Uncategorized

الانقلاب في الجابون:نهاية مباغتة “لملك غير متوج”

بادر قادة الحرس الجمهوري في الجيش الجابوني صباح الأربعاء 30 أغسطس، بقيادة الجنرال برايس أوليجوي نجوما Brice Oligui Nguema، بإعلان إسقاط الرئيس علي بونجو وإبطال نتائج الانتخابات العامة التي سبق أن أعلنته فائزًا في وقت سابق. وحظي نجوما باستقبال حافل في شوارع العاصمة ليبرفيل وسط توقعات تصاعدت بأن يتولى الأخير قيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية المتوقعة في الفترة المقبلة ([1]).

الانقلاب والنهاية “المؤجلة” عهد أسرة بونجو

أكد قادة القوات المسلحة في الجابون استيلاءهم على السلطة في الجابون ووضع الرئيس علي بونجو قيد الإقامة الجبرية في منزله بعد ساعات من إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية ما عنى فعليًا نهاية عهد أسرة بونجو بعد نحو 55 عامًا من الحكم المستمر للرئيسين الراحل عمر بونجو والمعزول علي بونجو. ورغم استقرار الأمور نسبيًا في الجابون وعدم خروج أية احتجاجات تذكر ضد تحرك الجيش دعا الرئيس المعزول علي بونجو المواطنين “لصنع ضوضاء” لدعمه، كما كان ملفتًا أن المظاهرات التي خرجت في العاصمة ليبرفيل وغيرها من مدن الجابون احتفت بمحاولة الانقلاب ضد “أسرة يتهمها الشعب الجابوني بالإثراء على حساب ثروات البلاد” بينما يعاني الكثير من سكانها”([2]).

وخلافًا لدول إقليم الساحل التي شهدت انقلابات متعاقبة في الأعوام الأخيرة على خلفية أوضاع اقتصادية وأمنية واجتماعية بالغة التردي، تعد الجابون واحدة من الدول الأفريقية القليلة التي تحقق معدلات أداء اقتصادي متوازن إذ ارتفع نمو الناتج القومي الإجمالي الحقيقي بها بنسبة 3% في العام 2022 (من 1.5% في العام 2021، وكان متوقعًا تحقيقه 2.7% في العام الجاري) على خلفية تحسن أداء قطاع البترول (تنتج الجابون نحو 181 ألف برميل من البترول يوميًا ما يضعها في المرتبة السابعة بين الدول الأفريقية المنتجة للبترول خلف نيجيريا والجزائر وأنغولا وليبيا ومصر والكونغو). كما حقق الميزان المالي للجابون فائضًا بنسبة 0.8% في العام الماضي، كما انخفضت نسبة الديون من الناتج المحلي الإجمالي إلى 52.6% في العام نفسه مقارنة بنسبة 66% في العام 2021

كما أن الجابون عضو في قائمة الدول المصدرة للبترول “أوبك”، وهي دولة غنية للغاية بالموارد المعدنية المهمة مثل اليورانيوم والمنجنيز والتي تتركز في جنوب شرق البلاد، وتتمتع بسواحل هامة على خليج غينيا تؤهلها للانخراط في أية مشروعات تكامل إقليمي في غرب أفريقيا ووسطها. كما تغطي الغابات المطيرة نحو 90% من مساحة الجابون (التي لا تتجاوز 250 ألف كم مربع)، ورغم شهرة الرئيس المعزول علي بونجو بحرصه على الحفاظ على هذه الثروة الغابية والبرية فإنه جنح في السنوات الأخيرة إلى استغلال الغابات وتدشين استثمارات في قطاع الكربون بقيمة بلايين الدولارات. وبفضل عائداتها من النفط ظلت الجابون واحدة من أغنى الدول الأفريقية بمعيار نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (بقيمة تتجاوز 8 آلاف دولار سنويًا)، لكنها تضم مع ذلك نسبة معتبرة من السكان تحت خط الفقر تتجاوز 30%، بينما يقع نحو 40% من السكان في المرحلة العمرية 15-24 سنة في عداد العاطلين عن العمل وفقًا لتقديرات البنك الدولي؛ مما يفسر حالة السخط الشعبي ضد نظام الرئيس بونغو ([3]).

رؤية الانقلاب للمرحلة الانتقالية

جاء الانقلاب الأخير في الجابون على خلفية واضحة من ضعف الأداء السياسي للرئيس المعزول علي بونجو وعدم قدرة الحزب الحاكم (الحزب الديمقراطي الجابوني) على مواجهة مخاوف الشعب الجابوني من تردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع صحة بونجو (مواليد 1959، ويمر بأزمات صحية خطيرة منذ العام 2018) عوضًا عن تآكل شعبيته بالأساس (فاز في الانتخابات التي أجريت في العام 2016 بفارق ستة آلاف صوت فقط عن منافسه جان بينج، وهو عضو سابق بالحزب الديمقراطي) كما اتضح في الانتخابات لأخيرة التي جرت بعد تعديلات دستورية “معيبة” وأجمع أغلب المراقبون على تزويرها لصالح الأول؛ وهي وقائع تشير إلى ان الانقلاب قد وقع ليستمر في مهمة إصلاح مسار الجابون الاقتصادي على الأقل (في ضوء تجارب النكوص عن التحول الديمقراطي الحقيقي في مختلف تجارب الانقلابات العسكرية والاكتفاء بإقامة ديمقراطيات شكلية في أفضل الأحوال).

بأي حال فقد تمكنت صحيفة “اللوموند” الفرنسية من إجراء حوار مع نجوما بعد ساعات وجيزة من إعلان الانقلاب ونشرته في اليوم نفسه، وأوضح نجوما خريطة طريق مبدئية لما بعد الانقلاب. وأوضح بداية أنه لم يعلن نفسه بعد رئيسًا للسلطة الجديدة، وأن الأمر سيتوقف على المشاورات مع جميع الجنرالات (في الجيش)، وحدد اجتماعًا في الساعة 2 ظهر الأربعاء (بتوقيت الجابون) بهدف التوصل “لإجماع” وتداول جميع الأفكار المطروحة واتباع الفكرة الأنسب وتسمية من “سيقود الانتقال”. وفي رد على سؤال مباشر للغاية عن الانقلاب وهل هو نتيجة لإعداد مسبق أم أنه استجابة لنتائج الانتخابات المعلنة في 26 أغسطس التي أقرت بفوز علي بونجو؟ أكد “نجوما” أن الجابون كانت تشهد مشكلات عدة بالفعل مثل حالة السخط ومرض رئيس الدولة (علي بونجو عانى من جلطة في أكتوبر 2018 خلفت حالة ضعف بالغ في جسده). وبينما كان الجميع يتحدث عن هذه المشكلات فإنه لم يتقدم أحد لتولي مسئولية مواجهتها. وليس لدى بونجو الحق في تولي فترة رئاسة ثالثة؛ فقد تم تنحية الدستور ولم تكن عملية الانتخابات نفسها جيدة بالمرة. لذا قرر الجيش قلب الصفحة و تولى مسئولياته. وفيما يخص مصير علي بونجو أكد “نجوما” أن الأول رئيس دولة الجابون وقد تقاعد ويتمتع (حاليًا) بجميع حقوقه، وقد بات مواطنًا جابونيًا مثل أي مواطن آخر ([4]).

ويتضح من القراءة الأولية لتصريحات الرجل القوي في الانقلاب (حتى الآن ريثما تتضح الأمور في الأيام المقبلة) يتضح أن الانقلاب قد جاء استجابة لسخط شعبي عام ومفهوم على الأقل منذ مرض الرئيس المعزول في العام 2018 وما تردد عن عدم قدرته على القيام بممارسة مهامه بكفاءة مطلوبة، وأن تحرك قوات الحرس الجمهوري بالقوات المسلحة، “الذي تم بالتنسيق بين جميع القوى العسكرية والأمنية” في الجابون، قد جاء متسقًا تمامًا مع مطالب شعبية حقيقية ومبررة في ظل تعاظم الاستيلاء على الثروة الوطنية بالتنسيق مع شركات ودول أجنبية وتراجع مستويات معيشة السكان في بلد غنية نسبيًا بالموارد الطبيعية ولا تعاني مشكلات سكانية تذكر.

كما يتضح من التصريحات وجود رؤية دقيقة لمرحلة انتقالية مقبلة في الجابون على غرار ما شهدته بقية الدول الأفريقية التي مرت بتجارب مماثلة في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وأن مشاورات “الجنرالات” تدور حول صياغة خريطة طريق انتقالية تكون مقبولة شعبيًا داخل الجابون في المقام الأول.

حدود الاستجابات الدولية: مواصلة التراجع؟

جاءت الاستجابات الإقليمية والدولية إزاء الانقلاب في الجابون في حدود المواقف المعهودة السابقة، مع تراجع ملحوظ في حالة “الدهشة” إزاء الانقلاب عند إعادة قراءة سياقاته في الأسابيع الأخيرة ومحاولة الرئيس المعزول علي بونجو تمرير توليه فترة رئاسة ثالثة بانتخابات مزورة على نطاق واسع.

وبشكل عام، وفي إطار حقيقة ما تمثله الجابون استراتيجيًا واقتصاديًا للدول الغربية، فإنه يتوقع بشكل كبير أن تواجه هذه الدول، لاسيما فرنسا والمملكة المتحدة، قرارات “صعبة للغاية” إزاء كيفية الاستجابة لخطوة استيلاء الجيش في الجابون على السلطة، وهو الانقلاب الثامن في إقليم غرب ووسط أفريقيا في العامين الماضيين. ومثل الانقلاب في الجابون ضربة بالغة القوة للجهود الغربية الحثيثة في الأسابيع الأخيرة لاحتواء تداعيات الانقلاب الذي شهدته النيجر نهاية يوليو الماضي. وعلى نقيض الروايات الغربية السائدة عن تورط “أطراف خارجية” (لاسيما روسية) في دعم موجة الانقلابات هذه فإنه من الصعوبة بمكان -حسب خبراء كثر- القطع بضلوع أطراف خارجية في هذه الانقلابات. وجدد الانقلاب الأخير في ليبرفيل دعوات مكثفة لالتزام الدول الغربية مستقبلًا بسياسات عدم التدخل المباشر في السياسات الداخلية للدول الأفريقية والاكتفاء بدعم أدوار المنظمات الإقليمية وجهودها لتسوية المشكلات الناشئة في القارة (على غرار الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا- إيكواس) ([5]).

أما الصين التي تستحوذ وحدها على نصف صادرات الجابون فقد عبرت عن قلقها إزاء الانقلاب الراهن. وهو موقف مماثل لما أعلنته روسيا التي نشرت “مرتزقة فاغنر في العديد من الدول الأفريقية عقب انقلابات شهدتها في السنوات الأخيرة”. مع ملاحظة عدم وجود صلات لفاغنر حتى اللحظة مع الجابون أو أيًا من الفاعلين السياسيين بها بالرغم من الوجود الروسي الكبير في الكاميرون المجاورة بطلب من الرئيس المسن بول بيا ([6]).

ماذا بعد؟

في حال نجاح الانقلاب في الجابون فإنه سيكون الأخير في سلسلة غير عادية من الانقلابات التي اجتاحت أفريقيا -إذ وقعت على الأقل تسع انقلابات في الأعوام الثلاثة الماضية بما فيها الشهر الماضي في النيجر (نهاية يوليو 2023).

ويبدو الانقلاب في الجابون في جوهره ضربة قوية للمصالح الفرنسية في أفريقيا عقب الانقلابات الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع ملاحظة طبيعة استمرارية النفوذ الفرنسي في الجابون دون انقطاع (منذ استعمارها في النصف الأول من القرن التاسع عشر وحتى بعد استقلالها في العام 1960 عبر نظم حكم موالية لفرنسا حتى في ذروة تراجع نفوذ باريس في “مستعمراتها السابقة” أفريقيا في العقود الأخيرة). وتهيمن الشركات الفرنسية على صناعة البترول في الجابون كما يوجد ما لا يقل عن 400 جندي فرنسي في الجابون أغلبهم في قاعدة فرنسية في قلب ليبرفيل. ومن جانبها ادانت الحكومة الفرنسية على الفور الانقلاب وطالبت في مسلك يشوبه عوار واضح بالاعتراف بنتائج الانتخابات الأخيرة (رغم ما شهدته وفق مراقبين من عمليات تزوير واسعة النطاق)، لكن مراقبين لاحظوا اكتفاء باريس بهذا الموقف دون تخطيه لفرض تهديدات للجيش الجابوني على غرار ما تم في حالة الموقف الفرنسي من الانقلاب في النيجر قبل نحو شهر تقريبًا. ونصحت السفارة الفرنسية في ليبرفيل مواطنيها بالبقاء في منازلهم ([7]).

وبالفعل فقد هبطت سندات الجابون الدولية لمستويات قياسية بعد إعلان الانقلاب وسط تخوفات معلنة من الشركات الدولية (ولاسيما الفرنسية) العاملة في الجابون من تأثير “الاضطرابات السياسية” على استثماراتها هناك خاصة في قطاع البترول. وسجلت السندات الدولارية للجابون المستحقة في العامين 2025 و2030 أكبر تراجعات بين أقرانها في الأسواق الناشئة مع توقع بعض المحللين حدوث عمليات بيع كبيرة من قبل الكثير من الدول الأفريقية ([8])، ويمكن أن تمثل حالة الاقتصاد الغابوني بالغة التشابك مع الأسواق الدولية فرصة للقوى الدولية المعنية بعدم حدوث تغييرات راديكالية في سياسات الجابون الاقتصادية (لغير صالحها بطبيعة الحال) للضغط على ليبرفيل لضمان عدم حدوث هذه التغييرات أو على الأقل تمديد آجالها.

وإجمالًا فإن الأيام المقبلة ستختبر مدى صدق قادة الانقلاب في تقديم اجندة إصلاحية لتفادي العوار الذي انتاب نظام حكم “آل بونجو” أكثر من خمسين عامًا كانت البلاد خلالها عرضة للنهب المستدام وتكريس التفاوت السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين سكان البلاد.

[1] Cyril Bensimon, Gabon’s coup-leading general says President Bongo is ‘retired’, Le Monde, August 30, 2023 https://www.lemonde.fr/en/le-monde-africa/article/2023/08/30/gabon-s-coup-leading-general-says-bongo-is-retired_6115749_124.html
[2] Soldiers in Gabon say they’ve seized power and detained a president whose family ruled for 55 years, The Canadian Press, August 30, 2023 https://www.msn.com/en-ca/news/world/soldiers-in-gabon-say-theyve-seized-power-and-detained-a-president-whose-family-ruled-for-55-years/ar-AA1fYgLB
[3] Declan Walsh, Military Officers Seize Power in Gabon, Threatening an African Dynasty, The New York Times, August 30, 2023 https://www.nytimes.com/2023/08/30/world/africa/gabon-coup-election.html
[4] Cyril Bensimon, Gabon’s coup-leading general says President Bongo is ‘retired’, Le Monde, August 30, 2023 https://www.lemonde.fr/en/le-monde-africa/article/2023/08/30/gabon-s-coup-leading-general-says-bongo-is-retired_6115749_124.html
[5] Ellen O’Dwyer, Gabon coup means ‘difficult decisions for the West’ amid post-colonial tensions, inews uk, August 30, 2023 https://inews.co.uk/news/world/gabon-coup-means-difficult-decisions-west-amid-post-colonial-tensions-2581534?ico=related_article_inline
[6] Declan Walsh, Military Officers Seize Power in Gabon, Threatening an African Dynasty, The New York Times, August 30, 2023 https://www.nytimes.com/2023/08/30/world/africa/gabon-coup-election.html
[7] Declan Walsh, Military Officers Seize Power in Gabon, Threatening an African Dynasty, The New York Times, August 30, 2023 https://www.nytimes.com/2023/08/30/world/africa/gabon-coup-election.html
[8] Colleen Goko, Gabon Coup Triggers Bond Selloff Sparking Contagion Fears, Bloomberg, August 30, 2023 https://www.bloomberg.com/news/articles/2023-08-30/europe-markets-reverberate-from-gabon-coup-as-bonds-shares-fall#xj4y7vzkg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى