدى المعارضة يخدم نظام موسيفيني في البقاء على هرم السلطة لمدة أطول. لكن الضغط الذي تمارسه القوى الخارجية والوضع الاقتصادي المتدهور ربما يتسبب في إحداث حراك ثوري مفاجئ يغير كل قواعد اللعبة السياسية في اوغندي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى