أخبار عاجلةإفريقيا جنوب الصحراءالقضاياالمناطقتقدير المواقفصنع السلام

الانتخابات في جنوب أفريقيا: مسارات معقدة

تأتي الانتخابات العامة التي تشهدها جمهورية جنوب أفريقيا في مايو الجاري بعد مرور 30 عامًا على بدء تجربتها الديمقراطية عقب القضاء على نظام الفصل العنصري وتولي تحالفًا ثلاثيًا بقيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الشيوعي الجنوب أفريقيا ومؤتمر النقابات الجنوب أفريقية “كوساتو” COSATU قيادة البلاد في ظل حكومة أغلبية للمرة الأولى منذ قيام ما عرف باتحاد جنوب أفريقيا في العام 1910. كما تشهد الانتخابات، ربما للمرة الأولى طوال هذه العقود الثلاثة، تهديدًا حقيقيًا لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي (الذي سجل أدنى مستويات فوزه في المرات الستة الفائتة في العام 2019 بتحصيله نسبة 57.5% مقارنة باعلاها في العام 1994 حيث اقترب من حاجز 70%) ليس فحسب من قبل قوى المعارضة التقليدية ولكن بسبب حركة انشقاقات داخلية بقيادة الرئيس السابق جاكوب زوما الذي كون حزبًا جديدًا نهاية العام الماضي حاملًا اسم uMkhonto weSizwe (MK) Party أي “رمح الأمة” بلغة الاكسوزا Xhosa ([1])، وهو نفس الاسم الذي كان يطلق على الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي الذي أسسه وقاده في ستينيات القرن الماضي الرئيس والزعيم الراحل نيلسون مانديلا عقب مذبحة شاربفيل Sharpeville التي شهدتها تلك الضاحية في إقليم الترانسفال في مارس 1960، ويأتي ذلك التطور وسط مؤشرات خطيرة على تراجع شعبية المؤتمر الوطني الأفريقي إذ تتوقع اقتراعات الرأي الأخيرة تحصيل حزب “رمح الأمة” نسبة 8% من الناخبين في الانتخابات المقررة 29 مايو، في دلالة أيضًا على عودة قوية للتصويت “الإثني” إذ تقترب نسبة السكان الاكسوزا من سكان البلاد من نفس النسبة المذكورة ويتركز أغلبهم في إقليمي ويسترن كيب وإيسترن كيب. مع ملاحظة تقديرات مهمة احتمال تراجع نصيب المؤتمر الوطني الأفريقي في الانتخابات المرتقبة إلى ما دون 50% ([2]).

أولًا- قراءة في فترة رئاسة سيريل رامافوسا (2019-2024)

يخوض الرئيس الحالي سيريل رامافوسا (مواليد نوفمبر 1952، وهو رفيق الثوري الشاب الراحل ستيف بيكو، وكان نقابيًا بارزًا في عقد الثمانينيات قبيل صعوده سلم الأعمال والسلطة في صفوف المؤتمر الوطني الأفريقي مما يكشف عن تعدد جوانب خبراته السياسية والاقتصادية بشكل مذهل) صراعًا لا يستهان به في سبيل تقلده فترة رئاسة ثانية في الانتخابات المقررة نهاية مايو الجاري. ورغم وصفه من قبل نيلسون مانديلا بأنه واحدًا من القادة الموهوبين في البلاد فإن رامافوسا نال في الانتخابات الماضية أدنى نسبة تأييد بين الناخبين في تاريخ المؤتمر الوطني الأفريقي (نحو 57%)، مع توقعات بالغة الدلالة على تدني هذه النسبة في الانتخابات المقبلة دون حاجز 40% وتوقعات شبه مؤكدة منذ نهاية العام الماضي بضرورة تأمين المؤتمر الوطني تحالفات مسبقة مع عدد من الأحزاب لتفادي خسارة تاريخية في البقاء في السلطة بعد 30 عامًا من نهاية الفصل العنصري. فيما نبه محللون آخرون إلى أن لحظة التصويت نفسها قد تحمل توجه تأييد المؤتمر الوطني الأفريقي بشكل تقليدي نحو حسم الفوز عند مفاضلة الناخبين بينه (كقوة مناهضة للعنصرية وتمكنت من القضاء عليها بعد عقود ممتدة وبمستويات متباينة منذ تكوينه في العام 1912) ([3]).   

وتوحي مسيرة الرئيس الحالي سيريل رامافوسا بقدرة كبيرة على الدينامية ومواجهة التقلبات السياسية المباغتة؛ فقد انتخب رامافوسا (النقابي السابق ورجل الأعمال البارز منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات) نائبًا لرئيس المؤتمر الوطني الأفريقي في ديسمبر 2012 وعُين بعدها نائبًا لرئيس الجمهورية في 25 مايو 2014 قبل انتخابه بصفته الرئيس الثالث عشر للمؤتمر في ديسمبر 2017 خلال انعقاد المؤتمر القومي الرابع والخمسون في جوهانسبرج. وبدأ رامفاوسا رئاسته للبلاد رسميًا في 15 فبراير 2018 عقب استقالة سلفه (ومنافسه الحالي) جاكوب زوما الذي تجاوز عمره حاليًا الثمانين عامًا، وتقلد رامافوسا العديد من المناصب الدولية منها رئاسته المشتركة في مايو 2018 لمفوضية مستقبل العمل Commission on the Future of Work التي كونتها منظمة العمل الدولية (وتشكلت من 28 عضوًا) ورئاسة الاتحاد الأفريقي في فبراير 2020 لمدة عام واحد ([4]). ولقد كانت فترة رئاسة رامافوسا في مجملها فترة مثقلة بالمشكلات والأزمات الاقتصادية العالمية مثل جائحة مكوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية مما فاقم من تراجع الأوضاع المعيشية في جنوب أفريقيا وارتفاع معدل البطالة بها لما يتجاوز 30% (وهو أعلى المعدلات العالمية المسجلة)، وتتجاوز تلك النسبة حاجز 60% وسط الشباب دون عمر 25 سنة. كما عانى الاقتصاد الجنوب أفريقي في الأعوام السابقة من أزمة طاقة شبه مزمنة؛ إذ وصلت انقطاعات التيار الكهربائي في العام الماضي لمستوى 12 ساعة يوميًا (وإن أرجع أغلب المراقبين الأزمة لعهد جاكوب زوما الذي استمر من العام 2009 حتى العام 2018، ومستويات الفساد المتغلغلة في إدارته، دون إغفال قصور إدارة رامافوسا في مواجهتها) ([5]).    

لكن جنوب أفريقيا تمكنت في عهد رامافوسا من تحقيق سياسة خارجية متوازنة بشكل كبير مع اقتراب أكبر، وربما غير مسبوق، نحو الصين وروسيا وعلى المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية مما عمق من أهمية هذا التوازن وأن باتت بريتوريا واحدة من أهم مراكز ما يعرف حاليًا بالجنوب العالمي. وهو تطور ربما سيؤثر بشكل واضح في الانتخابات المقبلة إذ يحظى بمقبولية واسعة في أوساط الشباب الذين يمثلون بدورهم الكتلة التصويتية الأكبر كما سنشير لاحقًا.

وحافظت إدارة رامافوسا على أداء اقتصادي معقول في ظل هذه الأزمات مع تداعيات سلبية مثل انقطاع التيار الكهربائي والفيضانات المدمرة في إقليم كوازولو ناتال واضطرابات قطاع النقل مع التراجع العالمي الأعم عقب غزو روسيا لأوكرانيا، وقد أسهمت جميعها في تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 2% في العام 2022 مقارنة بنمو قدره 4.9% في العام 2021. لكن العامين التاليين 2023-2024 شهدا تحسنًا مع نمو التجارة والسياحة والتعدين والتصنيع، وتراجع التضخم إلى 4.5% في العام 2024 مع تراجع ملموس في أسعار الوقود والغذاء ([6]). كما تمكن الاقتصاد الجنوب أفريقي من التعافي نسبيًا في العام 2023 كما يتضح في جذبه تدفقات خارجية مباشرة بقيمة 100 بليون راند (نحو 5.3 بليون دولار، أو ما نسبته 1.4% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد. وظلت جنوب أفريقية تمثل بيئة ملائمة للمستثمرين الأجانب بفضل تمتعها بخدمات مالية عالمية المستوى وصناعات اتصال متطورة، وسوق رأسمال عميقة deep capital market، ومؤسسات تعليمية راقية تقوم بتخريج كفاءات بشرية مدربة وماهرة، وموارد طبيعية وفيرة، ووجود نظام قانوني متماسك وشفاف، ودرجة معينة من الاستقرار السياسي. كما ارتفع حجم الاحتياطيات الجنبية من 58.4 بليون دولار في أغسطس 2021 إلى 63.4 في أكتوبر 2022 بفضل ارتفاع عائدات الصادرات الجنوب أفريقية ([7]).   

غير أن الاقتصاد واجه صعوبات مستمرة ربما تخصم من رصيد إدارة رامافوسا في الانتخابات المقبلة إذ ارتفع عجز الموارنة إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2022 مقارنة بـ 4.6% في العام 2021 بسبب ارتفاع كبير في أولويات الانفاق لاسيما المرتبط بمواجهة كوفيد-19. كما استمرت مستويات الفقر مرتفعة للغاية مع تقدير وقوع نحو 30% من سكان جنوب أفريقيا تحت خط الفقر المدقع في العام 2022، وارتفاع نسبة التفاوت بين السكان. وهي مؤشرات سيكون لها تأثير بكل تأكيد على اتجاهات التصويت نهاية مايو الجاري.

ثانيًا- آلية انتخابات 29 مايو: الأحزاب أولًا

حسب النظام الانتخابي في جنوب أفريقيا فإن جميع الناخبين المسجلين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع (في آلاف المراكز الانتخابية في أرجاء البلاد) لاختيار الحزب الذي يودون التصويت له وليس التصويت للمرشحين كأفراد. وتستخدم جنوب أفريقيا نظام التمثيل النسبي الذي يعني تصويت جميع الناخبين في البلاد ويحسب عدد مقاعد كل حزب في الجمعية الوطنية وفق حصصهم من الأصوات. وقدر متخصصون جنوب أفارقة أن كل 0.25% من عدد الأصوات الوطنية يقابله مقعدًا في البرلمان. وفي حال تمكن حزب أغلبية من كسب 250 مقعدًا فإنه سيقوم باختيار 250 مرشحًا من قوائمه. مع ملاحظة أن إجمالي عدد المقاعد في البرلمان الجنوب أفريقي يبلغ 400 مقعدًا وتحدد الأغلبية بتأمين 201 مقعدًا على الأقل، وفي حال عدم تحقيق حزب ما لتلك النسبة فغنه يتم تكوين تحالف مع حزب آخر. وبمجرد إعلان نتيجة التصويت -على الأرجح صباح 30 مايو- يتولى زعيم الحزب الفائز منصب رئيس الجمهورية على أن تتم مناصب التتويج الرسمية في غضون أسبوعين من إعلان النتيجة لبدء الرئيس المنتخب فترة رئاسة جديدة مدتها خمسة أعوام ([8]).

ومع نهاية أبريل 2024 اتضحت إلى حد كبير خريطة الأحزاب التي ستخوض هذا السباق إذ أكدت مفوضية الانتخابات الجنوب أفريقية The Electoral Commission (IEC) اكتمال الاستعدادات للانتخابات الديمقراطية السابعة في البلاد والتي ستكون أكثرها حدة وتنافسية ولاتي سيخوضها سبعون حزبًا سياسيًا (تتقدمها خمسة أحزاب رئيسة تحصلت في الانتخابات السابقة على اكثر من 80% من الأصوات) و11 مرشحًا مستقلًا، وأن عدد المرشحين بلغ نحو 15 ألف مرشح يتنافسون على 887 مقعدًا في المجالس التشريعية الوطنية (البرلمان) والإقليمية، ويتنافسون على تصويت نحو 28 مليون ناخب مؤهل للتصويت وهو أعلى رقم للمسجلين في تاريخ البلاد.

وكشفت مفوضية الانتخابات عن التوزيع الإقليمي لكتل الناخبين (الذين بلغ عددهم 27.7 مليون ناخب) في الانتخابات المقبلة بعد غلق باب تسجيل الأسماء في مارس 2024 وجاءت على النحو التالي وفق كل إقليم: جوتنج عدد المصوتين 6.54 مليون ناخب بنسبة 23.6%، كوازولو- ناتل 5.74 مليون ناخب بنسبة 20.7%، وإيسترن كيب 3.44 مليون ناخب بنسبة 12.41%، ثم ويسترن كيب 3.32 مليون ناخب بنسبة 11.96%، وليمبوبو 2.8 مليون ناخب بنسبة 10.03%، ثم إقليم مبومالانجا 2 مليون ناخب بنسبة 7.3%، ونورث ويست 1.8 مليون ناخب بنسبة 6.4%، ثم فري ستيت 1.5 مليون ناخب بنسبة 5.26%، وأخيرًا نورثرن كيب 657 ألف ناخب بنسبة 2.37%. كما كشفت بيانات المفوضية عن التركيب العمري للناخبين وأنه يتركز في الفئة 18-39 عامًا إذ تمثل تلك الفئة وحدها 42% من إجمالي عدد الناخبين بقيمة 11.7 مليون ناخب، مع ملاحظة غلبة عدد الناخبات عن عدد الناخبين بشكل عام إذ بلغت الإناث 15 مليون ناخبة بنسبة 55% ([9]).

ثالثًا- الأحزاب والبرامج: أبرز الاتجاهات

يتصدر الحياة الحزبية في جنوب أفريقيا عدد من الأحزاب يمكن حصرها وفق آخر نتائج لانتخابات عامة جرت في البلاد في العام 2019 على النحو التالي:

المؤتمر الوطني الأفريقي، وهو القيادة التاريخية لعملية التحول الديمقراطية قبل ثلاثة عقود (1989-1993). وقد نجح الحزب في الحفاظ على موقعه في السلطة طوال العقود الثلاثة الماضية عبر اتباع مجموعة من البرامج والسياسيات الاجتماعية التي لبت الكثير من مطالب الأغلبية السوداء، وكذلك عبر اتباع سياسات خارجية أكثر جرأة وتحيزًا نحو المصالح الوطنية في خضم التحولات الدولية والإقليمية الراهنة كما يتضح في قيادة جنوب أفريقيا المواقف الدولية ضد العدوان الإسرائيلي في قطاع غزة مما أكسب نظام رامافوسا مصداقية كبيرة وسط جيل شاب يتطلع لمفاصلة واضحة عن الاصطفاف وراء الغرب (الذي كان الداعم الأول للنظام العنصري السابق في البلاد). وقدر الحزب في منتصف أبريل 2024 أنه سيتمكن من تأمين الفوز بما لا يقل عن 57% من أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة، مع ترويجه بشكل واضح لفكرة تعزيزه للديمقراطية في البلاد، وأن انتخاب الحزب سيحول دون إعمال تكتيكات التفرقة بين السكان الجنوب أفارقة على نحو يشبه كثيرًا ممارسات النظام العنصري السابق ([10]). ويبدو أن الحزب قد أمن بالفعل دعمًا قويًا من القوى التقليدية التي تصطف خلفه وأهمها الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي ونقابات العمال؛ وهو الأمر الذي اتضح مطلع مايو الجاري بإعلان الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني فيكيل مبالولا Fikile Mbalula بأن الحزب سيؤمن في العوام الخمسة المقبلة (بعد نجاحه في الانتخابات) 2.5 مليون فرصة عمل مما سيساعد بقوة في القضاء على البطالة. وجاءت تصريحاته على هامش اجتماعات مستمرة مع الحزب الشيوعي و”كوساتو” (الذي يضم في عضويته ملايين العمال الأفارقة والملونين) وإعلانهم ضمان حقوق العمال واستمرار المحافظة عليها ([11]).   

التحالف الديمقراطي: يمثل المعارضة الرئيسة لحكم المؤتمر الوطني الأفريقي، وقد تأسس في العام 2000. ويتبنى التحالف رؤية أساسية قوامها سعيه “لإنقاذ جنوب أفريقيا” من التدهور الذي لحق بها على يد إدارة المؤتمر الوطني الأفريقي حسب بيانات التحالف. وتقوم أجندة عمل التحالف على إصلاح ما أفسده المؤتمر الوطني وطرد المسئولين الفاسدين (وهو ملف تتبناه الصحف الأمريكية والبريطانية بشكل مكثف مما يمثل اصطفافًا خلف رؤية التحالف ومناهضة للمؤتمر الوطني في التوقيت الحالي) وتعيين أكفاء من أجل بناء دولة قادرة على الشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لإنقاذ جنوب أفريقيا. كما يراهن التحالف على جذب الشباب عبر طرح تعهدات بتوفير فرص عمل لسبعة من كل عشرة شباب عاطل ومنح أولوية نسبية للمرحلة العمرية 18-35 عامًا وإعفاءهم من “قوانين العمل التقييدية”، وتفعيل صلاحيات أكبر للأقاليم المختلفة (وهو هدف يجد قبولًا بين بعض الأقاليم ذات الأغلبية الأفريقية) ([12]).

مقاتلو الحرية الاقتصادية EFF: وهو حزب سياسي حديث التكوين نسبيًا (2013) تكون على يد يوليوس ماليما J. Malema (وهو عضو سابق بالمؤتمر الوطني الأفريقي تم استبعاده منه في العام 2012 على خلفية تطرفه الأيديولوجي كماركسي لينيني) وتبنى الحزب موقفًا يساريًا بغرض تحقيق “انعتاق اقتصادي” لجنوب أفريقيا. ويقدم الحزب نفسه بأنه حزبًا “راديكاليًا، يساريًا، ومناهضًا للرأسمالية وحركة مناهضة للإمبريالية”. ودعا بيان الحزب إلى العديد من المبادرات لتحقيق فرص عادلة في التعليم لجميع الجنوب أفارقة وتحسين الخدمات الصحية والمعيشية، وأدان الفساد و”التمييز” (العنصري أو الطبقي أو الاجتماعي). ويحظى الحزب بدعم كبير وسط الشباب

رابعًا- سيناريوات ما بعد الانتخابات؟

أوضحت مائدة مستديرة ضمت العديد من الخبراء والمعنيين بالعملية السياسية الجارية في جنوب أفريقيا ([13]) عددًا من السيناريوات استبعدت في مجملها خروج حزب المؤتمر الوطني الأفريقي من الحكم حتى في حال عجزه عن تحقيق نسبة 50+1%. وأجمع الخبراء على رجحان توقع استمرار هيمنة الحزب الواحد (في إشارة لا تخطئها العين إلى المؤتمر الوطني الأفريقي كونه حزبًا مظليًا بالأساس لمجموعات متنوعة من الانتماءات الأيديولوجية المختلفة والمتفقة على مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية منذ العام 1994 بما في ذلك مجموعات عمالية ونقابية وشيوعية وغيرها)؛ وجاءت هذه السيناريوات على النحو التالي:

نهاية عهد الحزب الواحد ومزيد من الانقسام

ووفق هذا السيناريو يتوقع أن يفقد حزب المؤتمر الوطني الأفريقية الأغلبية (بعد تحقيقه في الانتخابات السابقة في العام 2019 نسبة 57.3% من الأصوات تلاه التحالف الديمقراطي Democratic Alliance بنسبة 20.17% ثم مقاتلو الحرية الاقتصادية Economic Freedom Fighters (EFF) بنسبة 10.19%، ثم حزب الحرية إنكاثا Inkatha Freedom Party (IFP) بنسبة 3.38% وجبهة الحرية بلس Freedom Front Plus (FF+) بنسبة 2.38%، ما يعني استحواذ الأحزاب الخمسة الأبرز على ما يقرب من 85% من أصوات الناخبين تاركة البقية لـ 11 حزبًا آخر. ويعزز هذا السيناريو ما شهدته انتخابات الحكم المحلي بالبلاد للعام 2021 من تهاوي شعبية المؤتمر الوطني الأفريقي لأكثر من 10% بتحقيقه نسبة 45.6% فقط من أصوات الناخبين؛ وهو مسار يتوقع تعمقه حال تأثر الناخبون بالمشكلات التي تحيط بالبلاد من مثل ارتفاع نسب البطالة لمستويات قياسية (لاسيما أن أغلب الناخبين من دون 39 عامًا). مع توقعات أداء حزب “رمح الأمة” على نحو جيد وان يكون الحزب هو الحصان الأسود في الانتخابات مما يعني خصم كتل معتبرة من مؤيدي حزب المؤتمر الوطني.

تحالفات المؤتمر الوطني مع الأحزاب الصغيرة

يتوقع هذا السيناريو جنوح قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي للاختيار بين حزمة تحالفات أولها التحالف مع حزب الحرية إنكاثا “وعدد من الأحزاب الصغيرة” (مما ستتحصل منفردة على نسب أقل من 10%) لتأمين أغلبية مستقرة، ويتوقع في هذه الحالة (وهي التوقع الأكثر واقعية) مواصلة حزب المؤتمر الوطني سياساتها الداخلية والخارجية الراهنة وتعميقها. بينما قد يلجا المؤتمر للتحالف مع “التحالف الديمقراطي” Democratic Alliance الذي قد يضمن نسبة لا تقل عن 10% من الأصوات ويتوقع عندها تبني المؤتمر الوطني لسياسات تحرير اقتصادي موسعة. ومما طرح أيضًا احتمال تحالف المؤتمر الوطني مع “مقاتلو الحرية الاقتصادية” وهو الحزب الذي يمثل اليسار المتطرف، لكن هناك عوامل عدة تستبعد مثل هذا التحالف لاسيما ارتفاع سقف مطالب الحزب الأخير كما اتضع في سياساته في إقليمي جوتنج وكوازولو ناتال في الشهور الأخيرة.    

انفراد حزب المؤتمر الوطني بالأغلبية

وهو سيناريو ضعيف لكنه قائم. وتعزز منه سياسات الأمتار الأخيرة لحكومة المؤتمر الوطني التي باتت تركز على الهجوم المكثف على الخصوم (مثل الرئيس السابق زوما وحزبه “رمح الأمة”)، والتعهد بتقديم حلول مستدامة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة (مثل البطالة وارتفاع مستويات الجريمة)، والتعويل على كسب أصوات معتبرة من الشباب خارج التحيزات الحزبية الضيقة بالنظر لسياسات بريتوريا في أزمة غزة منذ أكتوبر الفائت ونجاحها في قيادة صوت الجنوب العالمي بعلامة كاملة منذ نحو ستة شهور؛ وهو ما يمكن أن يضيف كتلًا تصويتية شابة وغير متوقعة (لاسيما في ضوء الزخم الدائر في الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا دعمًا للقضية الفلسطينية وبناءً على مبادرة جنوب أفريقية في المقام الأول في الأزمة الراهنة).

وهكذا يبدو أن السيناريو الثاني هو الأقرب للتحقق بشكل كبير مع صعوبة حدوث انقلابات سياسية خطيرة في صفوف الناخبين الجنوب أفارقة.

هوامش


[1]  Carien du Plessis, South Africa election: EFF losing support to Zuma – polls, The Africa Report, April 29, 2024 https://www.theafricareport.com/346233/south-africa-election-eff-losing-support-to-zuma-polls/

[2] Garrin Lambley, IEC confirms 70 parties will contest SA 2024 elections, The south African, April 30, 2024 https://www.thesouthafrican.com/news/elections-2024/iec-confirms-70-parties-will-contest-sa-2024-elections/

[3] South Africa’s Ramaphosa fights for political future in tight vote, New Vision, April 29, 2024 https://www.msn.com/en-xl/news/other/south-africas-ramaphosa-fights-for-political-future-in-tight-vote/ar-AA1nQEjU

[4] President Cyril Ramaphosa, The Presidency (of the Republic of South Africa) https://www.thepresidency.gov.za/node/197

[5] Gerald Imray, South African President Defends 30 Years of ANC Rule in Speech to Parliament Ahead of Elections, AP, February 8, 2024 https://apnews.com/article/south-africa-ramaphosa-speech-parliament-b138bd6880b9651b696573ce0e53b853

[6] South Africa Economic Outlook, African Development Bank Group https://www.afdb.org/en/countries/southern-africa/south-africa/south-africa-economic-outlook

[7] South Africa Economic Outlook 2024, April 2024 https://www.strategyand.pwc.com/a1/en/insights/south-africa-economic-outlook.html

[8] Garrin Lambley, IEC confirms 70 parties will contest SA 2024 elections, Op. Cit.

[9] Ibid.

[10]  Queenin Masuabi, ANC confident it will secure 57% of electoral votes despite looming MK party threat, Daily Maverick, April 16, 2024 https://www.dailymaverick.co.za/article/2024-04-16-anc-accelerates-battle-plan-in-bid-to-secure-majority-despite-looming-mk-party-threat/

[11]  Sipho Jack, A defeat for the ANC is a defeat for the people – SACP, The Star, May 1, 2024 https://www.msn.com/en-za/news/other/a-defeat-for-the-anc-is-a-defeat-for-the-people-sacp/ar-AA1nZvrR

[12] The DA is ready to Rescue SA! DA https://www.da.org.za/

[13] Seth Thorne, South Africa after the 2024 elections: what comes next? Businesstech, April 25, 2024 https://businesstech.co.za/news/government/769367/south-africa-after-the-2024-elections-what-comes-next/

د. محمد عبد الكريم أحمد

د. محمد عبد الكريم أحمد، باحث متخصص في الشئون الأفريقية، منسق أبحاث وحدة أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت،  أصدر مجموعة من المؤلفات والترجمات والبحوث في شئون ليبيا والسودان ونيجيريا وإثيوبيا والفكر الأفريقي والحركات الاجتماعية والإسلامية وقضايا  الإرهاب في أفريقيا  والعلاقات الروسية الأفريقية، وكاتب في العديد من الصحف العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى