الأزماتالأمنالقرن الإفريقيالقضاياتقدير المواقفشرق أفريقياصنع السلام

الأزمة السودانيّة: بين استجابة دوليّة هشّة وكارثة إنسانيّة تَلوح في الأُفق

في ظل استمرار الاشتباكات والاقتتال الدائر في السودان منذ منتصف أبريل الفائت، بين القوات المُسلّحة السودانية بقيادة الفريق أول ركن “عبد الفتاح البرهان” رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية بقيادة الفريق أول “محمد حمدان دقلو” أو كما يُعرَف بــ “حميدتي”، بات الوضع الإنساني وحالة حقوق الإنسان بشكل عام في البلاد تُنذِر بالقلق الشديد، وفقًا للتقارير الواردة من المنظمات الدوليّة كالأمم المتحدة والجهات الإغاثية التابعة لها، وكذلك الجهات الحكومية وغير الحكومية المُتابِعة عن كثب للاشتباكات بين الجانبين. كل ذلك في ظل ردود الفعل الدوليّة المُعتادة التي لا تخرج عن سياق إصدار بيانات للشجب والإدانة. بناءً عليه يسعى هذا المقال إلى بيان طبيعة الوضع الإنساني الراهن، وردود الفعل الدولية تجاه احتدام الصراع وتداعياته الممتدة، بين الطرفين المُتنازعين، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

تكلُفة إنسانية واسعة المدى:

أدى تصاعد الاشتباكات في السودان إلى تأثيرات على أصعدة عدة بالداخل السوداني، كفِرار ملايين الأشخاص من منازلهم هربًا من دائرة الاقتتال غير المتوقفة، فضلًا عن التأثيرات الممتدة على قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، ناهيك عن تدمير سُبل العيش للمواطنين وانكماش الاقتصاد بنسبة 12 في المائة (وفقًا لبيانات البنك الدولي)، جراء الصراع القائم، وغيرها من التداعيات، كما سنعرض على النحو التالي:

في البداية ومع تفاقم الصراع في السودان باتت البلاد صاحبة أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث دفعت الأحداث قرابة 7.1 مليون شخص إلى ترك منازلهم،)[1]( منهم 4.5 شخص نازح داخليًا منذ نشوب الصراع في أبريل الماضي، في حين اضطر 1.2 مليون شخص للفرار إلى الدول المجاورة (تشاد، مصر، جنوب السودان، إثيوبيا، جمهورية إفريقيا الوسطى) كما سيوضح الشكل رقم (1). وتُمثّل النسبة الأكبر منهم من النساء والأطفال، على سبيل المثال تصل نسبة النساء والأطفال إلى 90% في جمهورية إفريقيا الوسطى، وذلك وفقًا لمؤتمر صحفي عقدته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في نوفمبر الماضي بجنيف.([2])  

شكل رقم (1)

أعداد اللاجئين من السودان إلى عدد من البلدان المجاورة (تشاد- جنوب السودان- مصر- إثيوبيا- جمهورية إفريقيا الوسطى) في الفترة (16 أبريل – 22 نوفمبر 2023م))[3](

Source: Sudan Sitiuation, UNHCR, 27 Nov 2023, On: https://rb.gy/s4pfkk

على نحو أكثر تفصيلًا ولرسم صورة أكثر دقّة حول معدّل تصاعد أعداد النازحين داخليًا بالسودان، يُمكِن القول أنه منذ اندلاع الصراع المسلح في الخرطوم منتصف أبريل الماضي، وخلال العشرة أسابيع الأولى فقط (من 15 أبريل حتى 28 يونيو) تم تسجيل 2,231,523 حالة نزوح داخلي في البلاد، وهو نفس العدد تقريبًا من حالات النزوح الداخلي بسبب النزاع والعنف في البلاد مقارنة بالسنوات العشر الماضية مُجتَمِعَة (2,246,000). وهو ما يُمَثِّل أعلى معدّل للنزوح الداخلي في السودان بسبب الصراع والعنف منذ أن بدأ مركز رصد النزوح الداخلي عمله في عام 2008م.)[4]( كما يوضح الشكل رقم (2).

شكل رقم (2)

أعداد النازحين داخل السودان منذ 2013 حتى عام 2023م، وتحديدًا في الفترة (15 أبريل- 28 يونيو) من عام 2023م

Source: Tomás De Almeida ,Clémentine André,  “In Sudan, 10 Years of Displacements in 10 Weeks”, The Internal Displacement Monitoring Centre (IDMC), Jul 2023, accessed in 30 Nov 2023, On: https://tinyurl.com/mvcct5kh

هذا ويواجه اللاجئون الذين فرّوا إلى بعض البلدان المجاورة المضطربة حالة من عدم الاستقرار ونقص احتياجات أساسية عديدة، كالجوع وانتشار الأمراض؛ خاصة أن البلدان المضيفة تجد بالفعل صعوبة في دعم شعوبها، حتى بدون هذا التدفق الأخير. وقد تمكن العديد ممن فرّوا إلى تشاد وليبيا من الوصول إلى تونس ويحاولون العبور بشكل غير قانوني إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. ما يجعل الوضع الإنساني أسوأ وأشد ضراوة.([5])

تُضيف “دومينيك هايد”، مديرة قسم العلاقات الخارجية لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، خلال المؤتمر سالف الذكر قائلة: “أن النزاع تسبب في مزيد من حالات النزوح، حيث يعاني آلاف في مسعاهم للبحث عن المأوى، ويبيت الكثيرون تحت الأشجار على قارعة الطرق، ينتابنا قلق كبير إزاء عدم تمكنهم من الوصول إلى المواد الغذائية والمأوى، وأي من الاحتياجات الضرورية الأساسية.” وتستكمل بأن هذا الارتفاع المتصاعد في الأشخاص النازحين قسرًا يفرض الكثير من الضغوط على الخدمات الأساسية في المخيمات، وفي شتى أرجاء السودان.([6]) على الصعيد ذاته المتعلق بالمخاطر التي يواجهها المدنيين تقول منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن أكثر من 20 مليون شخص (42 في المائة من سكان السودان) يواجهون مستوى مرتفعًا من انعدام الأمن الغذائي، وأن 6.3 مليون شخص على بُعد خطوة واحدة من المجاعة، وأن أكثر من نصف سكان غرب دارفور يواجهون خطر الجوع الحاد. ما جعل السودان ضمن النقاط الأربع الساخنة الأكثر إثارة للقلق بشأن انعدام الأمن الغذائي وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي.)[7]( كما أن هناك نقص في المياه النظيفة  للملايين، ناهيك عن ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية والذي يؤدي لخطر الجوع وسوء التغذية. وذكرت في هذا الإطار هيئة إنقاذ الطفولة “Save The Children”  مؤخرًا أن ما يصل إلى 17,000 طفل يعانون من الجوع كل يوم، وأنه من المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 1.5 مليون. كما ذكرت وكالة أسوشيتد برس  أن حوالي 500 طفل، بمن فيهم الأطفال حديثي الولادة، فقدّوا حياتهم نتيجة الجوع ونقص الغذاء، منذ بدء الاشتباكات المُسلّحة أبريل الماضي.)[8](

أما فيما يتعلق بحوادث العنف؛ فلا يزال العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي مستمرًا، حيث تُتَهم قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم العنف الجنسي (التحرش الجنسي والاغتصاب)، وكذلك أفراد القوات المسلحة السودانية وجيش تحرير السودان بقيادة “مني أركو مناوي”.)[9]( يؤكد ذلك أنه في 17 أبريل 2023م، تم الإبلاغ علنًا عن أولى حوادث العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وبحلول نهاية شهر مايو 2023م، انتشرت التقارير حول العنف الجنسي الذي ارتكبته الجهات الفاعلة في النزاع على نطاق واسع. أما اعتبارًا من يوليو 2023م، وفقًا لما وَرَد عن وحدة مكافحة العنف ضد المرأة التابعة للحكومة، تم التحقق من 88 حادثة عنف جنسي على الأقل.ويُزعم أن الغالبية العظمى من هذه الحوادث ارتكبها جنود قوات الدعم السريع. وقد نفى قادة قوات الدعم السريع هذه الاتهامات ووصفوها بأنها حوادث منفردة وزعموا أنهم غير قادرين على التدخل.)[10](

على صعيد قطاع التعليم يُمكِن الكشف عن تداعيات الوضع المتأزّم من خلال الإحصاءات التالية:

أدى الصراع إلى حرمان حوالي 12 مليون طفل من التعليم منذ أبريل الماضي؛ حيث وصل العدد الإجمالي للأطفال غير الملتحقين بالمدارس في السودان إلى 19 مليون طفل، حسبما ذكرت هيئة إنقاذ الطفولة ووكالة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). ومن هذا العدد، فقد 6.5 مليون طفل -أي 1 من كل 3 أطفال في البلاد- إمكانية الوصول إلى المدرسة بسبب زيادة العنف وانعدام الأمن، مع إغلاق ما لا يقل عن 10,400 مدرسة حتى الآن في المناطق المتضررة من النزاع. وفي الوقت نفسه، ينتظر أكثر من 5.5 مليون طفل يقيمون في مناطق أقل تأثرًا بالحرب أن تؤكد السلطات المحلية ما إذا كان يُمكِن إعادة فتح الفصول الدراسية. جدير بالذكر أنه قبل أبريل الماضي، كان ما يقرب من 7 ملايين طفل خارج المدرسة بالفعل. إذا استمرت الحرب، فلن يتمكن أي طفل في السودان من العودة إلى المدرسة في الأشهر المقبلة، مما يُعَرضّهم لمخاطر على المدييّن قصير وطويل الأجل، بما في ذلك النزوح والتجنيد في الجماعات المسلحة والعنف الجنسي. من ذلك كله يمكن القول أن السودان على وشك أن يصبح موطنًا لأسوأ أزمة تعليمية في العالم، وفقا لليونيسف.([11])

أما فيما يتصل بالقطاع الصحي فيمكن الإشارة إلى الحقائق التالية:

  • يتزايد تفشّي الأمراض بسبب توقّف خدمات الصحة العامة الأساسية، بما في ذلك متابعة الأمراض ومختبرات الصحة العامة العاملة وفِرَق الاستجابة السريعة. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال انعدام الأمن والنزوح ومحدودية الوصول إلى الأدوية والإمدادات الطبية والكهرباء والمياه النظيفة تُشكِّل تحديات هائلة أمام تقديم الرعاية الصحية في جميع أنحاء البلاد.([12])
  • يفتقر حوالي 65 في المائة من السكان إلى الرعاية الصحية، ويتوقف ما بين 70 و80 في المائة من المستشفيات في المناطق المتضررة من النزاع عن العمل. وفي الوقت نفسه، تم الإبلاغ عن ما يقرب من 3,000 حالة يشتبه في إصابتها بالكوليرا، بما في ذلك 95 حالة وفاة، من سبع ولايات اعتبارًا من 12 نوفمبر، وفقا لوزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية. ولا يزال انتشار الأمراض الأخرى مستمر في عدة ولايات، بما في ذلك الحصبة والملاريا وحمى الضنك.
  • أدى انتشار مرض الحصبة إلى وفاة أكثر من 1,200 طفل دون سن الخامسة من العمر بولاية النيل الأبيض بين منتصف شهر مايو ومنتصف شهر سبتمبر فقط. وسيكون هذا مصير أربع أطفالٍ على الأقل كل أسبوع في هذه الولاية مع عدم توفر الأدوية والطواقم والإمدادات الأساسية. من جهة أخرى فهناك 4.1 مليون شخص يتلقون مساعدات لإبقائهم على قيد للحياة منذ أبريل الماضي.([13])

تدمير البنى التحتية الحيوية:

في هذا السياق ونتيجة لورود تقارير تفيد بتعرّض البنية التحتية المدنية للهجمات مع استمرار الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في جميع أنحاء البلاد أعربت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، عن بالغ القلق إزاء الهجوم، وقالت “كلیمنتاین نكویتا سلامي” في بيان صحفي نُشِرَ أكتوبر الماضي: “أشعر بقلق بالغ من أن المرافق اللازمة لعمل الخدمات الأساسية بما فيها المرافق والرعاية الصحية، تتعرض للهجوم في السودان”. وأوضح البيان أنه في شهر أكتوبر وحده، كانت هناك عدة حوادث بما فيها قصف مستشفى النَّو بقذائف، آخر المستشفيات العاملة في أم درمان. ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين في وقت كان العاملون في المجال الطبي يعالجون المرضى. وأوضح بيان المنسقة أن أربع قذائف أخرى انفجرت بالقرب من المستشفى مما أسفر عن مقتل شخصين آخرين. وأضافت المنسقة الأممية أن محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان كانت قد تعرّضت في 21 أكتوبر الماضي للقصف، الأمر الذي أدى إلى التوقف المؤقت لإمدادات المياه. مبدية القلق بشكل خاص إزاء ذلك نظرًا لاستمرار تفشّي وباء الكوليرا في ولاية الخرطوم وأجزاء أخرى من البلاد. وأشارت كذلك إلى أن تضرر المحطة لا يؤدي فحسب إلى تعطيل الإمدادات لعدة أيام، بل يمكن أن يفضي إلى أزمة طويلة الأمد تؤثر على الزراعة والصناعة والحياة اليومية بشتى أنشطتها. في هذا السياق قالت منسقة الشؤون الإنسانية في السودان إنها دعت مرارًا على مدى الأشهر الماضية القوات السودانية وقوات الدعم السريع وجميع أطراف النزاع في السودان إلى حماية البنية التحتية المدنية. وأكدت أن القانون الإنساني الدولي واضح في هذا الصدد “إذ يجب على جميع أطراف النزاع المسلح أن تحرص باستمرار على تجنيب تعرض المدنيين – بما في ذلك الأفراد والأصول الإنسانية والبنية التحتية الأساسية- لمثل هذه الهجمات.”([14])

نتيجة لتلك الأضرار التي لَحِقَت بقطاعات السودان الحيوية كالصحة والتعليم وتدمير البنى التحتية والمرافق الأساسية؛ كتدمير جسر شمبات في الحادي عشر من نوفمبر الماضي، والذي يربط بين مدينتي الخرطوم بحري وأم درمان([15])،وغيرها، فقد تم إلحاق أضرار كارثيّة إزار مقدّرات البلاد والتي تركت أثرها البالغ على الاقتصاد السوداني بشكل عام، بما في ذلك تدمير سُبل عيش ملايين الأشخاص في السودان. كما أنه من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 12 في المائة خلال العام الجاري (وفقًا للبنك الدولي كما ذكرنا أعلاه). حيث أوقف الصراع الإنتاج ودمّر رأس المال البشري وكذلك قدرة الدولة على الصمود. وعليه، فقد تم تعديل توقعات النمو للسودان بتخفيضها بمقدار 12.5 نقطة مئوية؛ لاسيما في ظل استمرار النزاع المُسلّح الذي ألحق أضرارًا بالقاعدة الصناعية والمرافق التعليمية والصحية في البلاد. ما أدى في الأخير إلى تراجع كبير في النشاط الاقتصادي -بما في ذلك التجارة والخدمات المالية وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات- وتآكل قدرة الدولة على المواجهة والصمود، مع ما يترتب على ذلك من آثار ضارة على الأمن الغذائي والنزوح القسري كما تمت الإشارة.([16])

خطر الوقوع في إبادة جماعية جديدة:

مع تصاعد العنف في منطقة دارفور بالسودان، حذّر الاتحاد الأوروبي من خطر وقوع “إبادة جماعية أخرى” بعد أن أدى الصراع هناك بين عامي 2003 و2008م إلى مقتل نحو 300 ألف شخص، وتشريد ما يربو على مليونين. بناء عليه تحدث مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” في بيان عن مقتل ما يزيد على 1000 فرد من قبيلة “المساليت” في أردمتا بولاية غرب دارفور خلال ما يزيد قليلاً على يومين فقط في هجمات شنتها قوات الدعم السريع وميليشيات تابعة لها. وقال بوريل: “تبدو هذه الأعمال الوحشية الأحدث جزءًا من حملة تطهير عرقي أوسع نطاقًا تنفذها قوات الدعم السريع بهدف القضاء على مجتمع المساليت غير العربي في غرب دارفور. وأضاف: “لا يُمكِن للمجتمع الدولي أن يغضّ الطرف عما يحدث في دارفور ويسمح بحدوث إبادة جماعية أخرى في هذه المنطقة”. وكانت المنظمة الدولية للهجرة قالت إن تقارير أفادت بمقتل نحو 700 شخص في غرب دارفور بعد اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الجنينة يومي الرابع والخامس من نوفمبر الفائت. وقالت قوات الدعم السريع، إنها سيطرت على مقر الجيش في الجنينة عاصمة غرب دارفور. وكانت وكالة “رويترز” قد أوردت أنه في الفترة بين شهري أبريل ويونيو من هذا العام شنّت قوات الدعم السريع وميليشيات عربية متحالفة معها، هجمات على مدى أسابيع استهدفت المساليت -وهي قبيلة تُشكِّل غالبية سكان الجنينة- مع اندلاع الحرب مع الجيش السوداني. ونفى زعماء القبائل العربية في تصريحات تورطهم في عملية تطهير عرقي في الجنينة، في حين قالت قوات الدعم السريع في وقت سابق، إنه لا علاقة لها بما سمّته الصراع القبلي.([17])

وقال “ستيفان دوجاريك” المتحدث باسم الأمم المتحدة مُعلّقًا على تلك الأحداث: أن هذه الأعمال تضمنت “القتل المستهدف لرجال ونساء من المساليت، والمعاملة اللاإنسانية والمهينة، والطرد القسري لمجتمعات المساليت الذين كانوا يلتمسون الأمان سابقًا داخل حي أردمتا بالجنينة والمناطق المحيطة”.([18])

الموقف الدولي إزاء الوضع في السودان:

في البداية نُشير إلى ما وَرَد ببيان الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء به، الصادر في 27 من نوفمبر 2023م، والذي أدان القتال المستمر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والميليشيات التابعة لهما. ذلك الصراع الذي يهدد بشكل أساسي سلامة وأمن شعب السودان وكذلك وحدة واستقرار البلاد والمنطقة ككل. ويؤكد الاتحاد الأوروبي على أنه ما دامت الأطراف المتحاربة مستمرة في القتال، فإن السودان برمّته سيواجه المزيد من الانقسام والتشرذّم، مما يعرض سلامة أراضيه وسيادته الوطنية للخطر. وعليه يناشد جميع الأطراف نزع أسلحتهم وإنهاء الأعمال العدائية على الفور دون شروط مسبقة.)[19]( على الصعيد ذاته يُدين الاتحاد الأوروبي التصعيد الكبير في أعمال العنف والتكلُفة التي لا يمكن إصلاحها للحياة البشرية في دارفور وفي جميع أنحاء البلاد، فضلًا عن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وفي ظل هذا يُعرِب الاتحاد الأوروبي عن شعوره بالفزع إزاء التقارير العديدة حول العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك عمليات الاختطاف والاحتجاز في ظروف أشبه بالعبودية، فضلًا عن الانتهاكات والتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان بما في ذلك حقوق الأطفال. كما يشعر الاتحاد الأوروبي بقلق عميق إزاء التقارير المتعلقة بالعنف الجماعي ضد المدنيين والتطهير العرقي. ويدعو جميع الجهات الفاعلة إلى وقف الهجمات خاصة تلك المستهدِفة للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس ومرافق الرعاية الصحية والمستودعات الإنسانية وغيرها من الأشياء المُستخدمة في عمليات الإغاثة الإنسانية. كما أنه يجب ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وغير مقيّد وفي الوقت المناسب إلى جميع أنحاء السودان، خاصة في مناطق النزاع.)[20]( ويعرب عن قلقه العميق إزاء الوضع الإنساني المتردي في السودان والدول المجاورة. خاصة مع وجود ما يقرب من 25 مليون شخص في حاجة إلى المساعدة الإنسانية، وأكثر من سبعة ملايين نازح داخليًا، لذا يؤكد الاتحاد الأوروبي عزمه توسيع نطاق جهوده الطارئة.)[21](

من جهة أخرى، وفي خضّم هذا الصراع وتداعياته بالغة التأثير والضرر على المدنيين، تقول “مارثا أما أكيا بوبي”، الأمين العام المساعد لشؤون أفريقيا في إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام وعمليات السلام: “إن السودان يواجه كارثة إنسانية متفاقمة وأزمة كارثية لحقوق الإنسان”، خلّفت أكثر من 2000 مدني منذ اندلاع القتال أبريل الفائت، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. واستكملت حديثها: “لقد حان الوقت لأن تُدرِك الأطراف المتحاربة عدم جدوى استمرار القتال وأن يتم إعطاء الأولوية إلى الحوار ووقف التصعيد”، من المهم أيضًا ألا يسقط الوضع في السودان عن الرادار الدولي، بل أن يُجدد المجتمع الدولي التزامه بتنشيط جهود السلام الجماعية والمنسقة تحت قيادة المنطقة.)[22](

في الواقع، يُمكننا القول أن كل هذه الاستجابات لم ترق للحجم الكارثي للوضع الإنساني الراهن المتأزّم في جميع أنحاء السودان، ولا إلى مستوى الوعود المُعلنة في ظل مبدأ المسؤولية عن الحماية الذي تتباهى به الأمم المتحدة كثيرًا. من المؤكد أن الاستجابة الدولية للأزمة السودانية قد تضاءلت مقارنة بتلك المقدمة إلى أوكرانيا على سبيل المثال -وهي دولة أخرى تعاني من أهوال الحرب وتحتاج إلى المساعدة. وقد أثار هذا التناقض بعض الاتهامات للكيل بمكيالين والعنصرية في دعم قضايا مقابل غض الطرف عن غيرها.)[23](

في الأخير وفيما يتعلق بالسيناريو الأكثر توقعًا للوضع في السودان خلال عام 2024، فمن غير المتوقع أن يشهد الوضع تحسنًا ملموسًا في البلاد مع استمرار الاشتباكات العنيفة بين الجانبين، والمقترن بتوقع المزيد من حالات النزوح، التي لا يزال وضعها يُمَثّل تحديًّا عصيًّا على التعامل. كما أنه بدون زيادة المُخصصات المالية لتلك الأزمات الإنسانية المتلاحقة، لن تتمكن جهود الإغاثة من قِبَل المنظمات الدولية والحكومية إلا من توفير الخدمات الأساسية اللازمة للبقاء على قيد الحياة فقط، ما يؤشر على استمرار الوضع الإنساني الحرج.)[24](


قائمة المراجع:

([1])“Humanitarian Calamity, Human Rights Crisis Looming Large in Sudan as Fighting Intensifies, Security Council Warned”, Reliefweb,17 Nov 2023, accessed in 27 Nov 2023, on: https://rb.gy/5shehs.

([2]) “An unimaginable humanitarian crisis is unfolding in Sudan”, UNHCR, 7 Nov 2023, accessed in 28 Nov 2023, On: https://rb.gy/nywitj

([3]) Sudan Sitiuation, UNHCR, 27 Nov 2023, accessed in 28 Nov 2023, On: https://rb.gy/s4pfkk

([4]) Tomás De Almeida ,Clémentine André,  “In Sudan, 10 Years of Displacements in 10 Weeks”, The Internal Displacement Monitoring Centre (IDMC), Jul 2023, accessed in 30 Nov 2023, On: https://tinyurl.com/mvcct5kh

([5]) Imad K. Harb, “In Sudan, Where Is the International Community’s Responsibility to Protect?”, Arab Centre Washington D.C., Aug 2023, accessed in 29 Nov 2023, On: https://rb.gy/yb05jp

([6]) “An unimaginable humanitarian crisis is unfolding in Sudan”, Op.cit.

([7]) Sudan: Seven months of conflict – Key Facts and Figures”, UNOCHA, 15 November 2023)”, accessed in 29 Nov 2023, On: https://rb.gy/i5yrpf

([8]( Imad K. Harb, Op.cit.

([9])“Humanitarian Calamity, Human Rights Crisis Looming Large in Sudan as Fighting Intensifies, Security Council Warned”, Reliefweb,17 Nov 2023, accessed in 27 Nov 2023, on: https://rb.gy/5shehs

([10]) Conflict-Related Sexual Violence in Sudan (15 April to 30 September 2023)”, Reliefweb, Nov 2023, accessed in 30 Nov 2023, On: https://tinyurl.com/49dbx8up

([11]) Sudan: Seven months of conflict – Key Facts and Figures”, UNOCHA, 15 November 2023)”, accessed in 29 Nov 2023, On: https://rb.gy/i5yrpf

([12]) Idem.

([13]) “An unimaginable humanitarian crisis is unfolding in Sudan”, UNHCR, 7 Nov 2023, accessed in 28 Nov 2023, On: https://rb.gy/nywitj

([14]) “منسقة الشؤون الإنسانية في السودان تبدي القلق البالغ بشأن تعرّض البنى التحتية للهجمات”، موقع الأمم المتحدة، 26 أكتوبر 2023، تحققت الزيارة في 30 نوفمبر 2023، متاح على الرابط: https://rb.gy/trbq43

([15]) ” تدمير جسر رئيسي على نهر النيل بين الخرطوم بحري وأم درمان”، سكاي نيوز عربيّة، 11 نوفمبر 2023، تحققت الزيارة في 30 نوفمبر 2023، متاح على الرابط:  https://rb.gy/sz474o

([16]) Sudan: Seven months of conflict – Key Facts and Figures”, Op.cit.

([17]) “تحذير أوروبي من إبادة جماعية أخرى” في دارفور”، موقع العربية، 12 نوفمبر 2023، متاح على الرابط التالي: https://rb.gy/l0h2h7 

([18])  “الأمم المتحدة تتحقق من تقارير حول تعرض مجتمع المساليت في دارفور لأعمال عنف واسعة”، الأمم المتحدة، 14 نوفمبر 2023، تحققت الزيارة في 28 نوفمبر 2023، متاح على الرابط: https://rb.gy/a2v9w9

 ([19])Sudan: Statement by the High Representative on behalf of the European Union on the latest situation”, European Council of The European Union, 27 Nov 2023, accessed in 27 Nov 2023, On: https://rb.gy/q50hsi

([20])Idem.

([21])Idem.

([22])“Humanitarian Calamity, Human Rights Crisis Looming Large in Sudan as Fighting Intensifies, Security Council Warned”, Op.cit.

([23]) Imad K. Harb, Op.cit.

([24](  “Sudan situation”, UNHCR, Nov 2023, accessed in 28 Nov 2023, On: https://rb.gy/vglp7q

نِهاد محمود

باحثة دكتوراه بجامعة القاهرة، مهتمة بالشأن الأفريقية. نُشِر لها عدد من الأوراق العلمية ذات الصلة بالشأن الأفريقي داخل وخارج جمهورية مِصر العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى