الأمنالقرن الإفريقيالقضاياتقدير المواقفشرق أفريقياشمال إفريقيا

التنافس البحري الصيني – الهندي في سواحل افريقيا الشرقية

يُعد المحيط الهندي منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة لكل من الصين والهند. حيث تمر عبره أهم خطوط الملاحة البحرية العالمية، ويمثل مصدرًا رئيسيًا للطاقة والمواد الخام. تزايد التنافس البحري بين الصين والهند في المحيط الهندي، خاصة في سواحل افريقيا الشرقية، خلال العقود الأخيرة.

في إطار هذا التحليل، سيتم تناول الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمحيط الهندي في السياسة الدفاعية للدولتين، ومحفزات التنافس بين القوتين في منطقة غرب المحيط الهندي وسواحل إفريقيا الشرقية، وتداعيات هذا التنافس على الأمن والاستقرار في المنطقة، ومساراته المستقبلية.

التحول في الرؤية الهندية للمجال البحري: من جنوب آسيا إلى المحيط الهندي

لفترة طويلة، اقتصر تصور الهند لمجالها وأمنها البحري على جنوب آسيا وشرق المحيط الهندي. كان يُنظر إلى هذا الشريط، المكون من بحر العرب وخليج بنغال، باعتباره حلقة الوصل الجوهرية بين الهند والدول الواقعة على محيطها، ومجالًا لنفوذ الهند. سَعت الهند جاهدةً لإيجاد نفوذ سياسي وتفوق إستراتيجي في منطقة المحيط الهندي بمعناها الواسع، نظرت إلى نفسها باعتبارها القوة الطبيعية لتوفير الأمن فيها. اعتبرت النخب الإستراتيجية في الهند غرب المحيط الهندي مجالاً ثانويًا، تم النظر إلى المنطقة من منظور نزعة إقليمية بعيدة. فعلى الرغم من المصالح الاقتصادية المؤثرة للهند في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، إلا أنها لم ترِ أن المنطقة لها أهمية إستراتيجية كبيرة.  وفي السنوات الأخيرة، شهدت الرؤية الهندية للمجال البحري تحولًا ملحوظًا، و أدركت الهند أهمية غرب المحيط الهندي وأصبحت توليه اهتمامًا متزايدًا. تعود هذه التغييرات إلى عوامل متعددة، تشمل: التنافس المتزايد مع الصين في المنطقة، ازدياد أهمية المحيط الهندي كمسار تجاري عالمي، الوعي المتزايد بالمخاطر الأمنية غير التقليدية، مثل القرصنة والإرهاب.

المصالح الإستراتيجية للهند في المحيط الهندي: يُشكل المسرح البحري الآسيوي أحد مكونات سلاسل القيمة العالمية، حيث يضم شرايين بحرية حيوية للتجارة تغذي اقتصادات العالم. من بين المضايق الرئيسية الستة على مستوى العالم، يقع أربعة منها في المنطقة، مما يجعلها ذات أهمية استراتيجية هائلة. يمر من مضيق ملقا ربع تجارة العالم تقريبًا، مما يجعله الأكثر أهمية، هذا الشريان الرئيس للاقتصاد العالمي له أهمية بالغة ليس للصين وحسب، وإنما أيض لاقتصادات شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. كما يُعد مضيق هرمز ممرًا حيويًا لصادرات الطاقة من منطقة الخليج، يُستخدم أيضًا لتدفق القوة العاملة ورأس المال والبضائع الاستهلاكية الآسيوية إلى دول المنطقة. تعتمد الهند بشكل كبير على خطوط الملاحة البحرية في المحيط الهندي لتجارتها الخارجية، وتُعد الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا للهند، لذا فإن سلامة مضيق ملقا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد الهندي. تعتمد الهند على واردات الطاقة من منطقة الخليج، لذا فإن سلامة مضيق هرمز أمر بالغ الأهمية أيضًا. (1)

غرب المحيط الهندي وشرق أفريقيا: شريان حياة للهند

تُعد المنطقة الواقعة في غرب المحيط الهندي وشرق أفريقيا ذات أهمية استراتيجية استثنائية للهند، فموقعها الجغرافي يجعلها بوابة عبور رئيسية للتجارة العالمية، ومركزًا حيويًا لتبادل السلع والبضائع. تعتمد الهند بشكل كبير على هذه المنطقة في استمرار دورة اقتصادها. حيث يأتي حوالي 60% من التجارة الهندية عبر هذه المنطقة، مما يجعلها شريان حياة رئيسيًا لاقتصاد البلاد. تدرك الهند أهمية تأمين خطوط الملاحة البحرية في هذه المنطقة، خاصةً مع ازدياد التوترات والصراعات في بعض الدول الأفريقية. تتعاون الهند مع تسع دول ساحلية في المنطقة، وهي جزر القمر، وكينيا، ومدغشقر، وموريشيوس، وموزمبيق، وسيشل، والصومال، وجنوب أفريقيا، وتنزانيا. أكد تقرير بنك التصدير الهندي “India Exim Bank” في نوفمبر 2022 على الدور الهام الذي تلعبه الهند في تعزيز الأمن البحري في منطقة المحيط الهندي.

الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية بالنسبة للدولتين (الهند والصين)

اقتصادياً، تُعد منطقة غرب المحيط الهندي وسواحل شرق إفريقيا بمثابة شريان حيوي للتجارة العالمية، فهي مسار رئيسي لحركة البضائع والنفط، وتلعب دورًا محوريًا في استقرار الاقتصاد العالمي. يمر عبر هذه المنطقة ما يقرب من نصف حركة الحاويات في العالم، وثلث حركة البضائع العالمية، وحوالي 80% من شحنات النفط البحري العالمي. كما أن 40% من البترول البحري المستخرج في العالم يأتي من هذه المنطقة. تحتوي هذه المنطقة على ثلاثة ممرات استراتيجية: مضيق هرمز، ومضيق ملقا، ومضيق باب المندب، تُعرف هذه الممرات الثلاثة بـ “نقاط الاختناق”. أي خلل أو اختناق في هذه الممرات المائية سيكون له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي.

استراتيجياً، يُعد الساحل الشرقي لإفريقيا وغرب المحيط الهندي منطقة ذات أهمية استراتيجية قصوى لكل من الصين والهند. تُشارك تسع دول إفريقية في هذه المنطقة، وهي: جنوب إفريقيا، وموزمبيق، وتنزانيا، وكينيا، والصومال، وجيبوتي، وإريتريا، والسودان، ومصر. كما تقع أربع دول جزرية إفريقية في هذه المنطقة، وهي: مدغشقر، وموريشيوس، وجزر القمر، وسيشيل. تُشكل هذه الدول نقاط وصول مهمة لجيرانها من الدول غير الساحلية، مما يزيد من أهميتها الاستراتيجية. تُعد هذه المنطقة مسرحًا للتنافس الصيني الهندي في المنطقة، خاصةً مع موقعها المتاخم للساحل الشرقي للقارة الإفريقية، وقربها من البر الرئيس في شرق إفريقيا وغرب آسيا.

سلسلة اللؤلؤ: صراع النفوذ البحري بين الصين والهند في المحيط الهندي

تسعى الصين إلى تطوير مرافق لوجستية خارجية، تُعرف باسم “سلسلة اللؤلؤ”، تتضمن بناء سلسلة من القواعد العسكرية عبر المحيط الهندي. تهدف هذه الاستراتيجية إلى حماية الموارد الصينية وممرات الشحن، وإبراز قوتها العسكرية على مسافات أطول من سواحلها. تثير التحركات الصينية في غرب المحيط الهندي مخاوف نيودلهي، التي تعتبر هذه المنطقة جزءًا من “جوارها الممتد”. تخشى الهند من تهديد سلامة تجارتها البحرية التي تمر عبر المنطقة، وتؤثر على نفوذها في إفريقيا. يمكن قراءة دلالة التوقيت الذي نظمت فيه النسخة الثانية من تمرين أفنديكس (21-29 مارس 2023) بوضوح، حيث جاء تنظيمه بعد فترة قصيرة من التدريبات التي نظمتها روسيا وجنوب أفريقيا والصين في جنوب أفريقيا (جنوب المحيط الهندي). (2)

التنافس العسكري بين الهند والصين في جنوب غرب المحيط الهندي: صراع على النفوذ

تسعى كل من الهند والصين إلى تعزيز وجودهما العسكري في جنوب غرب المحيط الهندي، خاصة بالقرب من قناة موزمبيق. تُعد هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث يمر عبرها النقل البحري من وإلى المحيط الأطلسي، ويدور حول الطرف الجنوبي لإفريقيا، ويتبع مسارًا طبيعيًّا بين جزيرة مدغشقر وساحل جنوب شرق إفريقيا. لأسباب متعددة، تشمل:

  • الأهمية الاستراتيجية لقناة موزمبيق: تُعد قناة موزمبيق ممرًا بحريًا هامًا للتجارة العالمية، حيث يمر من خلالها النقل البحري الذي يربط بين المحيط الهندي والمحيط الأطلسي.
  • الحفاظ على حركة المرور: تُولي الصين أهمية خاصة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة لضمان استمرار حركة المرور البحري في حال حدوث أي اضطرابات في مضيق ملقا، الذي يُعد ممرًا بحريًا رئيسيًا للتجارة الصينية.
  • تأمين خطوط الملاحة البحرية: تسعى كل من الهند والصين إلى تأمين خطوط الملاحة البحرية وحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة.
  • التنافس على النفوذ: تسعى كل من الدولتين إلى توسيع نفوذها في المنطقة وتعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية.  (3)

الدبلوماسية العسكرية الهندية في أفريقيا: تحديات متزايدة

تحديات تمويل الانتشار البحري الهندي في الخارجتشير التقارير إلى تواضع حجم الموارد المخصصة لإنفاق الحكومة الهندية على أسطولها البحري مقارنة بالصين. وتشير الأرقام عن السنة المالية 2017-2018 إلى أن الهند تنفق 15% فقط من إجمالي إنفاقها العسكري على أسطولها البحري، فيما تنفق الولايات المتحدة ما يقرب من 30%، وتنفق أستراليا واليابان ما يقرب من 25% و23% على التوالي، في حين تشير التقارير إلى أن الصين تنفق ثلاثة أضعاف ما تنفقه الهند على جيشها بوجه عام. (4)

تواجه الهند نقصًا في الإنفاق على البحرية مقارنة بالدول الأخرى، مثل: الصين والولايات المتحدة. تهدف الهند إلى زيادة قدراتها البحرية وتطوير أسطولها ليضم 200 سفينة بحلول عام 2027. طلبت البحرية الهندية 5.2 مليار دولار خلال السنة المالية 2017-2018، ولكن تم تخصيص 2.9 مليار دولار فقط. ويعني هذا النقص في التخصيص أن البحرية الهندية بالكاد تستطيع تغطية نفقاتها المخطط لها، وهو ما يحد من قدرة البحرية الهندية على توسيع وجودها وموازنة الوجود الصيني في منطقة غرب المحيط الهندي. (5)

مؤشرات على زيادة دور الهند العسكري في أفريقيا: نهج أكثر فاعلية في الدبلوماسية العسكرية

تشير المناورات العسكرية الهندية الأخيرة إلى أنها تتطلع إلى تبني نهج أكثر فاعلية فيما يتعلق بالدبلوماسية العسكرية في إفريقيا. تتضمن هذه المساعي جوانب مختلفة، وهي:

تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع الدول الأفريقية:

على الرغم من اهتمام الهند بتعزيز التعاون مع إفريقيا في جميع المجالات (السياسية والاقتصادية والعسكرية)، إلا أنها أولت اهتمامًا خاصًا للتعاون العسكري. في البداية، اقتصر التعاون العسكري على دوريات مشتركة في المياه الأفريقية بهدف ضمان سلامة الشحن الهندي ومواجهة التحديات الجديدة في غرب المحيط الهندي، وخاصة القرصنة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية والإرهاب. في ذلك الوقت، ركزت الجهود الهندية على إنشاء مؤسسات تعليمية عسكرية في دول مختلفة، بما في ذلك كلية الحرب البحرية في نيجيريا والأكاديمية العسكرية في إثيوبيا وأكاديمية القوات الجوية في غانا. كما أرسلت نيودلهي فرق تدريب إلى دول مثل بوتسوانا وليسوتو وزامبيا وأوغندا وناميبيا وتنزانيا وموريشيوس وسيشل. في السنوات الأخيرة، توسع التعاون الهندي الأفريقي ليشمل التدريبات العسكرية المشتركة بانتظام.

توسيع نطاق التعاون ليشمل دول المحيط الهندي:

لا يقتصر اهتمام الهند فقط على التدريبات العسكرية المشتركة، بل تعمل أيضًا على تحسين علاقاتها مع الدول الواقعة على المحيط الهندي، وخاصة الدول الغنية بالموارد الاستراتيجية والطبيعية. تتمتع بعض هذه الدول بموارد استراتيجية كبيرة – النيجر (اليورانيوم) والسودان (النفط) ونيجيريا (النفط) والسنغال (الفوسفات) وتنزانيا (الغاز الطبيعي) وزامبيا (النحاس) – بينما يتمتع البعض الآخر بموقع استراتيجي على طول ساحل المحيط الهندي (كينيا، سيشل، تنزانيا، ليسوتو، زامبيا، زيمبابوي).

إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون العسكري:

تعمل الهند على إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون العسكري وبناء شراكات دفاعية في المنطقة. في الفترة من 28 إلى 29 مارس 2023، عقدت الهند اجتماعًا وزاريًا رفيع المستوى حول الشراكة الدفاعية الهندية الأفريقية وقدرات الصناعة الدفاعية الهندية ومساهمتها في الأمن الإقليمي. يأتي هذا الاجتماع الوزاري في الوقت الذي تسعى فيه الهند إلى إنشاء مجلس وزاري مشترك دائم للدفاع الهندي الأفريقي من أجل إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون الأمني مع شركائها الأفارقة. يهدف هذا المجلس إلى تحديد فرص للمشاريع والاستثمارات المشتركة في مجالات الأمن السيبراني والأمن البحري ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى توفير التكاليف في مجال المعدات العسكرية.

اقترحت الحكومة الهندية أيضًا إضفاء الطابع الرسمي على حوار الدفاع الهندي الأفريقي الذي عقد في الفترة من 18 إلى 22 أكتوبر من العام الماضي على هامش معرض ديف إكسبو للأسلحة. في الوقت نفسه، أطلقت نيودلهي مبادرة الأمن والنمو للجميع في المنطقة (SAGAR)، وأنشأت وزارة الخارجية إدارة جديدة مخصصة للأمن والتنمية في منطقة المحيط الهندي، وأعلنت البحرية الهندية التزامها الكامل بأمن البحري على طول الساحل الشرقي لأفريقيا. (6)

الصين تسعى لكسر “معضلة مضيق ملقا”: قواعد عسكرية في غرب المحيط الهندي

تشير الاستراتيجية العسكرية الصينية (إصدار ٢٠٢٠)، إلى نهج “محيطين” يركز على المحيطين الهادي والهندي، وإنشاء “نقاط دعم استراتيجية بحرية” ومخطط قوي للمحيطين” يمكن أن يُواجه أي أزمة. وتسعى استراتيجية إنشاء القواعد الصينية في المحيط الهندي إلى حل “معضلة مضيق ملقا”، حيث تعبر واردات الصين من الشرق الأوسط وأفريقيا (بما في ذلك ٨٠% من نفطها) عبر الممرات البحرية في المحيط الهندي التي يحرسها أعداء محتملون، وبصورة أساسية البحرية الأمريكية. لذلك، تسعى الصين لبناء قواعد عسكرية في غرب المحيط الهندي، وعلى طول الساحل التنزاني، وفي الجزر الأفريقية، ولا سيما في سيشل وموريشيوس وجزر الز قمر، وذلك لتأمين حركة تجارتها وامتداداتها من البترول والغاز عبر المحيط. (7)

مكانة منطقة شرق إفريقيا في مبادرة الحزام والطريق

تلعب منطقة شرق إفريقيا دورًا هامًا في مبادرة الحزام والطريق، وذلك لعدة أسباب: موقعها الاستراتيجي: تربط المنطقة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعلها مركزًا تجاريًا هامًا، البنية التحتية المتطورة: تمتلك المنطقة العديد من الموانئ والطرق السريعة التي تربطها بالعالم، النمو الاقتصادي القوي حيث تتمتع دول المنطقة بمعدلات نمو اقتصادي مرتفعة، مما يجعلها سوقًا واعدة للمستثمرين، الموارد الطبيعية الغنية: تمتلك المنطقة احتياطيات كبيرة من النفط والغاز والمعادن. وقد استثمرت الصين بشكل كبير في مشاريع البنية التحتية في منطقة شرق إفريقيا، بما في ذلك: ميناء مومباسا في كينيا: تم توسيع الميناء بشكل كبير لزيادة قدرته الاستيعابية، خط سكة حديد أديس أبابا – جيبوتي: يربط الخط بين إثيوبيا وجيبوتي، مما يسهل التجارة بين البلدين، الطريق السريع بين نيروبي ومومباسا: يربط الطريق بين أكبر مدينتين في كينيا، مما يسهل حركة التجارة والأشخاص، وتساهم هذه المشاريع في تحسين البنية التحتية في المنطقة وتعزيز التجارة والاستثمار، كما أنها تساعد على خلق فرص العمل وتحسين حياة الناس.

ولكن هناك بعض التحديات التي تواجه منطقة شرق إفريقيا في مبادرة الحزام والطريق، منها:

  • الديون: قد يؤدي الاستثمار الصيني إلى تراكم الديون على دول المنطقة.
  • التأثير البيئي: قد تؤثر بعض المشاريع على البيئة بشكل سلبي.
  • الفساد: قد يؤدي الفساد إلى سوء إدارة المشاريع.

ولكن بشكل عام، فإن مبادرة الحزام والطريق تمثل فرصة كبيرة لمنطقة شرق إفريقيا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتحتاج دول المنطقة إلى العمل معًا لمعالجة التحديات والاستفادة من الفرص التي توفرها المبادرة.

التنافس الصيني-الهندي في غرب المحيط الهندي: سيناريوهات محتملة

ثمة مسارات محتملة لمستقبل التنافس بين الصين والهند في غرب المحيط الهندي، على النحو التالي:

السيناريو الأول: التنافس على النفوذ من خلال التحالفات العسكرية، يشهد غرب المحيط الهندي تناميًا في التحالفات العسكرية بين القوى الكبرى، مدفوعًا بالتنافس على النفوذ في المنطق، تتجه الولايات المتحدة والهند إلى تعزيز تعاونهما العسكري، خاصة مع الدول الجزرية في إفريقيا تهدف مبادرات مثل “CUTLASS Express” إلى تعزيز الأمن البحري الوطني والإقليمي في المنطقة. في المقابل، تسعى الصين إلى موازنة التحالف الأمريكي-الهندي من خلال تعزيز تعاونها العسكري مع روسيا وجنوب إفريقيا. تُنظم الدول الثلاث مناورات عسكرية مشتركة في جنوب إفريقيا كجزء من هذه الاستراتيجية.

السيناريو الثاني: احتمالية امتداد الصراع الحدودي بين القوتين إلى المحيط الهندي، يرى بعض المراقبين أن الصراع الحدودي بين الهند والصين يمكن أن يمتد إلى المحيط الهندي، قد يحدث ذلك إذا حاولت إحدى القوى اعتراض تحركات الأخرى في المحيط، خاصةً إذا نجحت الهند في إقامة قواعد عسكرية بالقرب من قناة موزمبيق وحاولت تعطيل مرور السفن الصينية عبرها. على الرغم من ذلك، يبدو أن هذا السيناريو يظل مستبعدًا، حيث تحاول القوتان تفادي المواجهة العسكرية، لأنها ستؤدي إلى تدخل دول أخرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، وسيشكل هذا التدخل تهديدًا لمصالح جميع الأطراف.

السيناريو الثالث: صراع بارد في غرب المحيط الهندي: يتوقع أن يستمر التنافس بين الصين والهند في المنطقة، لكن مع تجنب المواجهة المسلحة المباشرة. قد يتحول هذا التنافس إلى صراع بارد، يشبه الصراع الذي حدث بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. حيث ستستمر القوتان في إغراء الدول الإفريقية المطلة على المحيط الهندي بالحصول على تسهيلات عسكرية تسمح لها بإقامة قواعد عسكري، و ستُسعى كل من الصين والهند إلى تعزيز نفوذها في المنطقة من خلال هذه القواعد. غير أن الموقف السياسي الداخلي يظل من أهم التحديات التي تواجه هذا السيناريو. (8)

هل ستقود مصالح الهند والصين المتضاربة في شرق إفريقيا إلى صراع محتوم، أم يمكن للتعاون في ظل منظمة البريكس أن يخلق مسارًا بديلاً للتعايش؟

ختاماً يمكن القول، أن يُعدّ التنافس بين الهند والصين في شرق إفريقيا ظاهرة واضحة، حيث تسعى كل منهما إلى توسيع نفوذها في المنطقة من خلال الاستثمارات والمشاريع التنموية. وهناك العديد من العوامل التي تُغذّي هذا التنافس، منها:

  • الحاجة إلى تأمين الموارد الطبيعية: تمتلك دول شرق إفريقيا احتياطيات كبيرة من النفط والغاز والمعادن، وهي موارد ضرورية للنمو الاقتصادي لكل من الهند والصين.
  • السعي إلى توسيع التجارة: تُعدّ دول شرق إفريقيا سوقًا واعدة للمنتجات الهندية والصينية.
  • التنافس على النفوذ الجيوسياسي: تسعى كل من الهند والصين إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، خاصة في ظل التنافس المتزايد مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن على الرغم من التنافس، هناك أيضًا فرص للتعاون بين الهند والصين في شرق إفريقيا. فمن خلال منظمة البريكس، التي تضم كل من الهند والصين، يمكن للبلدين العمل معًا لتنفيذ مشاريع مشتركة في المنطقة، مثل:

  • بناء البنية التحتية: يمكن للبلدين العمل معًا لبناء الطرق السريعة والموانئ والسكك الحديدية في دول شرق إفريقيا.
  • تطوير الطاقة: يمكن للبلدين العمل معًا لتطوير مشاريع الطاقة في المنطقة، مثل مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
  • الاستثمار في الزراعة: يمكن للبلدين العمل معًا لتحسين الزراعة في دول شرق إفريقيا، مما سيساعد على زيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل.

ويمكن للتعاون بين الهند والصين في شرق إفريقيا أن يُحقق العديد من الفوائد للمنطقة، منها:

  • تحفيز النمو الاقتصادي: سيساعد التعاون على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة في دول شرق إفريقيا.
  • تعزيز الاستقرار: سيساعد التعاون على حل النزاعات وتحسين الأمن والاستقرار في المنطقة.
  • رفع مكانة دول شرق إفريقيا على الساحة الدولية: سيساعد التعاون على جذب انتباه العالم إلى دول شرق إفريقيا وإمكاناتها.

ولكن لتحقيق هذه الفوائد، يجب على الهند والصين العمل معًا بشكل وثيق وتجاوز التنافس بينهما. ولكن لا يمكن الجزم بأن التنافس بين الهند والصين في شرق إفريقيا حتمي، فهناك فرص للتعاون بينهما في ظل منظمة البريكس.

ملاحق: (ملحوظة: الملاحق تم إعدادها من خلال الباحث)

ملحق رقم (1)

ملحق رقم (2)

المراجع:

  • أبهجيت سينج، تطور الوضع البحري للهند في المحيط الهندي: الفرص المتاحة أمام منطقة الخليج، تحليل، أغسطس 2020، أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، https://2u.pw/AXdqDIK
  • د. حمدي بشير، التنافس البحري بين الصين والهند في غرب المحيط الهندي وسواحل إفريقيا الشرقية، دراسة، بقلم خبير دورية تصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، (العدد 54)، 14 يوليو 2023، https://2u.pw/pXioVdg
  • د. حمدي بشير، التنافس البحري بين الصين والهند في غرب المحيط الهندي وسواحل إفريقيا الشرقية، نفس المرجع.
  • Dr. Hamdy Bashir, Stronger Partnerships: Why is India Pursuing Active Military Diplomacy in Africa?, Study, April 8, 2023, InterRegional For Strategic Analysis, https://2u.pw/QuEy4zcY
  •  د. حمدي بشير، أفنديكس” نموذجاً: لماذا تتجه الهند لبناء دبلوماسية عسكرية نشطة في أفريقيا؟ ، دراسة، 3 أبريل 2023، مركز إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، https://2u.pw/li9tMfV
  • India – A Rising Power in East African Waters, Report, August 2019, FOI, https://2u.pw/L2iKfz2
  • د. حمدي بشير، التنافس التعاوني: لماذا يتزايد الاهتمام الأمريكي بتعزيز العلاقات مع جزر القمر؟، تحليل، 19 يوليو 2023، الحائط العربي، https://2u.pw/fC4t5Bf
  • د. حمدي بشير، التنافس البحري بين الصين والهند في غرب المحيط الهندي وسواحل إفريقيا الشرقية، مرجع سابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى