الاستخباراتالقضايا

أفريقيا بين الصين والولايات المتحدة من شنغهاي إلى سان فرانسيسكو في نصف قرن

التقى الرئيس الأمريكي جو بايدن نظيره الصيني شي جينبينج في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية المطلة على المحيط الهادئ في منتصف نوفمبر الجاري فيما مثل اختراقًا هامًا في الأزمة الأمريكية- الصينية المستحكمة بعد أكثر من نصف قرن بشهور قليلة من توصل واشنطن وبكين إلى ما عرف ببيان شنغهاي Shanghai Communiqué (فبراير 1972)، والذي ينسب إنجازه بشكل كبير لمستشار الأمن القومي الأمريكي الأبرز هنري كيسنجر، والذي تضمن وضع حدودًا دنيا من التنافس الأمريكي الصيني بعد إطلاق عملية تطبيع في العلاقات وتوسيع الصلات الشعبية المتبادلة وفرص التجارة بين البلدين. وكان البيان قد استهدف في المقام الأول، دون مواربة، الحيلولة دون توسع الاتحاد السوفييتي في إقليم آسيا- الباسيفيك مع نص البيان على معارضة البلدين “لجهود أية دولة أخرى أو مجموعة دول لإرساء مثل هذه الهيمنة”([1]).

في فصل دال للغاية وضعه لورانس ماندارا L. Mhandara بعنوان “إعادة تحديد نظم التحالف” سعى فيه لتقديم رؤية بديلة لمقاربة الصين “”برفع الأيدي” تجاه السياسة الأفريقية([2])، وفيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة والموقف من سياساتها في أفريقيا يلاحظ ماندارا أنه في ظل عالم هيمنت فيه الولايات المتحدة على مسارات السياسة الدولية تقريبًا فإن الصين تبنت استراتيجيات تحالف مبتكرة توازن هذه السياسات الأمريكية على نحو تتفادى معه الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، وكان اختيار بكين للتوازن الاقتصادي كأولوية على التوازن العسكري قائمًا على فكرة أن القوة العسكرية تثير تهديدات متصاعدة في مواجهة واشنطن، ورأت الصين، اختصارًا، أن استراتيجيتها الكبرى تقوم على سعيها “لتعزيز قيمتها كشريك جاذب ولا يمكن الاستغناء عنه في مسائل هامة للدول الأخرى، وتعزيز سمعتها كعضو بارز في الاقتصاد العالمي. ومن ثم فإن أفريقيا لم تعد عنصرًا في مفهوم “العالم الثالث” في الدبلوماسية الصينية (حيث حرصت الصين على التحدث باعتبارها أهم قوة به) بل باتت حليفًا سياسيًا هامًا للصين في استراتيجيتها الدولية. وباختصار بالغ فإن الصين ظلت تنخرط في أشكال تكتيكية وغير رسمية وغير معلنة من بنية التحالف مع أفريقيا لسبب رئيس وهو أن الولايات المتحدة كانت تواجه بقوة أية تحالفات رسمية معلنة، وأن أسلوب الصين “بالتوازن الناعم” كان لا يمثل تهديدًا مباشرًا للسياسات الأمريكية في أفريقيا كما في أمثلة كثيرة في أنجولا والصومال وزائير وإثيوبيا وحالات أخرى منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي لم يتعارض الوجود الصيني بها مع استراتيجيات الولايات المتحدة ومصالحها في تلك الدول.

أفريقيا العالقة في “الوفاق” الصيني الأمريكي

ومن ثم فإن التجارب الكثيرة التي شهدتها دول القارة الأفريقية من تداعيات “الوفاق” الصيني الأمريكي (المناهض بالأساس لأي وجود للاتحاد السوفييتي في القارة ووصولًا لتحالفات صريحة بين بكين وواشنطن لمواجهة النفوذ السوفييتي في القارة في حالات كثيرة) تفرض عدم تقديم تصور مجاني بقدرة الصين، حتى بعد مرور 50 عامًا على بيان شنغهاي، على موازنة الهيمنة الأمريكية في القارة أو استبدالها؛ لاسيما عند مطابقة خريطة مشروعات مبادرة الحزام والطريق مع خريطة أهم مرتكزات النفوذ الأمريكي التقليدية في القارة الأفريقية (لاسيما الحالة الإثيوبية الأكثر وضوحًا وارتباطًا عضويًا بالنفوذ الأمريكي والأوروبي).  

أفريقيا العالقة في “الوفاق” الصيني الأمريكي

وفي ظل الحالة الأفريقية الراهنة ومراوحات دول القارة في مكانها سعيًا للاحتماء بقوة دولية أو المناورة في هوامش “تناقضات” السياسات الدولية فإن أي اتفاق أمريكي صيني مباشر سيعني نتيجة حتمية -فيما يخص أفريقيا- بتراجع قدرات الدول الأفريقية على تحقيق مكاسب كانت مأمولة من وراء سياسات صينية واضحة وداعمة للتنمية الوطنية في تلك الدول، على الأقل على المدى المتوسط أو البعيد.  

الحزام والطريق وممر لوبيتو: تنافس أم خطوط التقاء؟

احتفلت الصين في العام الجاري بمناسبة مرور عقد كامل على إطلاق “مبادرة الحزام والطريق” رسميًا، وكان لهذا الاحتفال أصداء أفريقية واضحة إذ وصل عدد الدول الأفريقية الموقعة على اتفاقات تفاهم في مسار المبادرة 52 دولة، مع ملاحظة توفير المبادرة بلايين الدولارات من الاستثمارات العملاقة في تشييد الطرق والموانئ والسكك الحديدية وغيرها من مرافق البنية التحتية الهامة في شتى أرجاء القارة الأفريقية. ولم تؤد هذه الاستثمارات فحسب إلى تحسن ملموس في قطاعاتها في الدول الأفريقية المعنية، بل إنها وفرت للصين وصولًا غير مسبوق لثروة أفريقيا المعدنية الهائلة لاسيما في دول مثل زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (التي تملك الشركات الصينية بها على سبيل المثال حاليًا أكثر من 80% من مناجمها من النحاس) والتي تملك جميعهًا احتياطات وفيرة من النحاس وغيره من المعادن الهامة، وإجمالًا أنفقت الصين حتى الآن أكثر من تريليون دولار في مشروعات تتضمن غاياتها منها على الأقل تأمين إمداداتها من الموارد الرئيسة لإحداث الانتقال الطاقوي([3]).   

وفي مواجهة هذا النجاح الصيني الملفت، دون تفويت ملاحظة أنه تركز في عدد من أهم مراكز النفوذ الأمريكي والغربي التقليدية في القارة مما ينفي جزئيًا فرضية عدم وجود مقبولية أمريكية جزئية لهذا التوغل الصيني دون مشروطيات أمريكية  صفرية (على الأقل)، بادرت الولايات المتحدة وعدد من أهم حلفائها في أوروبا مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا بالإعلان عن ضخ استثمارات ضخمة في مشروع ممر لوبيتو Lobito Corridor في أفريقيا الجنوبية (ما تعرفه شركة ترافيجورا Trafigura بخط سكك حديد الأطلنطي لوبيتو  Lobito Atlantic Railway) الذي يستهدف، عوضًا عن تعميق الصلات التنموية مع الدول الأفريقية التي يمر عبرها الممر وهي حتى الآن زامبيا والكونغو الديمقراطية وأنجولا، تيسير وصول الدول الغربية للموارد المعدنية الهامة في تلك الدول([4]).

وفي خطوة تتشابه كثيرًا مع مقاربة الصين التنموية في أفريقيا والتعامل مع شركاء في القارة، لاسيما بنك التنمية الأفريقي ومؤسسة التمويل الأفريقية، انضمت المؤسستان الأخيرتان (اللتان تحصلان على تمويلًا خليجيًا هامًا) في نوفمبر الجاري إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وانجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا في توقيع مذكرة التفاهم لتطوير ممر لوبيتو وخطط سكك الحديد الجديد بين زامبيا الحبيسة وميناء لوبيتو بهدف إكمال المشروعين في غضون خمسة أعوام([5])؛ ويمثل مشروع ممر لوبيتو بداية لانخراط أمريكي مكثف في مشروعات البنية التحتية في أفريقيا بعد عقود من الغياب النسبي؛ وحسب محللون أمريكيون فإن خط سكك حديد زامبيا- لوبيتو الذي يربط شمال غرب زامبيا بخط سكك حديد لوبيتو الأطلسي وميناء لوبيتو “يمثل مشروع النقل الأهم الذي تساعد الولايات المتحدة في تطويره في القارة الأفريقية منذ عقود لأنه سيعزز التجارة الإقليمية والنمو ويعمق “الرؤية المشتركة لربط سكك حديدي بين المحيطين الأطلسي والهندي ، فيما سيمثل توازيا هامًا لخطوط مبادرة الحزام والطريق ويقترب من التماس معها في الأطراف الجنوبية من شرق أفريقيا. إضافة إلى ذلك تتوقع الولايات المتحدة أن يعزز المشروع التكامل الإقليمي بين دوله الأفريقية الثلاثة مما سيزيد التنافسية الإقليمية والتجارة داخل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تعول الصين أيضًا على دعمها بشكل تام.   

وستكشف الفترة القصيرة المقبلة مدى تنافس أو تكامل مشروعات الحزام والطريق مع ممر لوبيتو لاسيما أن للصين والولايات المتحدة استثمارات كبيرة في دول تقاطع هذين المشروعين بشكل ملفت وهي الكونغو الديمقراطية وزامبيا وأنجولا.

أفريقيا وما بعد سان فرانسيسكو 

اتفق الزعيمان بايدن وشي في قمتهما الأخيرة في سان فرانسيسكو على استئناف الاتصالات العسكرية بين البلدين، وتعهدا “بالعمل معًا على مواجهة انتشار الفنتانيل fentanyl حيث أن الصين مصدر للعديد من الكيماويات المستخدمة في إعداد هذا العقار. ورغم مواصلة بايدن وصف شي بالديكتاتور ووصفه علاقة بلاده بالصين بأنها تنافسية ([6]) فإن أفق ما بعد سان فرانسيسكو يبدو متهيئا لصالح توافقات أخرى بين البلدين في ملفات أخرى ستمس أفريقيا في الغالب.

بأي حال فإن توازنات القوى الدولية بعد الحرب في أوكرانيا باتت واقعة أكثر في يد القطبان الأمريكي والصيني، ومن ثم فإن قمة بايدن وشي مؤشر قوي في اتجاه ضبط أكبر لهذه التوازنات؛ الأمر الذي ستكون تداعياته حاضرة بقوة في أفريقيا وربما إعادة إنتاج هيمنة هجينة على مقدراتها وإتاحة فرص أكبر لواشنطن لتعزيز مصالحها ونفوذها على نحو غير مسبوق. ففي حين أكد بايدن أن لقائه بشي مثل “لحظة صدق نادرة” رأى خبراء كثر أن بايدن لم يتبع مواقفه اللفظية تجاه الصين الشيوعية (وآخرها اتهامه شي بأنه ديكتاتور) باستراتيجية أو رؤية حقيقية فيما يتعلق بالتهديد المتزايد الذي تفرضه، وعقد هؤلاء الخبراء مقارنة بين بايدن ودونالد ترامب الذي وصفوه بانه “كان صاحب مقاربة واضحة تمامًا تجاه الصين ولم يكن يخشى مواجهتها” عكس بايدن([7]). أما الصين، من جهة أخرى، فقد رأت في قمة سان فرانسيسكو فرصة لتفادي التصعيد مع الولايات المتحدة في كافة المسارات؛ وأكد الرئيس شي جينبينج رغبة بلاده في توطيد روابط الصداقة مع الولايات المتحدة وأن بكين لا تريد خوض أي حرب مع أي دولة. موضحًا أن الصين لم تقف “ولا مرة ضد الولايات المتحدة”، وأنه وليست لديها النية لزعزعة مكانتها على الإطلاق ([8]).     

ويعزز التصورات السابقة طائفة من التحليلات التي تتناول -مبدئيًا- مخرجات قمة بايدن -شي. وعلى سبيل المثال كشفت هذه التحليلات أن القمة سبقتها محادثات مكثفة ومستمرة بين البلدين طول الشهور الستة السابقة عليها من أجل “استقرار العلاقات التنافسية” بينهما قبل ارتفاع حرارة الانتخابات الأمريكية والانتقال الحكومي في تايوان في الصيف المقبل. ولاحظ عدد آخر من المراقبين أن الرئيس الصيني شي استهدف ضمن أولويات الاجتماع إرسال رسالة إيجابية للمستثمرين الأمريكيين بشأن عودتهم القوية للاستثمار في الصين، إلى جانب تهدئة احتمالات أية مواجهات عسكرية بين البلدين عبر الاتفاق على تعزيز الاتصالات بين البنتاجون وجيش التحرير الشعبي “مما يخفض فرص التوترات العارضة ويثير حسابات تهديدية في عواصم إقليمية”([9]).

وفيما غطت مسألة تايوان ووضعها في تشابكات العلاقات الصينية الأمريكية بعد قمة سان فرانسيسكو فإن أفريقيا تترقب، كما جرت العادة، تبعات هذه القمة لاسيما أن تقارير عدة تشير إلى تحقيق الصيان مكسب تنازلات سياسية أمريكية مهمة مقابل وعودًا بالتعاون وتيسير التوترات الثنائية بين البلدين والسماح لبكين -عبر خفض الاشتباكات السياسية الدولية على نحو مفترض- بالتركيز على نمو اقتصادي أكبر([10]).

خلاصة

عادت الصين، بكل وضوح، لتبني سياساتها التقليدية بضرورة عدم التصادم مع الولايات المتحدة وفق ما سبق أن وصفه الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل سنوات بسياسة “الأسيجة الآمنة” التي لا تسمح لعلاقات بلاده بالصين للوصول لمرحلة الصدام المباشر؛ وكان تبني الصين شعار أنه لا يمكن أن تدير ظهرها للولايات المتحدة الأمريكية([11]) كاشفًا ومفندًا لمقولة طالما رددها معنيون أفارقة بأن الصعود الصيني على الساحة الدولية يعني -بالضرورة- خصمًا من مقدرات الهيمنة الأمريكية في القارة، وهي مقولة باتت بعد نصف قرن من “بيان شنغهاي” محل الاختبار الجدي مرة أخرى وبمؤشرات ومقاييس جديدة تمامًا ستتضح معالمها في الفترة المقبلة وربما قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

كما يبدو أن المتغير الأمريكي- الصيني في أفريقيا بعد قمة سان فرانسيسكو سيفرض على دول القارة خيارات صعبة للغاية ويخفض هوامش المناورة في السياسة الدولية ويضعها -من زاوية أخرى- أمام تحدياتها الداخلية المباشرة مثل قضايا الإرهاب والتحول الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية والتنمية الوطنية. ويؤشر في المحصلة إلى مرحلة جديدة في مستقبل القارة الأفريقية تحمل في طياتها -ربما- الاستفادة من التجارب السابقة والتي راهنت على استغلال مساحات المناورة في السياسات الدولية بدرجة منخفضة للغاية من الوعي.


[1] Shanghai Communiqué Issued, American Experience https://www.pbs.org/wgbh/americanexperience/features/china-communique/

[2] Mhandara, Lawrence, Alliance Systems Redefined Toward an Alternative Perspective of China’s Hands-off Approach to African Politics (in: Sabella O. Abidde and Tokunbo A. Ayoola, editors, China in Africa Between Imperialism and Partnership in Humanitarian Development), The Rowman & Littlefield Publishing Group, Inc. London, 2021, pp. 69- 81.

[3]  Alex Stonor, The Lobito Corridor: Washington’s Answer to Belt and Road in Africa, Geopolitical Monitor, November 16, 2023 https://www.geopoliticalmonitor.com/the-lobito-corridor-washingtons-answer-to-belt-and-road-in-africa/

[4] Alex Stonor, The Lobito Corridor: Washington’s Answer to Belt and Road in Africa, Geopolitical Monitor, November 16, 2023 https://www.geopoliticalmonitor.com/the-lobito-corridor-washingtons-answer-to-belt-and-road-in-africa/

[5] Developing the Lobito Corridor and Rail Line Voice of America, November 8, 2023 https://editorials.voa.gov/a/developing-the-lobito-corridor-and-rail-line/7346750.html

[6] Biden and Xi meet; Santos says he will not run again, The Economist, November 17, 2023 https://www.economist.com/in-brief/2023/11/17/biden-and-xi-meet-santos-says-he-will-not-run-again

[7] Paul Wither, Joe Biden’s ‘rare moment of truth’ about Xi Jinping but seen by China as ‘feeble and weak’, Express, November 18, 2023 https://www.express.co.uk/news/world/1835972/joe-biden-xi-jinping-dictator-us-china-tensions

[8] Xi Says China Seeks to Be Friends With US, Won’t Fight ‘Hot War’, Bloomberg, November 16, 2023 https://www.bloomberg.com/news/articles/2023-11-16/xi-says-china-seeks-to-be-friends-with-us-wants-peaceful-ties#xj4y7vzkg

[9] Mark Magnier, Xi-Biden summit hit pause on troubled US-China relations, delivering some modest deals: analysts, South China Morning Post, November 18, 2023 https://www.msn.com/en-xl/news/other/xi-biden-summit-hit-pause-on-troubled-us-china-relations-delivering-some-modest-deals-analysts/ar-AA1k7wot

[10] Michael MartinaTrevor Hunnicutt and Greg Torode, What China’s Xi gained from his Biden meeting, Reuters, November 17, 2023 https://www.reuters.com/world/asia-pacific/what-chinas-xi-gained-his-biden-meeting-2023-11-17/

[1] Highlights: Joe Biden and Xi Jinping talk military cooperation, climate and Tawain, NBC News, November 16, 2023 https://www.nbcnews.com/politics/joe-biden/live-blog/biden-xi-jinping-meeting-live-updates-rcna124921

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى