إفريقيا جنوب الصحراءالأزماتالأمنالاستخباراتالحركات المسلحةالقرن الإفريقيالقضاياالمناطقتقدير المواقفشرق أفريقياصنع السلام

التدخلات الخارجية وأثرها علي سلام السودان: الاهداف والمغالطات والنتائج

تمهيد.

العلاقات بين الدول في بعدها الثنائي والاقليمي والدولي تقوم علي دعائم عديدة اهمها :المصلحة المتبادلة والدين والتاريخ المشترك والايدلوجيا. تستخدم الدولة ادواتها في السياسة الخارجية لإدارة مصالحها العليا وما بين الوسائل الدبلوماسية والعسكرية تعظم الفوائد او تحدث الخسائر.

ورغم إقرار الدول بميثاق الامم المتحدة واعلان إلتزامها بالتعهدات التي تنظم عمل البعثات الدبلوماسية والقنصلية  واعلانات هافانا وبروتكولات جنيف وفينا والشرعة الدولية خاصة فيما يتعلق بفقرات احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشئون الداخلية الا ان كثير من الدول لا تتقيد بذلك وربما تتحايل عليه فتتورط وتتدخل في الشئون والسياسات الداخلية للدول خاصة في حالة الازمات والحروب وتتوقف طبيعة التدخل وانواعه (سلبا او ايجابا)  حسب ما تمليه المصلحة والدوافع الدافعة لذلك كثيرا ما يكون التدخل بالوسائل المخابراتية التي تمهد للعمل العسكري الميداني. فالنزاع من الناحية سياسية، يشير إلى موقف تنافسي، يكون أطرافه على دراية بعدم التوافق في المواقف المستقبلية المحتملة، والتي يكون لكل منهم، موقف لا يتوافق مع المصالح المحتملة للطرف الاخر، في حين أن البعد النفسي للمفهوم يشير إلى موقف يكون لدى الفرد او الدولة فيه دافع للتورط أو للدخول في نشاطين أو أكثر، لهما طبيعة متناقضة تماما.

الازمة السودانية:

في الحالة السوداني هنا نشير الي أهمية التوصيف الدقيق والسياق الصحيح للازمة وأسباب الحرب حتي نصل الي إجابات منطقية وخلاصات حقيقية لما يحدث في السودان وهو انه تمرد لقوات الدعم السريع والتي هي جزء من القوات المسلحة السودانية بمنطوق القانون والوثائق الخاكمة للفترة الانتقالية. نعم تمردت هذه القوات عندما حركت في يوم 13/ أبريل ٢٠٢٣م قوة عسكرية قوامها مائة وخمسون عربة بكامل عتادها الحربي دون اذن من قيادة الجيش وإدارة عملياته والمدهش ان وجهتها هي احتلال مطار مروي في شمال السودان وقد قامت القوات المتمردة بإطلاق النار وأسر عدد من الجنود والضباط المصريين المتواجدين هنالك وفق بروتوكول موقع بين البلدين وليس في ذلك إساءة للعلاقات السودانية المصرية فحسب ولكنه خروج وتمرد علي النظم واللوائح التي تنظم حركة الجيوش وتنقلها وذلك معروف من القواعد العسكرية بالضرورة فضلا عن العلاقات الثنائية بين البلدين ولك ان تتساءل ماذا سيكون موقف الولايات المتحدة الأمريكية او الإمارات او إثيوبيا لو انه تم اعتقال جنودها من قبل قوة عسكرية تمردت علي جيش وطنها القومي.

أبعاد التدخل الخارجي:

ياخذ التدخل الخارجي في السودان عدة ابعاد ومستويات ولاغراض هذا البحث سنقسمها وفق الموضوعات الأهداف وليس الشخوص والجغرافيا وأهمها :

  • العقوبات الدولية
  • ب‌.   لجان التحقيق الدولية كلجنة حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية
  • الدعم السياسي
  • ث‌.   الدعم العسكري المباشر الإمداد بالاسلحة والمعدات القتالية.
  • الدعم والتدخل تحت ستار العون الإنساني وهو استنساخ لتجربة برنامج شريان الحياة والتي تبنتها الامم المتحدة ووظفتها دوائر مخابرتبة أمريكية ولوبيهات داعمة للانفصال والمتمردين بغرض تسليح حركة جيش تحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق.
  • ح‌.    فضلا علي حالة استنفار المرتزقة من تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطي ومالي والتي تشمل المقاتلين ولكن وفق التصنيف القبلي والاثنية والتحفيز بالغنائم والسلب والنهب بغرض الثراء كحال المليشيات في كل العالم.

لا يمكن الجزم بعدم وجود أهداف ومرامي للدول المتدخلة ولكن بنظرة استراتيجية متعمقة فإن مصالح هذه الدول لا تتحقق الا في وجود دولة مستقرة وانتصار مؤسسات الدولة التي يمثلها الجيش القومي السوداني فيه ضمان لاستمرار المصالح وديمومنها والشئ بضده يعرف . كما أن هذه المصالح تقع تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية وهنا نعني تقاطع الاستراتيجيات وأمن البحر الأحمر وصراع الموانئ فضلا عن الأراضي الزراعية الخصبة في مناطق الفشقة والجزيرة وشمال السودان ينطبق ذلك علي مناطق التعدين الرسمي والاهلي. فبالتالي التحول الذي أحدثه الجيش علي صعيد العمليات العسكرية علي الارض في الخرطوم سيتبعه تغيير في مواقف كثير من الدول التي تخاطب مصالحها وبالتالي ستدور مع المصلحة ان دارت الدائرة علي المتمردين وتأكد لها علو كعب القوات المسلحة السودانية ويبدو ان الامر يذهب في هذا الاتجاه.

دوليا هنالك تفهم أمريكي و اوروبي الي حد ما بحتمية سيادة الجيش ولكن ربما الاختلاف في الكيفية التي يكون عليها ذلك الانتصار وتوظيفه ليخدم مصالحها وواضح المواؤمة بين المصالح في المنطقة والأخذ في الاعتبار الرأي العام الامريكي و الأوربي عندما يتعلق الأمر بقضايا حقوق الإنسان والتحول الديمقراطية وهذه يمكن تجاوزها بالحوار وثبت ذلك من خلال مباحثات جدة الذي رعته أمريكا والمملكة العربية السعودية وتمخص عن اتفاق 11_20 مايو وأهم فقراته المرجعية هو خروج قوات الدعم السريع من منازل المواطنين والأحياء السكنية واخلاء المرافق الحيوية ومؤسسات الدولة والجامعات التي حولوها الي سكنات عسكرية وهي فاتورة لا يقوي الدعم السريع علي تنفيذها لأنها تعني باختصار تصفيته وإنهاء وجوده كما أن استمرار الوضع وبقاءه علي ما هو عليه سيجلب له الضغط الدولي والعقوبات بفعل تعريض المدنيين للخطر والقتل وجرائم الإنسانية التي وصلت حد المطالبة بتصنيف الدعم السريع كمليشيا إرهابية.

الخلاصة.

للحرب كما للسلام دورة حياة لابد من أن تكتمل حتى تستدير كما ذهب بذلك علماء فض النزاعات. التحول من الحرب كمهدد الي الحرب كفرصة يعتمد ويتوقف على منهج إدارة التأييد والالتفاف الشعبي السوداني مع الجيش باعتباره مؤسسة دولة وليس شخوص كحال المليشيا المتمردة التي تتسم بالهرمية العشائرية (ال دقلو) وطبيعة التكوين القبلية(عرب جنيد).

من المهم إدخال المتغير الجديد في معادلة الحرب والسلام واعني اعلان الحركات المسلحة الدارفورية الموقعة علي اتفاق جوبا وانضمامها للقتال الي جانب القوات المسلحة السودانية وهذا المتغير سيحدث ارباك في الموقف والخطاب السياسي والعمل العسكري الميداني علي الارض. تنبع أهمية هذا التحول في انه سيكون بمثابة الزلال الذي سيحرك الأرض تحت اقدام قوات الدعم السريع لانه سيعيد الحرب في دارفور الي مربعها الأول واسبابها التاريخية التي اندلعت في العام 2002م من واقع تصرفات قوات الدعم السريع وانتهاجه المنظم لعمليات التطهير العرقي في ولاية غرب دارفور وهنا أشير الي مذابح اردمتا في الجنينة التي دفن فيها جنود الدعم السريع أفراد من قبيلة المساليت اهل الحاكورة (الأرض) أحياء في مقابر جماعية مما يشكل جريمة حرب تضاف الي السجل الأسود لقوات الدعم السريع في الخرطوم وكردفان. نخلص الي ذلك أن السياسة الداخلية للدولة وحسن إدارة التناقضات بين مكونات دارفور سيمثل ضغط علي قوات الدعم السريع في إدارة الإقليم ومن ثم توليد فرص لفرض السلام من بعد تخفيف العبء العسكري علي الخرطوم اذن المجتمع في الداخل هو مفتاح للسلام القادم علي حقيقة ان العلاقات الخارجية هي انعكاس الأوضاع الداخلية.

خارجيا : بالضرورة الاخذ في الاعتبار المتغيرات التي حدثت في محيط جوار السودان القريب ونعني بها التحولات في الموقف الكيني من الحرب في السودان وكذلك الإثيوبي علي خلفية تنشيط الدبلوماسية الرئاسية والزيارات التي قام بها البرهان راس الدولة الي كل من نيروبي واديس أبابا وفق اعلان البرهان / روتو والبرهان / ابي احمد. بعد ازدياد قناعة تلك الدول خطورة تمدد الدعم السريع علي الأمن الإقليمي لدول القرن الافريقي ولو ان السودان تعامل بالمثل مع معارضي تلك الدول خاصة في إقليم تقراي وأرض الصومال ونزاعها الحدودي مع كينيا  والاوغادين لو ان السودان دعم التمرد لما لبثوا غير ساعة ولكنه اكتفي بالتلويح والتذكير في هذه المرحلة.  وليس بعيد عن الجهر بالقول مباحثات الفريق اول الكباشي مع حكام الإمارات والمحتوى الأمني والعسكري للزيارة.

ملخص التقرير الاستراتيجي يشير الي ان فرص ومهددات سلام السودان ستتوقف علي سلوك الفاعليين والمتدخلين في الشأن السوداني سلبا او ايجابا في المرحلة القادمة وفق مؤشر الملاحة الجوية والدبلوماسية الرئاسية التي تتحرك الان في سماوات المنطقة بالتزامن مع المسيرات وهدير الدبابات ويمكننا حصر المؤثرين والمسهلين او المعوقين في دول الجوار الافريقي تشاد إثيوبيا كينيا جنوب السودان ليبيا والعربي الاسلامي مصر والإمارات تركيا قطر هؤلاء الفاعليين توجهاتهم ثباتها او تغيرها في المرحلة القادمة هو ما سينعكس علي فرص او استحالة الحل السياسي وان كان الرهان الأكبر يتوقف علي قدرة القوات المسلحة السودانية علي أحداث تحول جذري في معركة الخرطوم وحينها سيكون المستقبل السياسي وسلام السودان سيحدده موقع الجيوش علي الأرض وقطعا ستتبعه تحولات في المواقف الإقليمية والدولية بحكم الواقعية السياسية والمصالح المرعية.

وربما من نافلة القول التذكير بأن نقل الدعم السريع للحرب الي إقليم دارفور والذي يعني وفق القاموس العسكري توسيع دائرة الحرب والمواجهة وهذه بالضرورة فاتورة باهظة لن يقوي عليها الداعم والمدعوم واشير هنا الي بيان الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة عن استيلاء الجيش السوداني علي مدرعة اماراتية في مواجهات سلاح المدرعات في الشهر الجاري  (نوفمبر) في أول اعلان رسمي عن دعم دولة الإمارات للمليشيا وما يعنينا في هذا التقرير الاستراتيجي مدي قدرة الإمارات العربية علي الاستمرار في دعم الدعم السريع خاصة بعد عمليات دارفور البعيدة عن الموانئ ومناجم الذهب والمشاريع الزراعية محط اهتمام الإمارات وبالتالي بداية التضارب في المصالح مما يخدم مسار التحول في المواقف واعادة التموضع مع الاخذ في الاعتبار تجاربها في كل من اليمن وليبيا والصومال وميناء بربرة. وبالتالي الانتقال من مهدد للسلام الي داعم للاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى