Uncategorized

أفريقيا وقمة بريكس: اختبار فرص اللحاق بمسار التاريخ؟

جاءت أجندة قمة كتلة “بريكس” BRICS في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا (22-24 أغسطس) على طرح العديد من القضايا التي تعني (صوريًا أو دعائيا على الأقل كما اتضح لاحقًا من مداولات القمة بالفعل وتراجع حضور الرؤساء الأفارقة لأعمالها) بقضايا دول القارة الأفريقية ومخاوفها وتطلعاتها المستقبلية في عالم مضطرب ومتغير بشكل متسارع، وحملت عنوانًا فضفاضًا وواعدًا “بريكس وأفريقيا- شراكات من أجل التكامل والتحول الصناعي” بهدف إطلاق إمكانات التعاون بين بريكس وأفريقيا لاسيما ان الأخيرة أظهرت (حسب تقديرات بنك التنمية الأفريقي) إمكانات كبرى في توقعات التنمية الاقتصادية وموارد طبيعية وفيرة وقوة استهلاك نامية وأبعاد سكانية قوية وإيجابية. كما أن صعود “بريكس” كلاعب دولي رئيس زاد من تطلعات إمكان تعزيز شراكة الفوز للجميع لتنمية القارة الأفريقية ([1]).

توجهات بريكس الأفريقية بين الشراكة والاستغلال المستدام

يرى عدد كبير من الخبراء المعنيين بالشأن الأفريقي اهتمام دول “بريكس” بأفريقيا مرهونًا بالتركيز على عدة أمور أبرزها الرغبة القوية (والقائمة بالفعل لاسيما من قبل الصين والهند في سياسات واضحة تمامًا) في استغلال الموارد الطبيعية الغنية في القارة إذ تنشط دول بريكس (ومن بينها الدولة الأفريقية الوحيدة جنوب أفريقيا) في استغلال هذه الموارد لاسيما في كل من أنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والسودان. وعلى سبيل المثال تنشط الصين والبرازيل على وجه الخصوص في استكشاف واستغلال الغاز والبترول والموارد المعدنية في القارة. كما تستهدف دول “بريكس” الاستثمار في القطاع الزراعي في أفريقيا الذي يعد محركًا لنموها الاقتصادي بشكل عام، وتقديم نفسها (لاسيما البرازيل) كنموذج يحتذى من قبل الاقتصادات الأفريقية في مجال هذا القطاع. كما تسعى دول “بريكس” بشكل واضح إلى تنويع وجهات تصديرها والوصول لأسواق جديدة قابلة للتوسع مستقبلًا، وهي ميزة نسبية كبيرة تتمتع بها السوق الأفريقية([2]).

وتتوقع أفريقيا من بريكس، وسط حفاوة أفريقية مبالغ بها في رفع سقف التوقعات رغم عدم اتضاح مؤشرات جادة بعد تعزز هذا التفاؤل وسقفه، التوصل لنموذج تمويلي جديد new funding model يعزز بدوره التكامل الإقليمي ويركز بالأساس على تمويل البنية الأساسية والمشروعات المشتركة بين الدول (وهي مقاربة صينية تمثل أحد أعمدة سياساتها الأفريقية ذات الأهداف السياسية الواضحة كما في حالة القرن الأفريقي)، لاسيما أن بريكس أكدت في الاجتماعات التمهيدية في ديربان (قبل القمة الحالية) على الحاجة إلى هذا النموذج الجديد الذي يعزز دعم المشروعات المشتركة بين الدول الأفريقية على نحو سيقود إلى الإسراع بمسار التكامل الإقليمي (بين الدول الأفريقية).

وفي موازاة هذه الطموحات الأفريقية، المتسرعة في واقع الأمر، جاءت أجندة “بريكس” الحقيقية أكثر اكتراثًا بقضايا خفض التوترات داخل الكتلة، ووجود مخاوف معتبرة من تغول الصين على صياغة سياسات الكتلة (كما يتضح في ملف أفريقيا)، ورغبة دولة مثل البرازيل مثلًا في إطلاق عملة “بريكس” تكون وسيلة للتعامل بين دول الكتلة (وهو المقترح الذي قدمه رسميًا في القمة الأخيرة رئيس البرازيل لويس لولا داسيلفا) وتؤدي إلى “زيادة خيارات المدفوعات وخفض أوجه الهشاشة” الاقتصادية، لكن مسئولين جنوب أفارقة أكدوا عدم وجود بند “عملة بريكس” على أجندة القمة([3]) مما يشير بدوره إلى حقيقة حجم الخلافات في الرؤى بين دول الكتلة والتي يهمش دونها ملف قبول “أعضاء أفارقة في الكتلة” على الأقل على المدى القريب في ضوء مصاعب اقتصادية جمة تواجهها الدول التي قدمت طلبات عضوية بالفعل أو التي أبدت ذلك مبدئيًا.   

وهكذا يمكن تأكيد أن اهتمام دول “بريكس” بأفريقيا، وتعزيز مشروعات التكامل الإقليمي بها يقوم في المقام الأول على استمرار رؤية تقليدية للقارة كمصدر هام (وأكبر عالميًا) للموارد الطبيعية، وفكرة تقسيم العمل الدولي world division of labour التي تكرس وضع أفريقيا كمصدر للمواد الخام وتعزيز حاجات بريكس من هذه المواد بشروط تفضيلية وفي مقابل إرفاد الدول الأفريقية ببرامج تمويلية طويلة الأجل وأقل تكلفة سياسية ظاهرًا لكنها تظل بمشروطيات حقيقية وصلبة تخصم من مقدرات تنمية الدول الأفريقية تنمية حقيقية في المحصلة.

أفريقيا وبريكس: على هامش محور بكين- بريتوريا

توطدت العلاقات الصينية الجنوب أفريقية في السنوات الأخيرة بشكل ملفت للغاية، وتجاوزت مسار العلاقات الاقتصادية التقليدية إلى التوصل لتفاهمات سياسية وعسكرية هامة أثارت مخاوف الولايات المتحدة وحلفائها في الإقليم. وعلى سبيل المثال فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين بكين وبريتوريا في العام 2022 ووصل إلى 56 بليون دولار لتأتي جنوب أفريقيا في المرتبة الأولى لشركاء الصين التجاريين في أفريقيا وبفارق يتجاوز الضعف مع الدول التالية لجنوب أفريقيا وبميزان تجاري متوازن نسبيًا مقارنة بهذه الدول، كما كانت جنوب أفريقيا الوجهة الرئيسة للاستثمارات الصينية المباشرة في أفريقيا في السنوات الأخيرة ([4]).  وعرضت بكين منذ يونيو الماضي تقديم دعم تقني كبير لجنوب أفريقيا لمواجهة أزمة الطاقة التي تواجهها في العامين الأخيرين وهو المر الذي بدأ يؤتي مردوداته راهنًا مع تراجع حدة هذه الأزمة.

كما تبلور التقارب العسكري الصيني الجنوب أفريقي في المناورات البحرية (موسي Mosi) التي أجراها البلدان بمشاركة روسية مطلع العام 2023 قرب سواحل جنوب أفريقيا وفي بعض موانئها. ورغم التحفظ الغربي (والأمريكي بشكل أوضح) تجاه سياسات الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوسا المتقربة من الصين فقد بادرت بريتوريا برد حاسم على الانتقادات الغربية بانها تجري منذ العام 2011 مناورات عسكرية كبيرة مع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا([5])، وأن مناوراتها مع الصين وروسيا دفاعية بحتة وتأتي ضمن أعمال سيادة جمهورية جنوب أفريقيا واستقلالها في واقع الأمر.

وزادت وثاقة الصلات السياسية بين البلدين على المستوى الثنائي حيث كانت بريتوريا محطة مفضلة للدبلوماسية الصينية للتداول في شئون القارة الأفريقية بشكل عام، وتبلور ذلك لاحقًا في التنسيق الصيني- الجنوب أفريقي عبر “منصة” بريكس حيث بدت مواقف البلدين متكاملة ومتناغمة بشكل واضح للغاية إزاء ملف القمة الرئيس: توسيع عضوية بريكس.

وهكذا يبدو أن مقاربة بريكس لأفريقيا تمر حصرًا عبر رؤية “محور” بكين- بريتوريا، ويستلزم الأمر بالضرورة التنبه لمواقف بريتوريا المتحفظة تجاه عدد من دول القارة الكبرى الراغبة في الانضمام لبريكس؛ لاعتبارات المنافسة والخلافات في العديد من الملفات الأفريقية الإقليمية وحتى الارتباطات الأفريقية بعدد من الدول الإقليمية خارج القارة مثل الإمارات والسعودية وإيران، إلى جانب اتساق هذا التحفظ مع سياسات الصين التي تفضل الوضع القائم في العلاقات مع هذه الدول التي تعد مستورد صاف للتجارة والخدمات الصينية (يبلغ نصيب صادرات الصين من تجارتها مع مصر 20 بليون دولار من إجمالي حجم هذه التجارة البالغ 21 بليون دولار في العام 2022).   

ملف توسيع بريكس: أفريقيا والرؤى المتضاربة

فيما تراجع الحضور والتأثير الأفريقيين في قمة بريكس خلف التوتر الواضح بين الصين وروسيا من جهة والبرازيل والهند من جهة أخرى إزاء ضم دولًا جديدة لاسيما من القارة الأفريقية، مع حرص جنوب أفريقيا على تبني موقف انتقائي واضح للغاية في مسألة ضم دولًا أفريقية للمجموعة ووقوفها بالأساس وراء ملفي إثيوبيا ونيجيريا لاعتبارات العلاقات الثنائية معهما، وفتور موقفها إزاء الملف المصري تحديدًا. وعكست هذه المواقف تراجع حظوظ القارة الأفريقية في الإسهام الفعال في تسيير كتلة بريكس مستقبلًا حتى في حال ضم دولًا أفريقية بها في الفترة المقبلة، لاسيما أن الدول المرشحة تعاني من مشكلات اقتصادية مزمنة ومتفاقمة ستمثل –على المدى القصير في أفضل الأحوال- عبئًا على مسيرة بريكس ومساعي بكين على وجه الخصوص الحضور بشكل بارز في المشهد الدولي وقيادة “الجنوب العالمي” في ظل ما وصفه الرئيس الصيني شي جينبينج، وبدلالات بلاغية لا تخطئها العين على “ريادة الصين” للكتلة،  في ملاحظاته لدى “منتدى أعمال بريكس”  BBRICS Business Forum في جوهانسبرج  بأنه هناك الآن “تغيرات في العالم، وفي أزماننا، وفي التاريخ تتكشف على نحو غير مسبوق من قبل، تصل بالمجتمع البشري إلى مفترق خطير”،  ثم استدراكه، قبل مغادرة الاجتماع الذي ظل يحضره رؤساء جنوب أفريقيا والبرازيل ورئيس وزراء الهند، أن “خياراتنا (التي نصنعها هنا في جوهانسبرج؟) ستشكل مسار التاريخ”([6])

ورغم الحفاوة الإعلامية الأفريقية التي حظي بها ملف توسيع العضوية وضم عدد من الدول الأفريقية “المرشحة” خلال القمة الراهنة فقد جاء إعلان وزيرة خارجية جنوب أفريقيا ناليدي باندور (23 أغسطس) عن اتفاق قادة بريكس بالفعل على آليات “للنظر في طلبات الأعضاء الجدد” مؤشرًا إلى تأجيل البت في أغلب الملفت المقدمة (لاسيما الأفريقية) خلال القمة الراهنة([7])، وكشف هذا الموقف عن غموض مسالة العضوية وسقف توقعات الدول الأفريقية (لاسيما إثيوبيا ونيجيريا ومصر) مقابل إمكاناتها الحقيقية للمساهمة في دفع بريكس خطوات للأمام. وعلى سبيل المثال فإن إثيوبيا تعاني منذ سنوات (ولاسيما منذ نهاية العام 2019)  من أزمة خطيرة في بناء الدولة نفسها عوضًا عن استقرارها على المدى البعيد في ظل استقطابات إثنو- سياسية مكتومة ومرشحة للتصاعد في اية لحظة، كما تواجه نيجيريا مخاطر داخلية (مثل الفساد والضغوط الاقتصادية الملحة) وإقليمية جمة آخرها الأزمة في النيجر المجاورة وتهديدات انتقال العديد من تداعياتها السلبية داخل نيجيريا نفسها، فضلا عن صعوبات اقتصادية غير مسبوقة في مصر ربما وجدت مؤشرا خطيرًا في وصول الدين العام (قدر بنحو 421 بليون دولار) إلى رقم مقارب لمجمل الناتج المحلي الإجمالي، فيما وصل الدين الخارجي بها مطلع العام الجاري إلى نحو 170 بليون دولار، واستحواذ مصر وحدها على نسبة 60% من مجمل ديون القارة الأفريقية  المقدرة عند 727 بليون دولار (مع إعلان الحكومة خططًا في يوليو الماضي بخفض نسبة الديون للناتج المحلي إلى ما دون 80% في الأعوام الخمسة المقبلة) عوضًا عن الارتفاع الحاد في تكلفة تمويل العجز في خدمة الديون الذي كان متوقعًا وصوله على 30 بليون دولار في يوليو الفائت.

وهكذا تبدو حظوظ أبرز الدول الأفريقية المرشحة للانضمام لبريكس محكومة بشكل كبير بتوجهات دول بريكس نفسها ورؤيتها لأدوار تلك الدول الأفريقية المرتقبة سواء في توظيف استغلال مواردها الطبيعية أم استثمار إمكاناتها اللوجيستية والصناعية على نحو غير مسبوق لتلبية هدف دعم بريكس وتقويتها تنمويًا وليس تقديم مظلة وازنة لمجموعة العشرين أو مجموعة السبعة الكبار (بمعنى تعزيز العضوية الجديدة لمقدرات دول بريكس الخمسة وليس مساعدة الأخيرة للدول الجديدة في تحقيق قفزات لتجاوز أزماتها الاقتصادية الراهنة.

خلاصة

رغم الزخم الكبير الذي تحظى به قمة بريكس (22-24 أغسطس الجاري) واعتلاء بند توسيع عضوية الكتلة وضم دول أفريقية إليها فإن النظرة المدققة تكشف عن جوانب موحية بعدم أولوية أفريقيا وقضاياها في القمة الحالية إلا في حدود  ضيقة ومتعلقة بالأساس بخط سير بريكس في الفترة المقبلة وديناميات صنع سياساتها وتوازنات قوى الكتلة الدقيقة والتي لا تسمح حاليًا بمد رقعتها إلى الدول الأفريقية كعضوية كاملة فيما يرجح قبول عضوية دول أخرى من خارج القارة تملك اقتصادات متوازنة وقدرة مالية كبيرة ستمنح الكتلة قوة إضافية على نحو يتسق مع خطط تطويرها وتمتين العلاقات بين أطرافها، ويبدو أنه على دول القارة (سواء الكبيرة أم المتوسطة أو الصغيرة) الانتظار لوضوح آليات توسيع العضوية واستيفاء شروط هذه الاليات بكل دقة.  


[1] Africa and the BRICS: a Win-Win Partnership? Africa Development Bank, July 10, 2023 https://blogs.afdb.org/fr/afdb-championing-inclusive-growth-across-africa/post/africa-and-the-brics-a-win-win-partnership-12098

[2] Ibid.

[3] Explainer-What is a BRICS currency, and could one be adopted?, Investing.Com, August 23, 2023https://www.investing.com/news/economy/explainerwhat-is-a-brics-currency-and-could-one-be-adopted-3159960 

[4] Kate Bartlett, South Africa Looks to China to Shed Light on Power Crisis, VOA, June 27, 2023 https://www.voanews.com/a/south-africa-looks-to-china-to-shed-light-on-power-crisis/7154861.html#:~:text=China%20and%20South%20Africa%20have%20close%20diplomatic%20and,investment%20destinations%20for%20Chinese%20enterprises%20on%20the%20continent.

[5] Why is South Africa’s navy joining exercises with Russia and China?, BBC, February 17, 2023 https://www.bbc.com/news/world-64380572

[6] Bhargav Acharya and Gabriel Araujo, BRICS divisions re-emerge ahead of critical expansion debate, Reuters, August 22, 2023 https://www.reuters.com/world/brics-leaders-meet-south-africa-bloc-weighs-expansion-2023-08-22/

[7] Carien du Plessis and Krishn Kaushik, BRICS nations agree on expansion, South Africa foreign minister says, Reuters, August 23, 2023 https://news.yahoo.com/brics-leaders-weigh-expansion-criteria-094855745.html?fr=sycsrp_catchall

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى