الأزماتالأمنالقرن الإفريقيالقضاياتقدير المواقفشرق أفريقيا

 البحر الأحمر والأطماع الإقليمية و الدولية

إن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي تعج بالأساطيل وتموج بالأحداث قديما وحديثا ، فكأنك اليوم عندما تقف على ما يجري بها ويتجسد ويتحقق على أرضها ، تستمع إلى أسطورة تروى عن غابر الأزمان ، أو رواية من الخيال العلمي تُعرض عليك ،  لما تتضمنه من متناقضات وتحويه وتحتضنه من المتنافرات ، أقطاب عالمية متشاحنة ومتشاكسة ومتصارعة تلتقي على مائدة واحدة ، وترسم وتخطط على لوحة أو خريطة واحدة ، إنه باب المندب حيث كلما كبّرت وقربت صور التلسكوب ستظهر لك غرائب وعجائب كما لو أنها صور من ” مسبار هابل ” تعرض عوالم فضائية جديدة.

الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر

ليس من باب الإتيان بجديد يكون الحديث عن أهمية البحر الأحمر ، وإنما من وجه تأكيد هذه الأهمية وخطورتها عبر الأزمان ، فأهميته تتجلى في تأريخه الحافل وأحداثه المزدحمة ، وتنافس القوى الفاعلة عليه ، جاء في كتاب ما هي الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر: ( الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر جعلته من أهم البحار في العالم حيث يتميز بموقع جغرافي واستراتيجي مهم ، لأنه يتلقى ثلاث قارات العالم القديم وهو حلقة وصل بين ثلاثة مناطق إقليمية هي : الشرق الأوسط والقرن الإفريقي و المحيط الهندي و منطقة الخليج . فهو يعتبر قناة وصل بين البحار والمحيطات المفتوحة ومن هنا تزيد أهميته الإستراتيجية سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية . وهو الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي و إيران الى السوق العالمية في أوروبا إذ تحتاج أوروبا الى نقل 60% من احتياجاتها من الطاقة عبر البحر الأحمر و أيضا نقل نحو 25% من احتياجات النفط للولايات المتحدة الأمريكية عبره . و للبحر الأحمر دور في التجارة الدولية بين أوروبا واسيا و تقدر السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر سنويا بأكثر من عشرين ألف سفينة .) [1]؛ ويكتسب البحر الأحمر أهمية إضافية من المواقع الحساسة  التي تجاوره وتبادله الاهتمام الإقليمي والعالمي ، يضيف الكاتب وتقع ثروات قاع البحر الأحمر في نطاق المنطقة الاقتصادية للدول المطلة عليه ، ويختصر البحر الأحمر المسافة بين الشرق والغرب ويتاخم الكثير من المناطق الحساسة ذات التأثير الحيوي مثل منابع النيل و روافده و الأماكن المقدسة الإسلامية ، و يوجد في هذا البحر العديد من الجزر و الخلجان ذات الأهمية الإستراتيجية فخليج السويس ممر ملاحي مهم . أما مضيق باب المندب في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر فيمتد في المياه الإقليمية لثلاث دول هي اليمن وجيبوتي و إرتريا و يستمد أهميته من المنفذ الوحيد المتحكم تماما في البحر الأحمر من الناحيتين العسكرية و التجارية ) [2] ؛ فالبحر الأحمر ذو أهمية عالمية وإقليمية قديما وحديثا وستزداد هذه الأهمية كلما تطورت وسائل النقل البحري وتوسعت الأنشطة البشرية بكافة أشكالها وأجناسها وأصنافها .

الأطماع والصراع الدولي علي البحر الأحمر

(من يسيطر على البحر الأحمر يسيطر على العالم كله) مقوله متداولة ويبدو أنها مسلمة أو قانون من قوانين أصحاب الأطماع والهيمنة على الإقليم أو العالم ، فالبحر الأحمر محل صراع دائم وتنافس متواصل وربما حروب وصراعات تستهدف الهيمنة عليه تكتوي بها الشعوب المطلة عليه ، وما يحدث اليوم في اليمن ، و السودان ، وما يتردد حتى عن حرب غزة في فلسطين ، يرجعه بعض المراقبون الى أنه صراع على البحر الأحمر، ولذلك تسعى كل الدول الكبرى ، والدول الطموحة لامتلاك موطئ قدم عليه ، جاء في كتاب الأهمية الجيوبوليتيكية والجيو استراتيجية للبحر الأحمر : (يمثل البحر الأحمر أهداف ومصالح إستراتيجية للدول الصناعية الكبرى والأوروبية ، ودول شرق أسيا ، كما يمثل أهمية اقتصادية بالدرجة الأولى . وقد زادت تلك الأهمية بإغلاق مصر لمضيق باب المندب ، في حربها عام 1973 ، في وجه الملاحة الإسرائيلية ؛ كما ان القارة الإفريقية تمثل سوقا كبيرا للمنتجات الأمريكية ، تضم 700 مليون مستهلك ، وتوفر فرص عمل لحوالي 100 ألف أمريكي و… زادت الأهمية الجيوبولوتيكية  للبحر الأحمر بالنسبة لتحرك الأساطيل الأمريكية في الخليج العربي والشرق الأوسط وتلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورا رئيسا في الهيمنة على البحر الأحمر بعد حرب الخليج الثانية والتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل ، وتهدف الولايات المتحدة الأمريكية دائما الى السيطرة على البحر الأحمر بسبب موقعه الاستراتيجي ، يعد البحر الأحمر من المناطق الجيواستراتيجية إذ هو منطقة وثوب بين المسرح الأوربي والمحيط الهندي ، ولذا فان من يتخذه نقطة ارتكاز خاصة مداخله في اتجاه البحر الأبيض المتوسط ومخارجه في اتجاه المحيط الهندي ، أو في الجزر الصغيرة بالمنطقة يدعم مركزه في المحيط الهندي ، ويكون ذلك عاملا مؤثرا على الاستراتيجيات لكل من القوى الإقليمية والدولية .)[3] ، وقد أوجد السوفيت في السبعينات قاعدة لهم في بربرة الصومال كما كان لروسيا في السودان قاعدة حتى بعد سقوط البشير ؛ ” أما فرنسا و في جيبوتي احتفظت فرنسا بقاعدة عسكرية وبحرية و تعد أكبر وجود عسكري فرنسي خارج فرنسا “.[4] ، وتتواجد الصين في عدد من دول البحر الأحمر بأنشطة تأخذ الطابع التجاري والتعاون المشترك ، ولتركيا واليابان وغيرهم  أنشطة مماثلة ؛ جاء في بيان ارتريا في اجتماع كبار المسئولين في البحر الأحمر ” ان الأهمية الجيوستراتيجية والجيوسياسية فضلا عن تعقيد البحر الأحمر وحساسيته واضحة للغاية بحيث لا تستحق مناقشة ممتدة  هنا ، علاوة على ذلك فان الأهمية الحيوية لهذه الطريقة المائية الدولية وأهميتها الإقليمية والعالمية المتأصلة لن تتناقص بل تتزايد مع مرور الوقت  ” [5] ، ولو أن صراع أصحاب الأطماع اختصر عليهم وكفى الوافدون البلدان والشعوب المشاطئة شرهم لهان الأمر ولكن تنزل الدول المتصارعة صراعها على أنظمة دول الإقليم فيما يعرف الحرب بالوكالة : ( لا يزال حوض البحر الأحمر يذخر بالصراعات والأزمات التي لا يرتبط الكثير منها يكون البحر الأحمر ذاته مياها أو ممرا ملاحيا ، بقدر ارتباطه بمصادر و اختلالات هيكلية في البنية الداخلية لمجتمعات الدول المتشاطئة عليه ، وبخاصة الأكثر فقرا ( الصومال ـ جيبوتي ـ ارتريا ـ السودان ) ، والذي يهم القوى الغربية الكبرى في إداراتها لأزمات حوض البحر الأحمر هو ان توظف تلك الأزمات لتحقيق هدفين مهمين : الأول يتمثل في الحيلولة دون انفجار الموقف الإقليمي حول البحر برمته في موجة عدم استقرار عارمة تهدد المصالح النفطية للغرب ، والثاني يتمثل في ان تجد الدول الغربية ، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، موطئ قدم راسخة لها حتى تراقب وتحمي وتضمن وتؤمن طرق ملاحة إمدادات النفط في البحر الأحمر عبر المضايق والممرات . )[6]. فالأطماع على البحر الأحمر لن تنتهي ، وتتناسب طرديا مع الصراعات بين الدول المطلة عليه ، في دوامة لا يعلم مداها ولا نهايتها إلا الله .

الموقع الجيوسياسي والإستراتيجي لإرتريا

عبر الأحقاب التاريخية لم يخلوا الساحل الإرتري من أساطيل القوى الكبرى ، وهو يمتد على ألف كيلومتر ، والذي ترفده حوالي 360 جزيرة توفر كل أسباب ترصًد الملاحة و تسهل السبل للتكتيك العسكري والأمني واللوجستي بما قد لا يتوفر لتلك القوى مثيلا له في مكان أخر ، حيث تعتبر إرتريا عمليا البوابة الجنوبية للبحر الأحمر في باب المندب ؛ ومن هنا الأهمية الإستراتيجية للشاطئ الارتري ليست وليدة اليوم والأمس ، حيث اسم إرتريا مصدره فينيقي ( سنيوس ارتريوس ) ثم نجد الصراع الفارسي الروماني حين كلف الرومان الحبشة – حكام الشاطئ الإرتري حينها –  للسيطرة على اليمن وإجلاء الفرس منها ثم الصراع التركي البرتغالي فقد كان للبرتغاليين أطماع استعمارية وأهداف دينية ضد الإسلام والمسيحية – الآرثوذوكس – حيث لأول مرة وجدت طائفة البروتستانت مع الآرثوذوكس في ارتريا ثم في قرون لاحقة نجد الصراع البريطاني الفرنسي والايطالي البريطاني فالأمريكي السوفيتي وما زالت القوى الإقليمية والدولية تتنافس وتتعاقب .

وقد وجدنا ذكر الشاطئ الإرتري عند قدماء المصريين والصينيين والهنود والإغريق والرومان فضلا عن قدماء العرب عبر موانئه التاريخية العامرة في عدوليس وباضع أو سمهر  – مصوع – وعصب وغيرها فسكان الساحل الإرتري اليوم مزيج من الأعراق البشرية المختلفة .

إرتريا ضحية ” الأطماع الإقليمية والدولية “

من المعلوم عندما نتحدث عن الأطماع منها ثابت ومتغير ، فالمتغير هو من أزيح لأسباب ذاتية أو خارجية بعد فترة رسخ فيها وجودا متعدد الأوجه مثلما عند الدول الكبرى خاصة بعد استقلال إرتريا ، في تعاملها مع النظام من خلال مشاريع اقتصادية أو ثقافية فضلا عما يروج في الأوساط الإعلامية عن استخدامات سرية باستئجار النظام الإرتري لأداء مهام خاصة ، وخطيرة في المنطقة ؛ فلإرتريا علاقات مع روسيا تأكدت بشكل خاص بعد تأييدها في حرب أوكرانيا وإن كان تأييدا شكليا وحصولها على عدد من الطائرات المسيرة الروسية وتوجد مصالح اقتصادية مثل ما نشر عن أن : ( هناك أيضا مسألة المصالح الروسية في مجال الموارد المعدنية في ارتريا ، تمتلك شركة eurochem pty ltd  ، وهي جزء من تكتل روسي وواحد من ثلاثة موزعين عالميين للأسمدة في جميع أنحاء العالم ، اتفاقية توزيع حصرية مع شركة تعدين البوتاس الارترية colluli pty ltd . يقع منجم colluli  في دنكاليا ، شرق ارتريا )[7] ، كذا للنظام الإرتري أنشطة وعلاقات متعددة الأوجه مع الصين ، وقد تعاقدت إرتريا مع عدد من الشركات العالمية للتنقيب عن الثروات المعدنية شركة كندية وأخرى أسترالية وغيرها .

كما وجدت قاعدة إيرانية في ميناء عصب قبل الطوفان الحوثي لليمن وكان مؤكدا حينها أن هدفها اليمن وبعد هيمنة الحوثيين تلاشى ذكرها وطمست سيرتها ولا أحد يعلم بعد ذلك سرها ، جاء في كتاب الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر : ( كما اهتمت إيران بالتواجد في هذا الشريان المهم فطورت علاقتها مع ارتريا و السودان و حركة ” أنصار الله ” ( الحوثيين ) في اليمن ، من أجل التواجد في هذا البحر … وبنت إيران قاعدة عسكرية في ميناء عصب  الإريتري ، والذي يحتل موقعا استراتيجيا في مدخل البحر الأحمر الجنوبي . )[8]  ، كذا وجد نشاط عسكري قطري تحت ذريعة منع الصدام العسكري بين جيبوتي وإريتريا إثر المناوشات على خلاف حدودي وتطورت العلاقة بين إرتريا وقطر وتشعبت في مجالات مختلفة إلا إنها سرعان ما تحولت إلى تنافر وخصومة ، أعقبت الإمارات العربية ذلك الوجود بقاعدة متطورة في عصب وقد نسبت تقارير صحفية أنها تستخدم لتدريب المرتزقة  لإمداد الجنرال حفتر في ليبيا وكذا محاربة الحوثيين في اليمن : ” حتى عام 2021 كان للإمارات قاعدة في ميناء عصب الارتري تنطلق منها حربها في اليمن ضد الحوثيين حسب ما ذكرت إذاعة صوت أمريكا ” . أضف إلى ذلك : ” قامت الإمارات ببناء ميناء ووسعت مهبط طائرات في عصب ابتداء من سبتمبر 2015 ، واستخدمت المنشآت كقاعدة لنقل الأسلحة الثقيلة والقوات السودانية الى اليمن ” .[9] ؛ لكن  يروج الآن في الأوساط الإعلامية الإرترية أن النظام الإرتري يتهم الإمارات بالعمل على زعزعة أمنه والتآمر عليه مع إثيوبيا . ( نشر موقع ” تسفا نيوز ” الارتري شبه الرسمي هجمات قوية على الإمارات العربية لدورها في تشجيع الحرب مع إثيوبيا كما أنها تناشد السعوديين التدخل )[10]  ، وتعتبر السعودية لاعبا إقليميا دائما في البحر الأحمر اهتمامها بأمن وسلامة المنطقة ورعايتها لمؤتمرات منذ عقود للدول المشاطئة للبحر الأحمر ؛ هكذا يبقى الشاطئ الإرتري متقلب الأحوال والأحداث بشكل خاص ، أو بصفة عامة تفرض أحداث دولية أو إقليمية ، مناخا مضطربا ، وأنواء أجواء ملبدة بأعاصير وعواصف خانقة ومرعدة ، وقد تنجلي وتتلاشى في وقت وجيز كأنها سحب الخريف .

الهيمنة الإسرائيلية على الشواطئ الإرترية

خطط اليهود للهيمنة على الشواطئ الارترية ربما منذ بداية تفكيرهم في إقامة دولتهم في فلسطين ، وبعد الحرب العالمية الثانية عُلق مصير إرتريا بإثيوبيا مع أنه لم يكن بينهما أية علاقة وربطت إرتريا بإثيوبيا بحكم فيدرالي منذ الخمسينيات من القرن الماضي وكذلك بدأت هيمنة إسرائيل المطلقة واحتكارها لهذه الشواطئ يقول د . صالح محروس محمد : (ركزت إسرائيل في نظرية أمنها القومي على البحر الأحمر على الرغم من قصر ساحلها عليه والذي يبلغ طوله سبعة أميال . و قد ركزت جهودها باعتباره من مقتضيات أمنها القومي بوصفه يقع ضمن اتجاهها الاستراتيجي الجنوبي لذلك خططت إسرائيل منذ نشأتها للسيطرة على البحر الأحمر بجميع منافذه )[11] ؛ هكذا قبل إلحاق إرتريا بإثيوبيا خطط الإسرائيليون للاستحواذ عليه لأنه كان حينها باقي شواطئ البحر الأحمر محكمة سيطرة العرب عليه وكان المنفذ الوحيد خارج ايلات في البحر الأحمر، وقد أثمر التزاوج بين مصالح إثيوبيا والمصالح الإسرائيلية بتخطيط غربي وتهيئة أمريكية بريطانية ، وهو ما نقصد بالوجود الأجنبي الثابت ؛ وعندما رأى الإسرائيليون تنامي الثور الإرترية  القوي وتأكدوا من انتصارها تم زرع عناصر طائفية فيها وتم دعمها غربيا وإسرائيليا حتى تمكنت من السيطرة على مقاليد الأمور وورثت إسرائيل إرتريا من إثيوبيا بعد فصلها جريا على مسايرة الظروف المؤاتية والتأقلم حسب المناخ الجديد ، واستخدمت إسرائيل ارتريا في العقود الماضية عسكرياً و لوجستياً حتى قالوا أن بها أكبر قاعدة إسرائيلية بعد إسرائيل ، ويعتقد إسرائيل من يحول دون وجود أية قواعد للدول الكبرى في إرتريا ، كما يستدل أن القوى الإقليمية جاءت نتيجة استضافة إسرائيل لها أكثر من استقبال النظام الإرتري . يقول العبادي محمد أحمد من بحوث جامعة تعز اليمنية : ( تهدف إسرائيل من منطلق الأهمية الجيواستراتيجية للبحر الأحمر الى تحويله الى بحيرة يهودية تتولى حماية مصالحها ومطامعها كما أنها تسعى للانطلاق عبر البحر الأحمر صوب الموارد الاقتصادية في شبه الجزيرة العربية وما ورائها من شرق و وسط أسيا كما تسعى الى بناء ممر بحري بين (عسقلان ) ( وإيلات ) وهي خطوة نحو تحقيق الأهداف اليهودية بالبحر الأحمر وتطلق إسرائيل على البحر الأحمر وخليج العقبة تسميات يهودية ، ويصبح هدف الإستراتيجية الإسرائيلية واقعا في رغبتها في توسيع سيطرتها على البحر الأحمر في مضيق باب المندب ، بما يحقق الهيمنة على الممرات والجزر والمضايق قدر المستطاع .)[12]

       الوجود الإسرائيلي في إرتريا متعدد الأنشطة مثل :

     عسكريا : وجود وحدات للجيش الإسرائيلي ، فقد تمكنت المعارضة الإرترية من ضبط مجموعات مسلحة في التسعينيات من القرن الماضي ثم تم إطلاق سراحهم  بعد التأكد من هويتهم وهو وجود معلوم ومؤكد . موانئ صيانة السفن و إمدادها بالوقود وغيره ، مطارات عسكرية ، فضلا عن مراكز للتدريب العسكري ومافيا أسواق الأسلحة المهربة .

أمنيا : وجود مراكز تنصت عالية التقنية في  البحر الأحمر

   اقتصاديا : وجود مشاريع ، زراعي ، وحيواني ، صيد أسماك ، مناجم ، يضيف العبادي : ( إن الاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر ، على الرغم من أنها لا تمتلك من سواحله سوى سبعة أميال فقط  ( 11.4 كم ) ، كان يأتي دائما على قمم أولويات إسرائيل بوجودها في البحر الأحمر ، سواء في زمن الحرب أو السلم ، بما  يؤكد ضرورة التعامل مع واقع الوجود الإسرائيلي في  البحر الأحمر… وتظل السياسة الإسرائيلية تلعب دورها من خلال استغلال علاقاتها الحسنة مع ارتريا وإثيوبيا .)[13]  ، ولو أننا دخلنا في تفاصيل التحكم الإسرائيلي على الشواطئ الإرترية والأنشطة العسكرية والأمنية والاقتصادية وغيرها لما وسع ذلك مجلدات وكتب ، والحقيقة المؤكدة عندنا ؛ لا أحد يستطيع تحديد مصير الشواطئ الإرترية بمعزل عن إسرائيل فهي من ينفرد بقرار مصيره .

الأطماع الإثيوبية من جديد

تطفو الأطماع الإثيوبية على السطح من جديد فمنذ وفاة الرئيس الأسبق ملس زيناوي تحدث قادة إثيوبيون عن عزمهم لإرجاع ارتريا إلى إثيوبيا قادة أحزاب ، وعسكريون ذو رتب عالية ، ومراكز بحثية وغيرها ، وقد كونت إثيوبيا بعد عودة علاقاتها مع ارتريا عام 2018 قوات بحرية و ارتاب الارتريون في سبب إنشائها واتخاذها بعض الموانئ والجزر الإريترية مرتكزا لها في البداية ، كل ذلك كان يحسب على أنه من باب الأشواق و الأماني الإثيوبية التي لا تخفي عبر الأزمان أطماعها في البحر الارتري ، كذا تحدث الرئيس الارتري عند زيارته لإثيوبيا بعد المصالحة بين البلدين بما يلمح عن وحدة البلدين قائلا : ( رد الرئيس أسياس مبتسما وعاطفيا على الترحيب بتكرار ما قاله في حفل استقباله في قاعة الألفية في أديس أبابا ” ان من يظن ان الارتريين والإثيوبيين شعبان منفصلان لا يعرف عن ماذا يتحدث … ان الحب بين الارتريين والإثيوبيين ليس جديدا … وبينما امتدح أسياس رئيس الوزراء أبي احمد منحه سلطة التصرف نيابة عن إريتريا ، مضيفا أن رئيس الوزراء أبي احمد حر في الذهاب لأي مكان في ارتريا … صدمت خطابات أسياس الارتريين الذين شعروا بالخيانة وان كان يتلاعب بشكل خطير بفكرة إنشاء اتحاد كونفدرالي جديد مع إثيوبيا “)[14] ، وقد فهم كلامه على أنه محاولة لتلطيف الأجواء الشاحنة وموروث  الحروب المتواصلة ، مع ارتياب شديد من الارتريين عما دلل إليه ؛ لكن كان التطور المفاجئ أن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي أبي أحمد أمام البرلمان عن رغبة إثيوبيا في امتلاك ميناء في البحر الأحمر ولو تطلب الأمر الى استعمال القوة ، جاء في لقاء نشره موقع أديس استاندرد مع مجموعة باحثين : ( في 13 \10 \ 2023  بثت وسائل الإعلام الحكومية الإثيوبية خطاباً مسجلاً ألقاه رئيس الوزراء أبي احمد أمام أعضاء البرلمان ، وشدد في خطابة على الأهمية القصوى للبحر الأحمر بالنسبة لمستقبل إثيوبيا ، مشيرا الى انه يمكن ان يقود الأمة الى نجاح كبير أو يدفعها الى النسيان ، كما كشف عن تطلع إثيوبيا لإنشاء قاعدة بحرية وبعد أيام قليلة من البث أظهرت إثيوبيا براعتها العسكرية من خلال استضافة عرض عسكري كبير في العاصمة أديس أبابا ، خلال هذا الحدث عرض الجيش بفخر ترسانته المكتسبة حديثا وقد أدى البيان الذي أدلى به رئيس الوزراء أبي احمد ، والذي أعرب به عن الرغبة في الوصول المباشر إلى البحر الأحمر ، الى زيادة تدهور العلاقة المتوترة بالفعل بين البلدين . … أي قلق ارتريا المتزايد من تصريحات رئيس الوزراء أبي احمد معتبرا إياها حيلة من إثيوبيا للاستيلاء على مينائي عصب و مصوع )[15]  ، أضف إلى ذلك : ” قدم رئيس الوزراء أبي احمد فجأة أجندة لا تتعلق فقط بالوصول الى البحر بل أيضا بالتأكيد على الحق في امتلاك ميناء على البحر الأحمر … مضى رئيس الوزراء قدما في تهديده الصريح باستخدام القوة إذا لزم الأمر ، مما يزيد من خطر نشوب صراع دموي محتمل على الأرجح مع ارتريا “[16] .

هذا التصريح أو الإعلان يستوقفنا لمراجعة مجموعة من الأحداث ، في عموم منطقة القرن الإفريقي ، وليس في ارتريا وحدها ، فقد ظهرت بعض الخرائط الإثيوبية منذ سنين وهي تضم الخريطة الصومالية كما ان الأطماع الإثيوبية في الصومال والسودان غير خافية وقد تعاهد النظام الإثيوبي مع حكومتي كل من الصومال وجيبوتي بمعاهدات أهم صفتها أمنية وفي وقت واحد وفي ظروف الأجواء الملبدة والمشحونة بين إرتريا وإثيوبيا ومع ذلك التخوف من مآرب إثيوبيا يعبر عنه الجميع : (و قال ألكسيس محمد ، أحد كبار مستشاري الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله ، لبلومبرج  ” لقد حافظ بلدانا دائما على علاقات ودية قوية ” . و أضاف ” لكن يجب ان تعلموا أيضا ان جيبوتي دولة ذات سيادة ، و بالتالي فإن سلامة أراضينا ليست موضع شك ، لا اليوم ولا غدا . كما رفضت الصومال نداء من إثيوبيا للدخول في مفاوضات مع إثيوبيا بشأن مسألة الوصول الى ميناء البحر الأحمر . وقال احد مستشاري الرئيس الصومالي لصحيفة الإيكونوميست : ” ان القتال على الموانئ من شأنه ان يزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة تعاني بالفعل من الاضطرابات ” ) [17] ، وتشكك السودانيون أيضا من التصريح السابق الذكر وتساءلت بحوث وتقارير صحفية عن أهداف إثيوبيا المريبة في المنطقة .

لكن إرتريا كانت المعني الأول والمستهدف الأساس لذلك تحدثت  التقارير الإخبارية عن الاستعداد للحرب من قبل البلدين تناقلته وسائل الإعلام المختلفة :(حذرت مجلة “ناشيونال إنتر رست ” في مقال من ان هناك مؤشرات تدل على ان إثيوبيا و ارتريا تستعدان لحرب بين الدولتين الجارتين الواقعتين في منطقة القرن الإفريقي … ، ان من بين تلك المؤشرات تدفق شحنات الأسلحة من الإمارات والطائرات المسيرة من تركيا على إثيوبيا ، كما ان هناك تقارير تفيد بأن إثيوبيا وارتريا كلتيهما تعملان على زيادة حشد قواتهما على جانبي الحدود )[18] . وتأكد حشد الرأي العام الإثيوبي لمعركة صورها له رئيس وزرائه بالمصيرية : (الحكومة الإثيوبية أقدمت في الآونة الأخيرة على تحريك شعبها لاستعادة ما يسميه أبي احمد ” حق إثيوبيا التاريخي والطبيعي ” في منفذ على البحر الأحمر … ويعتقد ان خطاب أبي احمد الوحدوي ليس مجرد رد على استفزازات أفورقي الأخيرة ، بل يعد جزء من حنين الى ماضي الإمبراطورية الإثيوبية البعيد ، الذي يراه نموذج يجب الاقتداء به في الوقت الحاضر )[19] ، وهكذا استعد الجميع لحرب ضروس لا تبقي ولا تذر بين البلدين تضاف إلى حرب التقراي التي دمرت وأبادت وشردت مئات الآلاف ، وقتل الآلاف من الجنود الإرتريين والإثيوبيين وأصيبت أقاليم إثيوبية أخرى بالدمار والشلل ، حرب قد تشعل المنطقة كلها وتهدد مصير شعوبها كما توقع باحثون لموقع أديس استاندرد الإثيوبي:( ان منطقة القرن الأفريقي عالقة في شبكة من القضايا الأمنية الإقليمية حيث تنتشر حالات انعدام الأمن في دولة واحدة بسرعة الى البلدان المجاورة ، مما يؤدي الى صراعات طويلة الأمد في المنطقة )[20]

الحدث الجديد

لكن حدثا جديدا قد طرأ في ملف رغبة إثيوبيا الحصول على ميناء في البحر الأحمر حيث رئيس الوزراء  الإثيوبي أبي احمد ورئيس أرض الصومال موسى بيحي عبدي يوقعان على مذكرة تفاهم تاريخية في أديس أبابا ، تمهد الطريق لتامين وصول إثيوبيا الى منفذ على البحر وتنويع وصولها إلى الموانئ البحرية بدءَ من أول العام الجديد كما نقلته  مصادر الأخبار المتفرقة أن : ( إثيوبيا أول دولة تعترف بجمهورية ارض الصومال مقابل حصول إثيوبيا على منفذ بحري وبناء قاعدة عسكرية وبحرية  في بيان أصدرته وزارة خارجية جمهورية أرض الصومال بتأريخ 2/1/2024 م أكدت فيه منح إثيوبيا منفذ على البحر طوله عشرين كم وبناء قاعدة عسكرية بحرية مقابل اعتراف إثيوبيا بجمهورية أرض الصومال لتكون إثيوبيا أول دولة في العالم تعترف بجمهورية أرض الصومال  منذ إعلانها 1990م وعلى حسب البيان فإن الإيجار سيكون لمدة خمسين سنة ).[21] وقد قُوبل الاتفاق برفض تام من قبل الحكومة الصومالية التي لا تعترف بكيان أرض الصومال نقل الراصد الإثيوبي  : (بعد اجتماع مجلس الوزراء الصومالي ، الصومال ترفض بشدة (مذكرة التفاهم ) التي أبرمتها إثيوبيا مع أرض الصومال ، وتقول إن الصفقة (لاغيه وباطلة ) ، وليس لها أي أساس قانوني ، وبحسب الحكومة الصومالية ان تحرك إثيوبيا هو (عدوان سافر) ينتهك سيادة الصومال ووحدة أراضية ).[22] ، وهكذا بدلاً أن كان يتوقع أن تشتعل معركة البحر بين إرتريا وإثيوبيا ، تحول الأمر إلى الصومال واستغلت إثيوبيا رغبة جمهورية أرض الصومال في الاعتراف الدولي بها واشتعلت معركة دبلوماسية بين جمهورية الصومال وإثيوبيا .

فهل انتهت حوجة إثيوبيا على الميناء وحلت الإشكالية بين إرتريا وإثيوبيا ؟ .

إن القراءة الصحيحة لتأريخ المنطقة ومن خلال استصحاب الأطماع الإثيوبية التوسعية ورغبة حكام إثيوبيا الدائمة في تحقيق ما يدّعونه في إقامة إمبراطورية لهم تضم وتشمل كل دول القرن الإفريقي ، يتأكد له أن المشكلة  لم تحل بل ، وتعقّدت الأحوال أكثر ، واتّسعت لتشمل ربما عموم القرن الإفريقي ، لكن ليس بشكل انفجاري مباشر كما كان يتوقع مع إرتريا ، فهذه خطوة إستراتيجية ستحاول إثيوبيا من خلالها الطبخ على نار هادئة ،  تهدف إلى تحقيق الأطماع الإستراتيجية في عموم القرن الإفريقي ، والقاعدة البحرية المتعاقد عليها ،  ستكون ثكنة عسكرية تبني فيها إثيوبيا قدراتها البحرية ، وتؤهل نفسها لوجود بحري فاعل ، فهي خطوة لها ما بعدها من المآرب والأهداف الإستراتيجية ، وقد أسلفنا في سياق سردنا ارتياب كل من الصومال وجيبوتي والسودان فضلا عن استعداد إرتريا للحرب ، وإذا كان الصومال قد رفض الاتفاق واعتبره عدوانا على سيادته فإن الإرتريين يعلمون أن الاتفاق استعداد إثيوبي يهدف في النهاية الوصول إليهم ، فالاتفاق ليس تبديل للموانئ الإرترية بالصومالية كما قد يتخيل للبعض ، وإنما هو تأجيل للوصول إليها ، عبر تكتيك سياسي وعسكري متدرج وذلك لأسباب كثيرة معلومة.

 والذي يصرف إثيوبيا عن المضي في مشروعها المستهدف للبحر الأحمر كما صرحوا بالتحديد والموانئ الإرترية ، هو أن الغرب لا يريد إشعال حروب في المنطقة بالوقت الحاضر ، كما أن أمن البحر الأحمر سيتعرض للمخاطر بسبب ما قد يجتذبه من تنافس الدول الكبرى وتصارعها بالوكالة في نقاط ساخنة أخرى من العالم يفتح جبهة جديدة بينها في منطقة حساسة وتشهد أحوال منذرة يخافون من تصعيد صراع الحلفاء فيها في الوقت الحاضر ، جاء في لقاء أديس استاندرد مع الباحثين في ذلك : ( إذا اندلعت الحرب في المنطقة ، فقد تجتذب جهات فاعلة خارجية لها مصالحها الوطنية الخاصة ، مما يزيد من زعزعة استقرار المنطقة المضطربة بالفعل . و التنافس بين دول الشرق الأوسط و الدول المتقدمة التي لها وجود كبير في منطقة القرن الإفريقي يمكن ان يشكل تحديا للاقتصاد الجغرافي المتنامي للبحر الأحمر . … ان الصراعات التاريخية و التورط بالوكالة في الصراعات الإقليمية ، و أزمات اللاجئين ، و التحالفات الإقليمية المتضاربة كلها تنطوي على القدرة على زعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي . )[23] ، أضف إلى ذلك : ( التقارب الارتري الوثيق مع كل من الصين وروسيا قد يعني فيما يعنيه إيجاد موطئ قدم للدولتين في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتعزيز مواقفهما كقوى عالمية صاعدة مما يهدد الهيمنة الأمريكية على المنطقة )[24] ، ولذلك تحاول الولايات المتحدة إلى ترطيب الأجواء بين حليفيها إثيوبيا وإرتريا : (تقرير الإستراتيجية القُطرية المتكاملة الأمريكية الجديدة ics  تضمن تحولا جزئيا تجاه حكومة دولة ارتريا في محاولة لإحداث نوع من الديناميكيات الإقليمية ، إذ اتخذت سياسات وأنشطة منعطفا مهما تجاه اسمرا من خلال مراجعة وتحديث السياسات السابقة  ؛ وأكد التقرير الجديد ضرورة إيلاء البعثة الأمريكية المعتمدة في اسمرا اهتماما جديدا من سبل تشجيع ارتريا على ان تصبح عضوا استباقيا وبناء في المجتمع الدولي بما في ذلك السعي المستمر لتحسين العلاقات مع الدول المجاورة وداخل منطقة القرن الإفريقي و فيما أبقت واشنطن على العقوبات المفروضة على اسمرا .)[25] ، و يستشف من سياق الأحداث والتصريحات أن أميركا لا ترغب في تطور الخلاف بين البلدين إلى حرب وصراع دموي خاصة بهذا الوقت المأزوم : ( أن الولايات المتحدة لن تتورط بشكل مباشر في دعم هذه المطالب الإثيوبية إذ أنها منشغلة تماما بتداعيات الحرب في غزة ، وما ترتب عنها على المستويين الدولي والإقليمي ، بما في ذلك الأحداث في باب المندب ، وتهديد الملاحة الدولية وبالتالي ليس من الوارد أن تتبنى واشنطن مواقف معادية للسيادة الإرترية على سواحل البحر الأحمر بل قد تسعى إلى بناء الثقة مع كافة الدول المطلة على مضايق الممر المائي الدولي بغرض تأمين مصالحها الجوهرية في هذه المنطقة المهمة اقتصاديا وتجاريا ).[26]

والسؤال الأبرز ما الذي يدفع إثيوبيا للتخطيط للسيطرة على الشاطئ الإرتري ؟ .

معلوم لدي المتابعين أن إثيوبيا وأنظمتها لم قرروا مصيرهم في العصر الحديث ، ناهيك أن يخططوا لأهداف  إستراتيجيته على مستوى المنطقة ، وكان الغرب ومازال هو من يصدر الأوامر ويحدد الاستراتيجيات و الأهداف مثال ذلك الغرب وإسرائيل هم من قرروا رحيل منقستوا وزوال الحكومة التقليدية لإثيوبيا ،  ومن ثم تسليم السلطة لجبهتي تيغراي وإرتريا وفصل إرتريا عن إثيوبيا ، والغرب هو من أمر الآن جبهة إقليم التيقراي الإثيوبية ، بتسليم أسلحتها والخضوع للحكومة المركزية ، بينما عندما كان الغرب مع التقراي أمر منقستو بالرحيل  ؛ ويعتقد لولا أوامر غربية لضرب جبهة التيقراي وإخضاعها ، لما وجد مبرر لدخول الجيش الارتري الى العمق الإثيوبي يحارب ويدافع عن أديس أبابا وإقليم الأمهرا ، ويرتكب جرائم حرب داخل إقليم تيغراي ، ومازالت القوات الارترية داخل التيقراي والحدود الإثيوبية ، فليس غريب أن يتحالف اليوم التقراي والحكومة المركزية التي تحالفت مع إرتريا لضربهم فإرتريا ، ترى حسم جبهة التقراي بينما تكتفي إثيوبيا بإخضاعها ضمن اتفاق رعاه الغرب في بريتوريا : (أما المهدد الأكبر لإفشال هذه الاتفاقية هو ما يعرف بشيطان القرن الإفريقي دكتاتور إرتريا أسياس أفورقي حيث لا يزال مرتزقته متواجدين بإقليم تقراي يرتكبون الجرائم ضد شعب تقراي ويجرون تدريبات عسكرية بالأسلحة الثقيلة والنارية داخل تقراي ولا يريدون الخروج من هذا الإقليم رغم اتفاقية السلام ، وفي كل هذه الأحداث والعوائق والمهددات نجد أن النظام الإثيوبي عاجز تماما عن إخراج هؤلاء المرتزقة الإرتريين وعصابات فانو المتطرفة من أراضي تقراي مما يمهد الطريق لخرق هذه الاتفاقية أو إنشاء تحالف بين الحكومة الإثيوبية وحكومة تقراي لإخراج هؤلاء المجرمين بقوة السلاح . )[27] ، وقد أرجع بعض المحللين سبب التهديدات الإثيوبية الأخيرة إلى أطماع وتنافس إقليمي بين الإمارات العربية وبعض منافسيها وهو سبب وجيه وواقع ماثل ، فحرب السودان لم تكن إلا من أجل الهيمنة على شاطئه حسبما تؤكد الأحداث والمراقبون ، كما أرجع البعض صراع الحدود الجيبوتي الإرتري في العقود الماضية  لسبب رغبة جيبوتي بإشراف الإمارات إلى إقامة جسر بحري بين القارة الإفريقية وجزيرة العرب ، والآن حسب ألئك المحللون تريد الإمارات أن تزاوج بين طموحاتها في إنشاء موانئ دبي على البحر الأحمر ورغبة الإثيوبيين الدائمة في السيطرة على الشاطئ الإرتري وهو أمر لا يرضي إرتريا ولا منافسي الإمارات ، فقد تأكد من خلال مؤتمر الدول المشاطئة للبحر الأحمر الذي دعت إليه السعودية وعقد في الأشهر الماضية وأنشئ من خلاله مجلس الدول الثمانية وجود برنامج سعودي متكامل يبعد الإمارات وأمثالها بهدف تأمين البحر الأحمر والتنسيق  بين دوله ، وفي سؤال عن التعاون مع السعودية في قضايا تأمين البحر الأحمر أجاب الرئيس الارتري لجريدة الشرق الأوسط ( الشراكة السعودية ـ الارترية الإستراتيجية تكاملية شاملة ، وفق خطة تنموية جادة وتوقيتات محدده ، ونطمح لأن تتعزز العلاقات التجارية والاستثمارية وتوسيعها لتشمل منطقة القرن الإفريقي ، في مجالات الأمن والصناعات التحويلية ، غير ان التعاون الثنائي ليس له سقف محدد ، أما على صعيد تأمين واستقرار البحر الأحمر كأحد الممرات المائية الدولية المهمة ، فهذا جزء أصيل من شراكتنا ألاستراتيجيه مع خصوصيتها والجيوسياسية ، لمواجهة المهددات الأمنية ، ومع الاحتفاظ بالقدرات السيادية لكل بلد مشاطئ للبحر الأحمر لتأمين مياهه الإقليمية ، بالتنسيق بين الدول المشاطئة حتى تتزود بآلية لتأمين واستقرار البحر الأحمر وحمايته من التدخلات الخارجية ، وإذا احتاج أي من البلدان المشاطئة للاستفادة من مصالحها الخارجية مع دولة أخرى ، وفق تنسيق وتشاور وتعاون بين الدول الأعضاء )[28] 

الأهداف الإستراتيجية الغربية هي من تحدد مصير إرتريا

كل ما ذكر يبقى مجرد حراك سياسي لا يطال  الجانب الإستراتيجي الذي ينفرد الغرب وخاصة أمريكا وإسرائيل برسمه وتخطيطه ، وبالتالي ربما الغرب هو من أملى إلى إثيوبيا بإعلان رغبتها في الحصول على ميناء في الشاطئ الإرتري ، وهو يعني عند الإرتريين رغبة مؤكدة في احتلال البلاد كلها .

إن انغماس النظام الإرتري في وحل الصراعات الداخلية لإثيوبيا ، عبر الارتباط العضوي ببعض القوميات الإثيوبية ، ليس وليد صدفة وإنما هو ضمن برنامج الربط بين البلدين والتأكيد للعالم أنهما شعب واحد حتى وان انفصلا وهي علاقة يديرها الغرب وإسرائيل فخروج ارتريا من الحظيرة الإثيوبية لم يكن يوما محل إجماع أو موافقة الغرب ، وقد أكد السيد مسفن حقوس وزير الدفاع الإرتري السابق في مذكراته أن مشروع الاتحاد مع إثيوبيا كان مطروحا من قبل الرئيس أسياس قبل الجلاء الإثيوبي ، ولكنه وجد معارضة في الدائرة الخاصة جدا من القيادة  وليس ذلك إلا نتيجة إملاء إسرائيلي غربي ، يصر دائما وفي كل الأحقاب ربط إرتريا بإثيوبيا فقد ذكر في الصفحة 294 : ( ” جمع الرئيس أسياس أقرب مستشاريه السياسيين والعسكريين معا لإجراء مناقشة مكثفة حول كيفية المضي قدما ، وأخبرهم الرئيس ان البلاد يجب ان تقبل انه لديها اقتصادا صغيرا وغير قابل للحياة وساحلا طويلا على البحر الأحمر ، لا تستطيع إرتريا القيام بدوريات فيه بمفردها ، و يقال انه اقترح ان نوعا من الاتحاد مع إثيوبيا قد يكون ممكنا ، على الأقل فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي والأمن البحري ” [29].

أسباب إصرار الغرب لعودة ارتريا إلى إثيوبيا ولو فيدراليا :ـ

من المعلوم تاريخيا تعتبر إثيوبيا جزء من إستراتيجية المنظومة الغربية وقاعدة ثابتة في المنطقة ،  وأن إصرارهم على عودة ارتريا إليها ينتج مما يلي :ـ

1 .  يرى الغرب إن ارتريا جزء لا يتجزأ من المنظومة الأثيوبية وليكتمل التصور الغربي لإثيوبيا الحليف يجب أن يكون البحر جزء منها ، ففي الوقت الذي للغرب وإثيوبيا أطماع في الصومال و السودان صريحة معلنة لا يمكن أن تستثني تلك الأطماع الشاطئ والموقع الارتري .

2 . بدأت الثورة الإرترية عربية الهوية يقودها المسلمون ويدعمها العرب والمسلمين وهو ما يشكل خطراً استراتيجياً على التوجه و المصالح الغربية وحيث تشكل ارتريا في حال سيطرة المسلمين عليها تهديداً لوحدة إثيوبيا في المنظور الغربي ، فقد دعمت جبهة التحرير الارترية في السبعينات من القرن الماضي لتأسيس جبهة تحرير الأوروموا  ، وتأسيس جبهة تحرير اوغادين الصومال الإثيوبي ،  وجبهة تحرير شعب تيغراي ولذلك هيئ الغرب لتدميرها بدعم منقطع النظير لخصومها وبعد تصفية الجبهة  تم تسليم السلطة لهم .

3 .   النظام الارتري مارس أسوأ السياسات القمعية ضد الشعب الارتري ، بل وتعدى بطشه المسلمين إلى المسيحيين الذين يدعي تمييزهم  فأصبحوا قبائل متشاكسة كما ظهر في المظاهرات الأخيرة في أوروبا السويد وإسرائيل وإن كانت في ظاهرها صراع سياسي إلا أن في حقيقتها صراع إثني قبلي داخل الطائفة المسيحية ، وهو ما يؤكد للغرب والإثيوبيين  أن النظام الارتري فشل فشلاً ذريعا في إدارة البلاد ، وان قبضته الحديدية إلى الزوال وان البديل في احتماله الأكيد هو المسلمين وانتمائهم العربي وبالتالي الحل هو ربط ارتريا بإثيوبيا قبل سيطرتهم عليها واستفحال أمرهم .

4 .   إذا هلك الدكتاتور ليس في ارتريا قيادة يمكنها تسيير دفة السلطة  والحكم حيث كل من معه في مستوى متدني جداً من الممارسة السياسية والإدارية ، تماماً مثل نظام البشير في السودان الذي صعد من بعده إلى السلطة عسكريون من المستويات الدنيا فكانت الكارثة وخراب الديار ؛ ولذلك كل من يخلف الدكتاتور سيواجه أوضاعا لا يعرف التعامل معها لا عسكرياً ولا سياسياً مما سيؤدي إلى انفراط الأمر ، و الكارثة أن الأمور يتوقع أن لا تقف في حدود ارتريا بل ستتعدى إلى إثيوبيا وغيرها حيث الأوضاع الهشة والانفراط الأمني و التحشيد الإثني المنذر بدوامة حروب متواصلة واستدعاء الفرقاء الإقليميين والدوليين في الدعم والاصطفاف .

5. لا تفرط إسرائيل في أن تكون إرتريا تحت السيطرة ، ولقد أدى النظام الارتري دوراً محورياً خاصة في البحر الأحمر واليمن ودول الخليج والسودان وجنوب السودان والصومال وليبيا وإثيوبيا والآن ليس لإسرائيل حوجة إلى ذلك الدور ، ولكي تضمن استراتيجياً بقاء الشاطئ الإرتري تحت السيطرة لا بد من عودته إلى إثيوبيا .

جملة النقاط السالفة وغيرها يدفع الغرب و إسرائيل إلى إلحاق إرتريا بإثيوبيا ، ولذلك ليس من باب التمني أو الأحلام نسمع تصريحات مؤكدة ، لما تبيته إثيوبيا و الإثيوبيين ، وينسب  بعض الإرتريين إلى  وزير غربي شكته المعارضة الارترية عن دكتاتورية النظام  في بداية التسعينات فقال : (يجب عليّ أن أصدقكم القول أننا في الغرب لا نعترف إلا بدولة واحدة في هذه المنطقة ) ، ففي حين هم يشكون من تسلط النظام ، كان رد الوزير بأنه في الأساس لا يعترف بدولتهم ولا باستقلالها .

خلاصة القول أن عموم منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي تعيش في مرحلة مخاض عسير فالصراعات المتعددة العلنية والسرية ، والجهات المتعددة المراهنة في المنطقة بحضور ذاتي أو عبر الوكلاء ، قد لا يُحدث تغيرا جذريا لكنه سينقل الصراعات الدائمة المستوطنة في المنطقة إلى مرحلة جديدة ، تتشكل فيها تحالفات إقليمية ودولية متوافقة ، ومتناحرة مع تحالفات أخرى ، كما هو حالها دائما فينتج عن ذلك صراعات إقليمية تتغذى على مستشعلات البيئة الإثنية والقطرية  التي تعطل وتوهن ، قدرة الدولة في التحكم والسيطرة عليها ، كما في الصومال وإثيوبيا والسودان ، ويتوقع حسب ما تعيشه إرتريا من الإرهاب السلطوي ، وإرهاصات الصراع الداخلي حتى داخل الطائفة الحاكمة ، والأطماع الأجنبية المعلنة أن لا تكون بمنأى عن تلك الدوامة التي تعيش فيها دول الجوار والله نسأل اللطف والسلام للجميع .

المراجع :


[1] د . صالح محروس محمد 18/9/2017 موقع ميادين نت اسم الكتاب ما هي الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر

[2] د . صالح محروس محمد 18/9/2017 موقع ميادين نت اسم الكتاب ما هي الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر

[3] المؤلف العبادي محمد احمد بحوث جامعة تعز \ العدد 11  30 \6\2008 الأهمية الجيوبولوتيكية والجيواستراتيجية للبحر الأحمر .

[4] د . صالح محروس محمد 18/9/2017 موقع ميادين نت اسم الكتاب ما هي الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر

[5] بيان ارتريا في اجتماع كبار المسئولين في البحر الأحمر  22\12\2023

[6] المؤلف العبادي محمد احمد بحوث جامعة تعز \ العدد 11  30 \6\2008 الأهمية الجيوبولوتيكية الجيواستراتيجية للبحر الأحمر

[7] مقال بقلم ما كيدا سابا ، مارتن بلوت متابعات بريطانية عن القرن الإفريقي 31/10/2023

[8] د . صالح محروس محمد 18/9/2017 موقع ميادين نت اسم الكتاب ما هي الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر

[9] مارتن بلوت ـ متابعات بريطانيا لأحداث القرن الإفريقي 17/11/2023

[10] مارتن بلوت ـ متابعات بريطانيا لأحداث القرن الإفريقي 17/11/2023

[11] د . صالح محروس محمد 18/9/2017 موقع ميادين نت اسم الكتاب ما هي الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر

[12] المؤلف العبادي محمد احمد بحوث جامعة تعز \ العدد 11  30 \6\2008 الأهمية الجيوبولوتيكية الجيواستراتيجية للبحر الأحمر .

[13] المؤلف العبادي محمد احمد بحوث جامعة تعز \ العدد 11 – 30 \6\2008 الأهمية الجيوبولوتيكية الجيواستراتيجية للبحر الأحمر .

[14] مقال بقلم ما كيدا سابا ، مارتن بلوت متابعات بريطانية عن القرن الإفريقي 31/10/2023

[15] أديس استاندرد  24 \11 \2023

[16] مارتن بلوت ـ متابعات بريطانيا لأحداث القرن الإفريقي   17\11\2023

[17] أديس استاندرد  24 \11 \2023 

[18] نقلاً عن الجزيرة 27 \ 11 \ 2023

[19] نقلاً عن الجزيرة 27 \ 11 \ 2023

[20] أديس استاندرد  24 \11 \2023

[21] أنظر في بيان وزارة خارجية أرض الصومال 2/1/2024م

[22] المصدر الراصد الإثيوبي 2/1/2024م

[23] أديس استاندرد 42/11/2023

[24] عبد الرحمن سيد مختص في شؤون القرن الإفريقي  26/12/2023 media Arabia

[25] محمود ابوبكر صحفي مختص في شؤون القرن الإفريقي  26/12/2023 media Arabia

[26] إبراهيم إدريس متخصص في شؤون القرن الإفريقي  26/12/2023 media Arabia

[27] صحيفة النيل الدولية 3/11/2023

[28] جريدة الشرق الأوسط 14/11/2023

[29] من مذكرات مسفن حقوس ص294 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى