Uncategorized

الانقلاب في النيجر واستكمال “حزام الانقلابات” الأفريقي

أعلن عدد من جنود الجيش في النيجر، بقيادة قائد الحرس الجمهوري الجنرال عمر تشياني، مساء الأربعاء 26 يوليو وعبر التليفزيون الرسمي عن عزل الرئيس محمد بازوم وتجريده من جميع سلطاته وتعليق عمل جميع مؤسسات الجمهورية النيجرية. ورغم إعلان بازم (27 يوليو) عن قناعته بانتصار الديمقراطية (في بلاده) واستمرار الغموض في الساعات التالية لإعلان 26 يوليو بشأن مدى نجاح الانقلاب من عدمه فإن القوى السياسية الداعمة لبازوم، وهو حليف رئيس للغرب ويحظى بدعم سياسي كبير من الأحزاب التي عززت وصوله للسلطة كأول رئيس نيجري منتخب ديمقراطيًا في العام 2021 للمرة الأولى منذ استقلال البلاد عن فرنسا في العام 1960، فقد اكتمل الانقلاب السابع في غرب ووسط أفريقيا منذ العام 2020 في الساعات التي تلته بإعلان الجيش النيجري انضمامه لقوات الحرس الجمهورية التي بادرت بالإعلان عن الانقلاب، وتكوين ما عرف بالمجلس العسكري الانتقالي بقيادة عبد الرحمن تشياني.

الطريق إلى انقلاب 26 يوليو

عانت النيجر، التي تبلغ مساحتها أكثر من 1.2 مليون كم مربع ولا يتجاوز عدد سكانها 25 مليون نسمة وتقع وسط طوق أزمات متصاعدة إذ تجاورها ليبيا وتشاد ونيجيريا وبنين وبوركينا فاسو ومالي والجزائر، من مشكلات أمنية وتنموية متصاعدة (تصنف النيجر ضمن أكثر بلدان العالم فقرًا رغم امتلاكها احتياطات هائلة من اليورانيوم) منذ بدء الحملة الدولية على الإرهاب في إقليم الساحل، ولم يحل تمركز قوات أوروبية وأمريكية في قواعد منتشرة في ارجاء البلاد دون امتداد تداعيات الإرهاب داخل حدودها في الآونة الأخيرة. وكما الحال في مالي وبوركينا فاسو قبل عامين تقريبًا، أكد قائد الانقلاب (الذي تولى رئاسة الحرس الجمهوري منذ العام 2011 ورقي في عهد الرئيس السابق إسوفو في العام 2018 إلى رتبة فريق، وبرأته محكمة نيجرية في العام نفسه من تهمة التورط في محاولة انقلابية في العام 2015) أن حركة الجيش جاءت بسبب “تدهور أداء نظام الحكم (بازوم)” في البلاد وسخط الجيش إزاء معالجة بازوم للشئون الأمنية.

بأي حال فقد فاجأت التطورات في النيجر أنظار العالم من زاوية عكسية؛ كونها جاءت محصلة منطقية لأزمة الدولة الأفريقية الراهنة (لاسيما تكريسها جل مهامها لمواجهة الإرهاب والعنف وعسكرة الدولة خلف هذه المهام)، وبعد أسابيع قليلة من انعقاد قمة “الناتو” (مطلع يوليو) التي تبنت سياسات دفاعية “تقليدية” تجاه أفريقيا في العام 2023-2024، وقبل ساعات قليلة من انعقاد قمة روسيا أفريقيا (27-28 يوليو) التي حضر في مداولاتها رئيس مجموعة فاغنر يفجيني بريغوجين وعلق من سان بطرسبرج على الانقلاب النيجري وسط تقارير عن تورط محتمل لفاغنر (وروسيا) في انقلاب النيجر؛ ويأتي وجه المفاجأة من عجز النظام في النيجر بزعامة الرئيس المنقلب عليه محمد بازوم وشبكة دعمه الدولية (لاسيما فرنسا والولايات المتحدة) عن مواجهة احتمالات “الانقلاب” في ضوء تراجع اقتصادي واضح واستمرار عمليات نهب الموارد النيجرية من قبل الشركات الغربية وتهديدات انفلات الأوضاع الأمنية في البلاد التي تضم اكبر عدد من قواعد الناتو في أفريقيا. وكذلك عجز المقاربات المحلية (لنظام بازوم) والدولية عن دعم مسار ديمقراطي سليم وشفاف يعيد ترتيب أولويات الدولة في النيجر وفق مصالح شعبها بالأساس وليس مصالح شركاء النيجر في الخارج.

فرنسا والخروج الكبير من الساحل: على خطى “مالي”

واجه الانقلاب في النيجر إدانة دولية واسعة، باتت نمطية الطابع إلى حد كبير وتتسم بقدر من الرخاوة وقبول الأمر الواقع في المحصلة. وبادر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بالحديث إلى الرئيس المعزول بازوم ونقل له دعم بلاده “لرئيس النيجر المنتخب ديمقراطيًا” وإدانتها لجهود تغيير نظام النيجر الدستوري بالقوة. كما بادر كل من الاتحاد الأفريقي والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” (التي تنتمي لها النيجر) بإدانة تحرك الجيش. وفي مسار عملي، ومكرر في واقع الأمر في حالتي مالي وبوركينا فاسو قبل نحو عامين، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو عن توجه نظيره البنيني باتريس تالون (الذي تواجه بلاده مخاوف أمنية مشابه لحالة جارتها الشمالية: النيجر) إلى نيامي (28 يوليو) في مهمة وساطة ممثلًا “لإيكواس” (عقب اجتماع بينهما في العاصمة أبوجا)، وإن كانت مبادرة المجلس العسكري الانتقالي (الجمعة 28 يوليو) بالإعلان عن تولي عبد الرحمن تشياني قيادة البلاد قد حسمت مهمة تالون في مهدها لصالح تكريس مسار جديد للنيجر بقيادة الجيش.   

وفيما يخص تداعيات الأزمة الراهنة على فرنسا وحلفائها فإن أشد المراقبين تشاؤمًا بشأن خروج فرنسا من إقليم الساحل الأفريقي لم يكن يتوقع مثل هذا المسار المتسارع منذ قمة مونبليه (أكتوبر 2021)، وخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غير المنطقي في بدء فترة ولايته الثانية بخصوص سياسات بلاده في أفريقيا، وبعد القطيعة التامة مع مالي على خلفية اتهامات الأخيرة لباريس بالضلوع في دعم الأنشطة الإرهابية في البلاد منذ العام 2013 (بالمخالفة لمهامها المعلنة في مالي)، ودون أن تقدم باريس إجابة واحدة منطقية لدرء اتهامات باماكو (التي لوح مسئولوها إلى امتلاك أدلة وقرائن على اتهامات بلادهم للدولة الاستعارية السابقة). الأمر الذي يمثل في مجمله تفسيرًا ملائمًا تمامًا لاستمرار الانتكاسة الفرنسية في الإقليم وخروج باريس من الباب الكبير للمرة الأولى منذ عقود.  

كما تمثل الأحداث الأخيرة في النيجر، وتداعياتها المرتقبة على خطى “السيناريو المالي” وصولًا ربما إلى طرد القوات الفرنسية والغربية وتصفية قواعدها في النيجر، ضربة قاصمة للوجود السياسي والعسكري الفرنسي (الذي يمثل واجهة مثالية لأنشطة الشركات الفرنسية الكبيرة في قطاع تعدين اليورانيوم على وجه الخصوص) في إقليم الساحل وغرب أفريقيا النيجر حليف رئيس لفرنسا والولايات المتحدة في “الحرب على الإرهاب” ضد الجماعات الإسلاموية في إقليم الساحل، وتزايد دور النيجر لدى هاتين الدولتين بعد توتر علاقاتهما مع بوركينا فاسو ومالي، والمتغيرات الكبيرة التي يشهدها الإقليم ودول جواره في جمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا، وحتى داخل المعاقل التقليدية للنفوذ الغربي مثل بنين وساحل العاج وغانا من تهديدات أمنية خطيرة استدعت تدخلات إقليمية (مثل تدخل القوات العسكرية الرواندية في بنين بالتنسيق مع حكومة الأخيرة) ودولية (في تمدد أنشطة روسيا لاسيما عبر أداتها الهامة في أفريقيا “مجموعة فاغنر). وبينما ترجح تقارير متفرقة اضطلاع فاغنر وموسكو بدور في احداث الانقلاب فإنه لا يفوت المتابع شكوى نظام محمد بازوم قبل نحو شهرين (تحديدًا في مايو 2023) من كون حكومته هدفًا “منتظمًا لتضليل إعلامي من قبل مجموعة فاغنر “التي تقوم بزعزعة الأمن في الإقليم” حسب اتهامات ساقها الرئيس النيجري وفتها بازوم وعدد من كبار مسئوليه. 

ويعزز كل ذلك فرضيات تآكل سياسات فرنسا في أفريقيا حتى في “مناطق نفوذها التقليدية” مثل إقليم دول الساحل الذي مثل الجزء الأكبر جغرافيًا مما عرفت “بغرب أفريقيا الفرنسية”.

النيجر وروسيا: عودة من الباب الشعبي

بعد ساعات من إعلان الحرس الجمهوري الاستيلاء على السلطة ودعم بقية مكونات الجيش النيجري لخطوته واختيار عبد الرحمن تشياني قائدًا للمجلس العسكري الانتقالي كان ملفتًا ما شهدته العاصمة نيامي من خروج مظاهرات حاشدة داعمة “لحركة الجيش” وحاملة اعلامًا روسية وهاتفة بشعارات مؤيدة لوجود فاغنر. كما تبدي تقارير غربية جمة قلقًا من رجحان انخراط النيجر في ظل قيادة المجلس العسكري الانتقالي الجديد في النيجر في علاقات مباشرة مع موسكو وفاغنر لمواجهة الإرهاب في الإقليم وعلى خطى جارتها مالي.  

وبارك قائد مجموعة فاغنر، خلال وجوده في سان بطرسبرج وحضوره اجتماعات مع مسئولين أفارقة على هامش أعمال قمة روسيا أفريقيا، تحرك جيش النيجر لعزل بازوم، ورأى في رسالة صوتية نشرها على حسابه في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي أن “ما حدث في النيجر ليس سوى نضال لشعب النيجر ضد مستعمريهم الذين يحاولون فرض قواعد حياتهم على الأفارقة” وابقاءهم في حالة تشبه ما كانت عليه القارة قبل مئات الأعوام. ويكشف هذا التعليق السريع عن اهتمام بالغ (ربما قبل 26 يوليو بشهور) من قبل فاغنر بالأوضاع في النيجر وسيناريوهات الانقلاب بها، ويثير مخاوف كبيرة من التقارب الجغرافي لمناطق نفوذ فاغنر في ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي، وكذلك التمدد الخرائطي لاحتمالات تمدد نفوذ فاغنر في تشاد وشمالي بنين وغيرهما.

لكن مع الأخذ في الاعتبار حالة التحفز ضد أي تحرك لفاغنر في أفريقيا فإنه يجب وضع تأثير المجموعة في انقلاب تشياني في سياقات محددة تظل حتى الان في الدعم المعنوي والتأييد من قبل فاغنر للجيش النيجري ولا يرتبط بالضرورة بوجود دعم استخباراتي أو عسكري مباشر. ويقود إلى ذلك ايضًا إعلان الخارجية الأمريكية (27 يوليو) عدم وجود أدلة لديها على تورط فاغنر في الانقلاب.

بأي حال فإن الانقلاب في النيجر يمثل فرصة هائلة لروسيا لمد نفوذها في دولة جوار لمالي والنيجر ومن ثم توسيع قاعدة نفوذ روسيا السياسي والعسكري غير المسبوق منذ تداعي الاتحاد السوفييتي السابق، وهو نفوذ يحظى بتأييد شعبي كبير وسط مواطني هذه الدول، إلى جانب تلبيته طموح النخب العسكرية بها بعد سنوات من التهميش وحرص القوى الغربية والفرنسية على عدم تطوير قدرات الجيوش الوطنية بها تطويرًا كان مفترضًا وممكنًا في واقع الأمر.   

ماذا بعد؟

رغم السردية الغربية بالأسى على نظام محمد بازوم “أحد الديمقراطيات القليلة المتبقية في أفريقيا”، ومخاوف هذه السردية من تمدد أنشطة الجماعات الإسلاموية في النيجر “بعد خروج مرتقب للقوات الغربية”، فإن الدعم الشعبي الكبير الذي حظي به الانقلاب منذ ساعاته الأولى يؤشر إلى تململ شعبي كبير من ارتباطات نظام بازوم بفرنسا تحديدًا وغيرها من الدول الغربية التي كرست -هذه الارتباطات- عسكرة سياسات الدولة (تكريس أغلب موارد الدولة لصالح عمليات مواجهة الإرهاب، ودون تحقيق نتائج ملموسة منذ أكثر من عقد لصالح استمرار الحاجة للقوات الفرنسية والغربية التي تعمل تحت غطاء حصانة كاملة همشت الجيش النيجري في المحصلة ولم تعزز قدراته).

وبادرت منافذ إعلامية غربية (وول ستريت جورنال 28 يوليو مثلا) بالتأكيد على أن أحداث النيجر تعيق عمل الولايات المتحدة (وفرنسا) في الساحل، كما أنها تهدد بضرب مجمل الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة “المسلحين الإسلاميين” الذي يتمددون في غرب أفريقيا في مقتل، وهي قراءة متسرعة إلى حد كبير عن مضاهاتها بقراءة أجندة قمة الناتو الأخيرة والتي همشت اهتمام الحلف بأفريقيا وقصر عمليات بناء القدرات -على سبيل المثال- للعام 2024 في أفريقيا على دولتي تونس وموريتانيا فقط؛ مما يبرز تناقض المقاربات الأمنية الغربية بشكل عام تجاه القارة الأفريقية وتوقعها نتائج مغايرة رغم انتهاج نفس السياسات القديمة، وهي خلاصات كشفت عنها أزمة النيجر الراهنة وتداعياتها المتوقعة.

د. محمد عبد الكريم أحمد

د. محمد عبد الكريم أحمد، باحث متخصص في الشئون الأفريقية، منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت،  أصدر مجموعة من المؤلفات والترجمات والبحوث في شئون ليبيا والسودان ونيجيريا وإثيوبيا والفكر الأفريقي والحركات الاجتماعية والإسلامية وقضايا  الإرهاب في أفريقيا  والعلاقات الروسية الأفريقية، وكاتب في العديد من الصحف العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى