الأزماتالاستخباراتالقضايا

أفريقيا في المدرك الجيوسياسي الايراني.. مساعي توظيف أزمات وتوسيع نفوذ

المقدمة

يرى المراقبون أن السياسة الايرانية تجاه القارة الافريقية تتحلى بالصبر والتأني في أحيان كثيرة، إذ لا تتعجل طهران في الحصول على نتائج ملموسة من إستراتيجيها الافريقية بل تسعى الى ملء الفراغات الجيوسياسية المتخلقة من الصراع الدائر بين الدول العظمى، وتوظف الازمات التي تجري على مستوى القارة الافريقية لصالح فتح مجالات للتنفذ في الدول الافريقية. ودائماً ما ينتهز النظام في طهران ازمات دول القارة ويحولها الى فرص وبوابة لدخولها وتوسيع نفوذه وتقوية حضوره في تفاعلاته السياسية والإقتصادية والعسكرية. ولقد تمظهرت هذه الفرضية في دول إفريقية متعددة من ضمنها إثيوبيا وجمهورية مالي والسودان وافريقيا الوسطى.

لقد سعت طهران وراء تقوية شراكاتها العسكرية مع دول افريقية تعاني من حالة إحتراب داخلي. وخير مثال لذلك إرسالها الى النظام الاثيوبي معدات عسكرية وطائرات مسيرة من طراز (مجاهد 10)، والتي إستخدامها الجيش الاثيوبي في حربه ضد جبهة تحرير تجراي. كما أكدت معلومات تناقلتها وسائل إعلام إسرائيلية أن وزير الدفاع المالي العقيد ساديو كامارا عقد اجتماعات في طهران مع نظيره الايراني محمد رضا أشتياني وطالب بإرسال أسلحة إلى مالي بعد أن تأزمت علاقات الاخيرة بحلفائها الغربيين. وبالتالي يمكن القول أن النظام الايراني لايفوت فرص تجسير علاقاته العسكرية والسياسية والاقتصادية مع دول تعاني تازمات في أنظمتها السياسية وبنيتها العسكرية والاجتماعية وفي علاقات الخارجية.

إفريقيا في المدرك الإيراني:

ومنذ عهد الشاه تحتل القارة الافريقية أهمية قصوى في المدرك الاستراتيجي الايراني حيث سعت منذ زمن بعيد الى التواصل مع القارة الافريقية من خلال نسج علاقات تجارية وإجتماعية ودينية وثقافية وعسكرية. وإستمر هذا الامر بعد ثورة الخميني الاسلامية بل تطور الخطاب الإيراني وأدخلت فيه سياقات أدبيات مناهضة الامبرالية والهيمنة الغربي من خلال توظيف المظالم الافريقية التاريخية من اجل فكرة تصدير الثورة والدفاع عن المستضعفين في الارض[1].

وتاسيساً عليه تعتبر القارة الافريقية في منظور السياسية الايرانية ساحة لتجاوز العزلة الدولية المفروضة على طهران. فضلاً عن تعاظم الثقل الجيوبولتيكي القارة الافريقية في المنظومة الدولية حمل النظام الايراني الى رمي ثقله في القارة وأعطاها إهتماما أكبر. وتجسد ذلك في الجولة الاخيرة للرئيس إبراهيم رئيسي والتي ضمت ثلاث دول إفريقية[2].

وفي سياق تحديث السياسة الخارجية الايرانية وضع الرئيس إبراهيم رئيسي خطة جديدة تضمن الانفتاح على القوى الغربية لذلك وضع خيار الانفتاح على القارة الافريقية ربما يعدد فرص تجاوز العزلة الدولية. ويمكن أن تقرأ خطوة الدخول في منظومة البريكس في مساعي تشكيل نظام عالمي جديد وإستقلال البريكس كمنصة للانفتاح على دول القارة الافريقية الاعضاء (مصر، إثيوبيا، جنوب أفريقيا…). وكما تنظر ايران الى القارة الافريقية كسوق تجاري لمنتجاتها حيث تفيد الإحصائيات ان صادراتها الى دول القارة تضاعفت بنسبة 100% خلال العام الماضي وتتمثل الصادرات في المعدات العسكرية والزراعية والطبية والمواد البترولية والغذائية حيث وتصلت صادراتها الى جمهورية جنوب افريقيا الى أعلى مستوى.[3]

تقليديا ترتكز السياسة الخارجية الإيرانية حيال القارة الافريقية على أدوات الناعمة المتمثلة في الوسائل الثقافية والاقتصادية والدينية ولكن مع تبدل المعطيات في الساحة الافريقية مزجت طهران سياسيتها بالتعاون العسكري والسياسي من أجل توظيف متلازمة الأزمة التي تعاني منها أغلب دول القارة الافريقية. حيث جسرت علاقات العسكرية مع أنظمة تشكلت عقبة مسلسل الانقلابات العسكرية في دول الساحل الافريقي وبالتحديد النظام العسكري في جمهورية مالي والنيجر وبوركينافاسو.

أهمية منطقة القرن الافريقي في مفهوم الجهاد البحري الايراني:

بالرغم من أن مفهوم الجهاد البحري يرجع الى الادبيات الاسلامية القديمة الا أن النظام الايراني أعاد توظيفه من اجل توسيع نطاق نفوذ وتأثيره الجيوبولتيكي على مستوى منطقة الشرق الاوسط والانتفاح على البحار البعيدة. حيث يولي العقل الإسترايتيجي الايراني منقطة القرن الافريقي أولوية خاصة وتزايد الاهتمام الايراني بالمنقطة عندما قام الرئيس الأسبق هاشميرفسنجاني بزيارة السودان في العام 1991[4].

إن أهــداف النظام الايراني من التواجد في منطقة الشرق الافريقي تتمثل في النقاط التالية:

  1. توسيع حلقات الصراع مع الدول المنافسة (العدو حسب توصيفه) ونقله الى ساحات بعيدة عن حدودها الجغرافية.
  2. التعامل الاستباقي مع التهديدات الأمريكية والاسرائيلية.
  3. تحويط الدول العربية المتحالفة مع الغرب، المملكة العربية السعودية على وجه التحديد.
  4. التدخل في الصراعات الاقليمية وتسجيل الحضور الدبلوماسي والعسكري.
  5. تأمين خطوط الامداد للحلفاء المحليين (حركة حماس، حزب الله، وأنصار الله)

منطقة الساحل الافريقي وكسر حواجز العزلة الدولية

إن الزيارات المتبادلة بين مسؤولين من النظام الإيراني وقادة من دول الساحل الافريقي تجسد حالة التازم التي وصلت لها علاقات هذه الدول مع القوى الغربية وخصوصاً فرنسا. حيث تهدف قيادات دول المنطقة الى توسيع دائرة التخادم الإستراتيجي مع القوى الشرقية بما يخدم مصالحها وتثبيت أركان حكمها. وتعتبر الجمهورية الاسلامية الايرانية أهم اللاعبين الجدد في الساحة والتي باتت من أكبر المنافسيين للدول الغربية على مستوى القارة الافريقية. وكما أشارنا أعلاه، لايترك النظام الإيراني أزمة سياسية أو عسكرية أو إقتصادية إلا وحولها إلى فرصة لتقوية نفوذه. وبالتالي خلال شهر أكتوبر المنصرم تزاورت الشخصيات الإيرانية والساحل إفريقية بصورة روتينية، حيث زار وزير الدفاع المالي لطهران، وإلتقى بمسؤولين عسكريين وتباحث حول سبل تعزيز التعاون العسكري وكيفية الحصول على دعم إيران العسكري للجيش المالي. كما سجل وزير الخارجية الايراني عبداللهيان الى جمهورية مالي من قبل، علماً إلتقى وفد إيراني أكايمي تقني بنظرائه بجمهورية بوركينافاسو وتباحثا سبل تطوير المجالات المشتركة.

وعليه يقصد النظام الايراني من تجسير علاقاته مع دول منطقة الساحل الافريقي تحقيق الاهداف الاستراتيجية التالية:

  1. توظيف حالة الفراغ الاسترايتجي في منطقة الساحل الافريقي.
  2. كسر العزلة الدولية التي فرضتها الدول الغربية على طهران.
  3. إستغلال حالة الحوجة في مجال الطاقة لدول المنطقة من اجل توسيع النفوذ.
  4. بيع الاسلحة والمعدات لدول المنطقة.
  5. الاصطفاف مع الموقف الروسي والصيني تجاه القارة الافريقية.
  6. مكافحة التنظيمات الارهابية من أجل تحسين صورة إيران الخارجية.
  7. خلق شبكات تواصل شعبي من اجل التنفذ الناعم في مجتمعات المنطقة
  8. محاصرة النفوذ الاسرائيلي المتزايد في دول المنطقة (تشاد، ليبيا، النيجر، السنغال والمغرب…).

الخلاصة:

قد أدى اختيار القيادة الإيرانية الحازم لاتباع نهج مختلف عن النهج الغربي في السياسة الخارجية إلى إعادة تنشيط جهود طهران لإعطاء الأولوية للعلاقات مع أفريقيا. وتشير الزيارة الأخيرة للرئيس الإيراني إلى أفريقيا، بعد أكثر من عقد من الزمن، إلى جانب الزيادة الملحوظة في التجارة مع القارة في السنوات القليلة الماضية، إلى تقدم في أجندة النظام الايراني. ورغم أن تحقيق تقدم سياسي واقتصادي كبير قد لا يكون وارداً في الوقت الحالي على اقل تقدير، فإن المشاركة المستمرة تعمل على تعزيز اعتقاد الحكومة الإيرانية بأن الضغوط الغربية يمكن التهرب منها، وأنه من الممكن إتباع سياسة خارجية مناهضة للغرب من دون التعرض لنتائج لضغوطات خارجية. لذلك، يبدو من المرجح أن تستمر طهران في تعزيز العلاقات مع القارة الأفريقية ودول الساحل الافريقي على وجه التحديد كجزء من رؤيتها طويلة المدى.

وكماهو ملاحظ أصبحت في الاونة الاخيرة منطقة الساحل الافريقي محط أنظار كل القوى الدولية والاقليمية، لذلك إهتمام الجمهورية الاسلامية بهذه المنطقة بالرغم من تعدد أسبابه، الا أن الثابت ان الغاية الاساسية الايرانية من الحضور في تفاعلات هذه المنطقة هو التاكيد على دور إيراني المحوري على مستوى القارة الافريقية والعالم.

الهوامش:


Meysam Mirzaei Tabar, (Expounding the geopolitical dimensions and interests of Iran’s presence in the Horn of Africa), Department of Geopolitical Studies, African Studies Center, Tarbiat Modares University, Tehran, Iran, https://journal.iiwfs.com/article_158055.html?lang=en

Amin Naeni, (Iran’s renewed Africa policy: Raisi’s ambition and the perception of Western decline), Middle East Institute, https://mei.edu/publications/irans-renewed-africa-policy-raisis-ambition-and-perception-western-decline

Iran Exports to South Africa, (Trading Economic), https://tradingeconomics.com/iran/exports/south-africa

Leonardo Jacopo Maria Mazzucco, (Iran and the Horn of Africa: The Stakes and Hurdles of Building a Strategic Foothold), Gulf international Forum, https://gulfif.org/iran-and-the-horn-of-africa-the-stakes-and-hurdles-of-building-a-strategic-foothold/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى